تعتز الجميلة اعتزازاً خاصاً بمجامع اللغة العربية باعتبارها حصونها الحصينة المدافعة عنها والمحافظة على خصائصها وحيويتها والعاملة على تجديدها واثرائها ومواكبتها لركب التقدم. لكنها تعتز اعتزازاً اخص بمجمع اللغة العربية بدمشق، لا لأنه اول وأقدم المجامع المعاصرة فحسب وانما لانه ـ ايضا ـ قد انفرد باداء رسالة جليلة كان لها اثر عميق في المجتمع والثقافة والتعليم في سوريا الحديثة. كان ذلك في نهايات العقد الثاني من القرن العشرين، حين سقطت الدولة العثمانية، وجلت القوات التركية عن سوريا، بعد اربعة قرون من الاستبداد والتخلف وفرض اللغة التركية لغة للدواوين والجيش والشرطة والمرافق والتعليم والمعاملات وادوات الصناعة والزراعة والتجارة وحتى اواني الطعام في البيت. كان الوضع المتخلف يقتضي تحركا سريعا وجذريا وقيض الله لسوريا نخبة من رواد النهضة القومية المخلصين في طليعتهم الرائدان المؤسسان: ساطع الحصري ومحمد كرد علي. بدأ العمل بتكوين «لجنة الترجمة والتأليف» في اواخر نوفمبر 1918، ثم «ديوان المعارف» في فبراير 1919 والذي سرعان ما حول الى مجمع علمي باسم «المجمع العلمي العربي» بدمشق في يونيو 1919. حدد المجمع دوره ورسالته في اربعة مجالات: 1 ـ النظر في اللغة العربية واوضاعها العصرية ونشر ادابها واحياء مخطوطاتها، وتعريب ما ينقصها من كتب العلوم والصناعات والفنون عن اللغات الاوروبية، وتأليف ما تحتاج اليه من الكتب المختلفة المواضيع على نمط جديد. 2 ـ جمع الكتب المخطوطة والمطبوعة وتأسيس دار كتب عامة. 3 ـ جمع الآثار القديمة العربية وغير العربية وتأسيس متحف لها. 4 ـ اصدار مجلة خاصة بالمجمع ينشر فيها افكاره واعماله وتربطه بالمؤسسات المماثلة. وقد توجت هذه الانشطة بسلسلة من المحاضرات العامة المنتظمة في قاعة المجمع، اضطلع بها صفوة رجال اللغة والآداب والعلم والفكر العرب والمستعربين، كما نظم المجمع مهرجانات تاريخية في مناسبات مختلفة، منها مهرجانا المتبني وابي العلاء المعري، بمناسبة مرور الف عام على وفاتهما، ومنها مهرجان تكريم احمد شوقي سنة 1925 والذي انشدت فيه نونيته الرائعة التي كتبها للمناسبة وقال فيها: «دمشق روح وجنات وريحان» وختمها بقوله: ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم ونحن في الجرح والآلام اخوان والحق ان «المجمع العلمي العربي» بدمشق، ادى رسالة الرواد في تلك المجالات التي طمح اليها فجمع آلاف المخطوطات والكتب، وانشأ «دار الكتب العربية» التي تعد من مفاخر سوريا. كذلك جمع الكثير من الآثار والتحف والنفائس في متحف ما لبث ان تحول الى دار مستقلة للآثار. اما في مجال خدمة اللغة فقد بدأ المجمع عمله بالنظر في قوائم الالفاظ والتعابير المستعملة في دوائر المعارف والاوقاف والشرطة والمجلس البلدي والصحة والمصرف الزراعي، فأبقى بعضها على حاله لصحته وعروبته، وبدل بعضها كل التبديل، وعدل بعضها تعديلاً قليلاً او كثيراً ثم نشر ذلك في مجلته. والطريف انه عني بمتابعة الاغلاط اللغوية والنحوية الشائعة في الصحف والمطبوعات وعلى ألسنة الخطباء، ونشر تصحيحه لها في مجلته تحت عنوان «عثرات الاقلام» وهكذا ادى المجمع العلمي العربي الذي صار اسمه «مجمع اللغة العربية بدمشق» رسالة تاريخية جليلة، وهي استعادة الوجه العربي الاصيل الصافي للمجتمع والثقافة والتعليم في سوريا، ويتجلى ذلك اعظم ما يتجلى في تعريب مراحل التعليم كلها، وفي قمتها مرحلة التعليم الجامعي، حيث تعد تجربة تعريب التعليم الطبي الجامعي في سوريا مفخرة ملهمة لكل عربي واع وغيور على لغته وهويته القومية. وفي ذكرى انشاء مجمع دمشق التي وافت منذ ايام نذكر له بالعرفان دوره الجليل، وانه عبد الطريق لاشقائه الذين توالوا بعده، مجمع القاهرة 1932، ومجمع بغداد 1947، والمجمع الاردني 1976، وما انشيء حديثاً في السنوات القليلة الماضية. فتحية له ولعلمائه الرواد والمعاصرين.