شكلت فرقة البحارة ظاهرة فريدة من نوعها في الجزائر منذ نحو ربع قرن من الزمن. فقد أدت أغاني من نوع جديد وأضافت الى قاموس تصنيف الأغاني تسميات مثل «الأغنيةالتربوية» و «الأغنية الرياضية» وألهبت الشارع برائعتها «جيبوها يا الأولاد» التي أبدعت فيها كلمات وألحانا بمناسبة تأهل الجزائر لأول مرة في تاريخها لنهائيات كأس العالم عام 1982 بإسبانيا وهي مزيج من الإشادة والفخر بانجازات المنتخب وبنجومه وتشجيعهم على إبهار العالم بأدائهم وفنهم وحثهم على مواصلة الانتصارات. ولا تزال حتى اليوم مصنفة أجمل أغنية رياضية في البلاد وربما هي الأحسن عربيا. وقد بدأت فرقة البحارة نشاطها عام 1976 بألحان مستوحاة من الفرقتين المغربيتين الكبيرتين «جيل الجلالة» و «ناس الغيوان» مع تطعيم هذا التوجه بالبحث المعمق في التراث الشعبي الفلكلوري الجزائري الخاص. وقيل وقتها إن الفرقة بدأت كبيرة ومثلت منذ العام الأول لتأسيسها الجزائر في مهرجانات دولية كما نالت الاعجاب في أول ظهور لها في المهرجان الدولي الذي تحتضنه مدينة «تمقاد» الرومانية سنويا شرق الجزائر. ونافست اهم المطربين الجزائريين آنذاك خاصة وأن «الطابع المغربي» في الغناء كان قد اكتسح الساحة في المنطقة كلها بفضل اداء «جيل الجلالة» و«ناس الغيوان» اللتين كانتا بالفعل مدرسة حقيقية للتجديد وتوظيف الاغنية في ترقية الوعي الاجتماعي. وإذا كانت «جيبوها يا الأولاد» قد حققت نجاحا كبيرا وشكلت نقطة الذروة في تطور انتاج «البحارة» فإن أغنية «يا أستاذي» التي تناولت فضائل الأستاذ وأداها رئيس الفرقة الصادق جمعاوي مع مجموعة مدربة من التلاميذ تم اعتمادها نشيدا للمدرسة الأساسية الجزائرية. وأدت الفرقة عشرات الأغنيات الاجتماعية والتربوية حول أضرار المخدرات ومرض الإيدز والحفاظ على البيئة والثروة الحيوانية بالاضافة الى أغان وطنية خلدت ثورة التحرير والأحداث الكبرى التي تخللتها من مظاهرات وبطولات الجزائريين. ويعد الصادق جمعاوي محور الفرقة وشخصيتها الرئيسية ومرجعها. فهو الملحن و كاتب الكلمات ومنفذ جميع برامجها. في هذا الحوار الذي أجرته معه « البيان» بالعاصمة الجزائرية تحدث الصادق عن نشاط الفرقة ومشاريعها ومشاكلها ووضع الأغنية في الجزائر سألناه اولا: ـ ما آخر أخبار فرقة البحارة؟ ـ الفرقة حاليا تنشط بالأستوديو فقط وقد توقفنا منذ 1993 عن تنشيط الحفلات لظروف معروفة و غير مواتية فالناس كانوا في حزن و لم يكن منطقيا إن نغني للناس وهم يبكون، الظروف التي عرفتها الجزائر لم تكن لتسمح لفنان حساس بالغناء مباشرة للجمهور، إن الظروف اليوم تحسنت أمنيا لكن اجتماعيا لم يتغير شئ . ـ لكن أليست الأغنية عاملا لا حياء الأمل ونسيان ضغط الواقع ؟ ـ حينما يكون الأمل يمكن أن تنتج وتغني لكن لمن تسوق إنتاجك؟ فالمثل يقول «حينما تشبع البطن تقول للرأس غني» و البطون اليوم جائعة. هناك فئة قليلة جدا يمكنها التمتع وشراء الأشرطة ومتابعة الجديد و الأغلبية يشغل تفكيرها شراء الحليب والسكر ... وهي ليست مستعدة لدفع النقود في شريط. هذه حقيقة قد تبدو للبعض أحكاما من صنع الخيال... هي بالفعل حقيقة وهذا واقع البلاد اليوم. إذن لايمكن الغناء و الإنتاج وانتظار المقابل على ذلك . ـ مع ذلك لا يزال للأغنية جمهورها ؟ ـ عموما الأغنية الجزائرية تعاني و إن كانت هناك أغنية «موضة» لها سوقها لكن الأغنية التربوية والجادة قليلة لأنها مكلفة و دون مقابل و الأسعار المقترحة لاتحترم مجهود الفنان. ربما كان تجاهل الفنان فعلا مقصودا من بعض الدوائر للحد من تأثيره في المجتمع وعلى الأحداث وأقول هنا إن ثمة أغاني ذات تأثير مباشر في الناس وخطاب وزير لا يقضي شيئا لكن أغنية فنان محبوب لها وقع السحر . فحين تطلب مبلغا لدعم الإنتاج و يرفض طلبك بحجة نقص الموارد المالية وبالمقابل تشاهد صرف الملايين على ملتقيات و لقاءات لا تجدي نفعا تدرك وجود قرار سياسي لحجب الدعم على الفن والثقافة وتقليص دور الفنان والمثقف والإصرار على نشر مايشبه البلادة على نطاق واسع . ـ كيف كانت بدايتكم مع الأغنية الرياضية ؟ ـ أنا رياضي مارست العدو الريفي و كرة القدم وشاركت في بطولات ومن طبعي وتكويني أحب الرياضة والبيئة وأود أن أذكر هنا بأنني لست من ابتدع الأغنية الرياضية ولست الأول في هذا الميدان. فقد أطلق الحاج رابح درياسة عام 1963أغنية جميلة جدا بعنوان «اعطيلو الزالاميط » بمناسبة أول مباراة دولية يجريهامنتخب الجزائر لكرة القدم بعد الاستقلال وكانت ضد ألمانيا، والفنانة نورة التي غنت «يا رياضي لاعب الكرة» والمطربة سلوى بأغنية «رح بها» و بوجمعة العنقيس ثم صرف النظر عن الأغنية الرياضية الى أن غنت فرقتنا البحارة بمناسبة تأهل المنتخب الوطني لكرة القدم لأول مونديال له بإسبانيا عام 1982 أغنية «جيبوها يا الاولاد» فرقتنا حينئذ جاءت بمضمون جديد جعل الشباب يلتف من حولها ووصلنا بفضل تلك الأغنية إلى القمة . فالأغنية نالت شهرة وطنية ودولية ومع أننا أنجزنا بعدها الكثير من الأغاني لكن بقينا دائما في ظلها و سيطرت على رصيدنا بكيفية عجيبة وكلما صعدناعلى الخشبة في الجزائر أو خارجها إلا وطلب الجمهور أداءها. ـ ما جديد الأغنية الرياضية مقارنة بالفترة التي أديتم فيها «جيبوها يا الاولاد» ؟ ـ جاءت تلك الأغنية حالة فريدة في وقت بلغت فيه كرة القدم الجزائرية مستوى عالميا . كان المنتخب الجزائري يخيف جميع المنتخبات التي تقابله وكانت انتصاراته كاسحة وتأهله إلى نهائيات كأس العالم جاء بلا أخطاء وفاز في آخر دورتصفوي على نيجيريا حاملة اللقب الافريقي في لاجوس بهدفين لصفر وفي قسنطينة بهدفين لواحد. وقبلها سحق جميع المنتخبات التي قابلها بنتائج ثقيلة. كانت الأغنية إذن تعبيرا عن ذلك الجو كانت أغنية كبيرة بحجم المنتخب الوطني لذلك الزمان واستجابت لحاجة جمهور قوي متعلق بمنتخبه فرددها عند كل انتصار أو عندالحاجة إلى انتصار. ولقد غنتها فرق أجنبية من كوريا وكوبا وروسيا فضلا عن اعتناقها من كافة الجمهور الرياضي في بلدان المغرب العربي.وأود أن أقول أن هذا الجمهور الجزائري والأجنبي ردد الأغنية وتبناها لأنها خالية من التحيز ويمكن أن يغنيها سعوديون أو إماراتيون أو مصريون أو مغاربة على منتخباتهم وتكون مناسبة فهي تسجل مآثر المنتخب الذي يفوز رياضيا وهي تربوية وتمجد العمل. لكن للأسف يوجد اليوم عندنا عشرات من الأغاني الرياضية لكن معظمها منحاز أو متحيز وأصبح المطرب الذي يؤدي أغنية رياضية مناصرا لهذا النادي أو ذاك وليس للقيم الرياضية وتثمين العمل وحب الانتصار. والأغنية الرياضية التي انتشرت هذه الأيام ليس فيهاروح رياضية و لا تؤدي رسالة تربوية. ـ ما آخر أغنية لكم في الميدان ؟ ـ آخر ما أنجزناه أغنية «الخيماوي» لنادي رأس الخيمة الرياضي وغنيت الروح للرياضية و أخلاق الرياضة في 21 أغنية باللغة الأجنبية «الفرنسية والإنجليزية» في جولة في البلدان الفرونكوفونية وأديت أغنيتين لنادي باريس سان جرمان «من دوري الدرجة الأولى الفرنسية» لأنه فريق متفتح و غير عنصري، و أغنية لفريق أوكسير من نفس الدرجة الذي لعب له نجم المنتخب الجزائري موسى صايب، و أخرى لنادي اولمبيك مرسيليا التي تعتبر مدينةجزائرية متقدمة على التراب الفرنسي لكثرة مهاجرينا بها، وأغنية لموناكو كردجميل لأميرها الذي كرم بطلنا الأولمبي نور الدين مرسلي ، كما أنجزت أغاني تجسد تقنيات وفنيات كرة القدم من قذف ومراوغة و تمرير ... الخ ـ هل تلقيتم لقاء كل هذه الإنجازات دعما من السلطات؟ ـ لم نلق أي دعم من أية جهة ومداخيلنا تقتصر على مبيعات الأشرطة. والحال أن الدعم ليس ماديا فحسب فحتى التشجيع المعنوي لما نقوم به منعدم تماما من الجهات الرسمية. فلولا هذا الالتفاف الجماهيري على أغنياتنا لتوقف عملنا ولانصرفن لنشاط آخر. وإنني أستغرب حين أسمع المسئولين وهم يصرحون بالعمل على وقف العنف. هم يلقون الخطب تلو الخطب حول الموضوع لكن في فنادق من طراز خمسة نجوم ! فمن يسمعهم ؟ محاربة العنف تكون في الأحياء الشعبية حيث تتوفر عناصره من حرمان وغضب واستياء والسيل الجارف لا يمكن وقفه إلا اذ منعت اندفاعته من منبعه. فهناك تبدأ معالجة العنف. والأغنية الرياضية ذات الجانب التربوي يمكن أن تكون من أهم الأدوات التي تحارب العنف في الملاعب وتجعل من أنصار الأندية المختلفة جمهورا رياضيا يتناغم مع التطور العام الذي تشهده كرة القدم والرياضة عموما في العالم والمكانة التي أصبحت تحظى بها حتى أن الزعماءأضحوا يتحدثون عن نتائج منتخباتهم وأنديتهم كما يتحدثون عن الأمور الكبيرة والمصيرية لبلدانهم. وهذا الاهتمام يحول المنافسات الرياضية من مجرد فرجةولحظات لإثارة العواطف ونزوات الانتماء الى حقل بديع للتعاطي مع اللوحات الفنيةالتي يبدع فيها الرياضيون واستيعاب دروس الحياة على حد المثل العربي «من جد وجد ومن زرع حصد» لأن الفائز في الرياضة يكون الطرف الذي جد وبذل الجهد والصبر من أجل النصر. والأبطال يزرعون في الناس هذه القيم عبر انتصاراتهم. و الفنان هو صاحب رسالة فعالة تماما كمثل اللاعب النجم فباستطاعته إيصال الرسالة والتخفيف من حدة الغضب فالفنان كالرياضي المحبوب لدى الجمهور يقتدي به ويسهل عليه إيصال الرسالة له فهؤلاء لا ينتظرون مقابلا عن ذلك بل هو جزء من رسالتهم التربوية التي تفرضها مراكزهم في قلوب الجمهور. لكن السياسي لا يستطيع ذلك بل احيانا يصب الزيت على النار كما يقال إذن دور الفنان كبير في جميع المجالات ومن بينها المحبة، ومحاربة العنف و المخدرات . ـ ما أكبر مشروع تنوون القيام به ؟ ـ كان من المفروض أن أقود قافلة فنية كبيرة في مختلف البلدان العربية حول موضوع مكافحة المخدرات والتوعية بمخاطرها.. وكان هذا المشروع كبيرا وتوقعنا أن تكون نتائجه أيضا كبيرة ونافعة للشباب العربي. لكن المشروع لم يتحقق فقد واجهتني عراقيل شتى في الجرائز حالت دون تحقيق مشروع القافلة، وأتمنى أن تتكرر الفرصة لتحقيقه ـ تشكون قلة الدعم و لكن الطلب على أغانيكم كبير ؟ ـ حاليا هناك طلبات كثيرة وأود أن أقول إننا ونحن نقوم بعملنا لا نعتبر أنفسنا حراس نوايا أو مصلحين للمجتمع ولسنا بصدد إنجاز أعمال خيرية لكن نحاول كفنانين إيصال رسالة مقابل مستحقات نتلقاها. الطلبات على الأغاني هذه الأيام تكون في اتجاه العنف من تكسير وحرق و عنف وسيلان الدم لكن هذا ما نرفضه والكلام الذي نسمعه في المدرجات لا يشرف ولا يمكن الحضور إلى الملاعب مع صديق بسبب ما يتفوه به المتفرجون وهم شباب في معظمهم من كلام بذيء وبعيد عن روح المنافسة الرياضية. هنا على السلطات لعب دورها بتشجيع ما هو بديل لهذا الوضع ولهذا الخطاب. ومن جهتي قدمت منذ عام 1986 ملفات لكل الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الشباب و الرياضة حينها لم يكن هنالك العنف بالملاعب و مع ذلك طالبت بالتوعية و الوقاية عن طريق برنامج تربوي ترفيهي في التلفزيون فيه أغان و«تمثيليات هزلية تربوية» عشية إجراء المقابلات الرياضية لتذكير الناس و توعيتهم لكن لا حياة لمن تنادي مع أن الخسائر التي تنجم عن العنف خلال مباراة واحدة تتجاوز التكاليف اللازمة لإنجاز عدد كبير من الحصص . الجزائر ـ مراد الطرابلسي