مهما يطغَ فيك العقل على القلب، ويكبح منطقك الانفعال، ومهما يضؤل حظك من معايشة الفنون عامة والشعر خاصة فأنت، سواءٌ أقررت أم أنكرت، واجدٌ بعض المتعة في قراءة الشعر وسماعه، لا لأنه أكمل الفنون وأجملها وحسب، بل لأنه ألصقها بالنفس، وأعلقها بالحسّ. فما سرّ هذه المتعة؟ سرّها ـ والرأي لأرسطو ـ أن الشعر أحفل أنواع الكتابة بالفلسفة بمعناها الفطري البسيط، لا بمعناها الفكري المعقد. وسرّها أنه «والرأي للناقد دريدن ـ محاكاة للطبيعة البشرية. وسرّها ـ والقول للشاعر وردزورث ـ «أنه الحقيقة العامة الفاعلة التي لا تستند الى برهان خارجي، بل تسكبها العاطفة في القلب نابضة بالحياة». وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى دليل يثبت صحتها، أو إلى شفيع يظاهرها، لأن أفق النفس مهيّأ لاستقبالها وقبولها كما يستقبل الظماء الماء، أو كما ينساح الضياء في الفضاء. أفتعني هذه الآراء أن الناس سواسية في التمتع بالشعر لأنهم سواسية في الغرائز والدوافع؟ لك أن تذهب هذا المذهب إذا كان المتساوون في الغرائز والدوافع متساوين في الثقافات والمواهب. وهو افتراض مرفوض، أما الافتراض المقبول فهو أن للتمتع بالشعر آماداً تقصر وتمتد، ودرجات تفتر وتشتد تبعاً لأمرين: رهافة الحس، وثقافة العقل. فكلما ازداد الحسّ تأرّجاً ورهافة، وازداد العقل توهّجاً وثقافة قوي الشعور بالمتعة، واتسعت أبعادها. فما أدنى هذه الأبعاد وأقصاها؟ وما أبقاها وأرقاها؟ أدنى الأبعاد في التمتع بالشعر ما اتصل بالحسّ، وأدركته الجوارح. وأقدرُ الجوارح على تصيّد هذه المتعة السمعُ والبصر. وأفق السمع قد يكون أضيق من أفق البصر وأدنى، لأن أجهل الناس بالشعر يجد في الإيقاع بعض الإمتاع، ويحسّ في الوزن نغم اللحن، فيطرب سواء أتصيد عقله المعنى أم أفلته، واعتلق المغزى أم فوّته. والدليل على هذا الادعاء أنك قد تطرب لشعر إنجليزي يُنشَد، ولحن فرنسي يُعزف، فكيف لا يخالط سمعك الطرب وأنت تصغى إلى شعر العرب؟ والبعد البصريّ يصل الشعر بالرسم والنحت. فقارئ القصيدة المتنقّل بين بيت وبيت كمحب الفن التشكيلي المتجول بين الألواح المرسومة والهياكل المنحوتة. إذا قرأ قول ابن خفاجة: وغدت تحفّ به الغصون كأنها هدب تحف بمقلة زرقاء تجلت على شبكية عينه وعلى شغاف قلبه صورتان ملونتان ممتعتان: نهر أزرق الماء تكتنفه أغصان خضراء، وحدقة زرقاء تكنفها أهداب وطفاء، فيقرن هذه بتلك، ويخرج من المقارنة بما يمتع الحسّ ويريح النفس. وأي مشهد أمتع من جنة فيها الماء والخضرة والشكل الحسن؟ وإذا قرأ قول امرئ القيس: يزلّ الغلام الخف عن صهواته كما زلّت الصفواء بالمتنزل انتصبت أمام عينيه منحوتتان: أولاهما غلام رشيق ينزلق عن صهوة جواد عتيق، والثانية صخرة ضخمة تنحدر على سفح جبل. المنحوتة الأولى تنقله إلى مضمار (ند الشبا) والثانية إلى جبل حفيت، فيحار في حركتيهما أيّهما أسرع وأروع، وفي شكليهما أيّهما أبدع وأمتع. فهل لك أن تقول كما قال الشاعر الناقد وردزورث: «إن الشاعر لا يشغله شيء كما يشغله التغني بالجمال، ولا يلتزم في حرفته هذه إلا قيداً واحداً هو أن يقدم اللذة إلى كل إنسان»؟ لو قلت هذا القول، ووقفت عنده كنت كمن يطلّ من جبل على سهل خصب، أو من شاطئ على بحر رحب، لأن المتعة التي يقدّمها الشاعر الى الناس أبعد من إشباع الحواس، وأنبل من الحوافز المثيرة للغرائز، وأشرف من المغريات المفجرة للشهوات. إذ لو كان الشاعر يرمي إلى بلوغ هذه المقاصد وحسب لما كان خيراً من ماشطة العرائس، ولانحصرت رسالته في التحلية والتطرية، وفي صبغ وجه الحياة القبيح بأصباغ تبهرجه. إن للمتعة التي ينفرد الشاعر بصنعها بعداً إنسانياً أوسع مدى من حدود الحس، وأكرم معدناً من نوازع النفس. إن الشاعر ينقل القارئ من عالمه الواقعي الغارق في لجج الشقاء إلى عالم فاضل متخيّل، تظللّه مكارم الأخلاق، ثم يغريه بمحاكاة ما ينقله إليه. وسواء أحاكاه القارئ أم عجز عن محاكاته، وطاول قمته أم نكصت همته عن المطاولة فحسبه سموّاً ونبالة أن يخلع عن كتفيه سرابيل الشقاء الأرضي ولو إلى حين، وأن يلبس لبوس المُثل العليا ولو إلى حين. وفي خلع ما يخلع ولبس ما يلبس يجد أمتع متعة وأرفع رفعة. والوصول الى متعة تعادل هذه المتعة، وإلى رفعة تطاول هذه الرفعة لا يقتضي بالضرورة أن يكون الشاعر ممن درسوا مدينة أفلاطون الفاضلة، أو تضلعوا من فلسفة أرسطو وابن رشد، فما يحصّله الفلاسفة بالاكتساب قد يحصله الشعراء بالفطرة. ولو قارنت ما قاله مثقف انجليزي بما قاله أميّ جاهلي لما رجحت خريج الجامعة على ربيب الصحراء. قال وردزورث: «الشاعر يقيم الروابط الأخوية بين أطراف الامبراطورية الإنسانية، لأنه يكشف عن القوانين النفسية العامة التي تختفي وراء كل شعور». وقال عروة بن الورد: وإني امرؤ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد أقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء، والماء بارد فأيُ كرم أكرم من أن يُطعم جائع جموع الجائعين جسمه؟ وأي إيثار آثر من ان يرفض صعلوك احتجان الزاد، وأن يدعو من يعرف ومن لا يعرف إلى مشاركته في طعامه وشرابه؟ إن ما تحدث عنه وردزورث على سبيل المجاز والتصوّر والتفكير طبقه عروة تطبيقاً عملياً واقعياً عن إيمان وعقيدة، فكان فعله أشعر من قوله، وهذا منتهى ما يحلم به الشعر الإنساني من روابط أخوية، وأرقى ما تطمح إليه الشعوب من قيم إنسانية. ولعل أوسع أبعاد المتعة وأبقاها وأرفعها وأنقاها تلك التي تنداح بقلب القارئ وتنساح حتى تطوف به أقطار السموات والأرض. إن الشاعر لا يبهجه شيء كما يبهجه أن يواكب حركة الحياة والكون. وإذا كان الفلكي يبلغ بعدساته المقرّبة والمكبّرة ما لا تبلغه العيون المبصرة فإن الشاعر يبلغ مبلغ الفلكيّ عن طريق الحسّ الصادق بما في العالم الواسع من حركات متناغمة، ونظام سرمدي. وإذا كان عالم الحيوان والنبات يحنو على الفرخ الأزغب، ويرأف بالبرعم الغض، ويدرك ما في مخلوقات الله من أسرار التوازن فإن الشاعر يغوص إلى هذه الأسرار بالحدس والكشف لا بالآلات والمعادلات، ولا بالمراصد والمجاهر. إنه ليغتبط اغتباطاً عفوّياً كاغتباط الطفل الغرير بلداته واترابه حينما يجد نفسه محاطاً بحقائق الكون الأبدية الأزلية، وهي تدعوه إلى التفكّر والتدبّر، وإلى الإعجاب ببديع صنع الله. والبعد الكوني للمتعة الشعرية لا يعني ترصّد الفرح، وتجاهل الترح، وإنما يعني امتزاج الشاعر بالكون ومصادقته، ثم مناجاته بما يناجى به الأحبّة، كما ناجى أبو العلاء ليلة مقمرة، فإذا هي عروس زنجية، وإذا الهلال والثريا عاشقان مدنفان، وإذا سهيل محبّ أحمر الخد خافق الوجد: ليلتي هذه عروس من الزن ج، عليها قلائد من جمان وكأن الهلال يهوى الثريا فهما للوداع معتنقان وسهيل كوجنة الحب في اللو ن وقلب المحبّ في الخفقان ألا ترى أن أبا العلاء الذي زهد في التغزل بالنساء يجد المتعة في تأمل السماء؟ والبعد الكوني للمتعة الشاعرة لا يعني بالضرورة التماسها من الآفاق الواسعة، وبين الكواكب الدوّارة. إن الشاعر الملهم يستطيع أن يلتمسها من أرقّ الأجنحة وألطفها، ومن أشرس الأنياب وأعنفها. فإيليا أبو ماضي تمتع وأمتع حينما وصف فراشة تعصف بجناحيها الرقيقين عواصف الخريف، فإذا هو يختصر قصة الصراع بين الأقوياء والضعفاء بصورة كونية مصغرة، لكنها تحتمل التكبير بالتفسير: أيا رياح الخريف العاتيات كفى عصفاً، فقد كثرت في الأرض قتلاكِ ماذا تقولين إن قال الإله غداً هل الفراشة كانت من ضحاياكِ؟ والفرزدق تمتع وأمتعك بموقف من مواقف الرعب حولته شاعريته الى تودّد وحب، فإذا الضراوة في العداوة كرم وإيناس، وإذا الذئب والإنسان صديقان يتسامران: تعشّ فإن واثقتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبانِ وبت أقدّ الزاد بيني وبينه على ضوء نار مرة ودخانِ وفي البعد الكوني للمتعة تنطوي المسافات، وتزول الفوارق، ويتصادق الأعداء، وتتقارب الأشياء والأحياء، ويشعرك الشاعر وهو يطوف بالكون ويغوص على أسراره نوعاً من النشوة الصوفية، فيها من العمق مثل ما فيها من السعة، وفيها من الحيرة والدهشة مثل ما فيها من السكينة والطمأنينة، لأنه بمساورته هذا الأفق يتملص من الانجذاب إلى التراب، ويحاول الارتقاء إلى السماء.