تبقى تجربة المخرج المسرحي المصري انتصار عبدالفتاح في المجال الصوتي الحركي واحدة من التجارب الطليعية التي تواصل نحت ملامحها وتكوين مفرداتها الخاصة، وكانت اعماله المسرحية التي اعتمد فيها بدرجة كبيرة على مفردات الايقاع الموسيقي والايقاع الحركي ناحتا في الفراغ المسرحي جملا لا تسمع ولا ترى فقط بل تحيا معها جميع الحواس محط انظار الجمهور والمسرحيين في فرنسا والمانيا، الا انها في الوقت ذاته ظلت لسنوات ترهقه بعدم القبول العربي، لكن استمرار عبدالفتاح واصراره على غرس جذور تجربته في الذائقة المسرحية العربية جعلها في النهاية تنتصر وتحقق له السبق والريادة في هذا النوع من المسرح والخطاب الابداعي. في محاضرة نظمتها دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة مساء امس الاول بدار الندوة بمنطقة الشارقة القديمة وحضرها محمد عبدالله مدير الادارة الثقافية بالدائرة ونفر من المسرحيين، تحدث المخرج انتصار عبدالفتاح عن انطلاقاته الاولى في مسيرة مسرحه الصوت والحركة وعلاقته بما يسمى بـ «البولوفونية»، واصراره الفريد في حياته حينما قرر ان يدرس الاصوات في المحافظات المصرية وفنونها الشعبية، وتكوينه دراسة وارشيفاً خاصاً بذلك، جاءت من بعده كل تلك الاعمال التي ستتوجه بالنجاح والجوائز داخل وخارج مصر.. وكان د. يوسف عيدابي قد قدم المخرج المصري انتصار عبدالفتاح شارحا ملامح من مسيرة النجاح تلك، ومؤكدا على انه مخرج عربي اختط له نهجا في المزاوجة بين العربة الاوروبية التي ارادها عبدالفتاح ان تحمل في داخلها الطقس الشعبي المصري. ومن خلال سرد علاقته بالمسرح الصوتي الحركي، قال انتصار لم أتخيل نفسه يوما ان اكون موسيقيا او مسرحيا لكنني تأثرت بوالدي الذي جاء الى بيتنا بالادب والموسيقى، وكان لتأثير الموالد الشعبية وقعا خاصا في نفسي، فقررت اكتشاف ذلك في الاقاليم المصرية لارصد الظواهر الدرامية والموسيقية، اصوات الحرفيين في الشوارع واماكن عملهم، وبدأت اجري بعض التجارب السرية على هذه الاصوات، ثم كونت فريق عمل مع شقيقي هناء عبدالفتاح وبدأت مسيرة الاعمال التي جاءت بعد ذلك. في النوبة والفنون الشعبية النوبية وجد انتصار عبدالفتاح كنزا كبيرا للتعبير والمسرح الذي يبحث عنه فجاءت مسرحيته مخدة الكحل، ثم «ترنيمة واحد» و«ترنيمة اثنين». وقال انتصار: تعرضت في مصر لانتقاد كبير تجاه هذه الاعمال وسببت لي نوعاً من الاكتئاب، لكن هذه الاعمال كانت سببا لشهرتي في المانيا واحتفوا بتجاربي لانهم اصلا كانوا يعملون على منوالها. «كونشيرتو» و«سوناتا» عملان آخران كان مسار البحث فيهما يتعلق بصوت الالة الموسيقية وقدرتها على التعبير المسرحي والدرامي، ثم جاءت تجربة الاقتراب من شكسبير وكنت اشعر ان هناك شيئاً خطراً يحدث في هذا الاقتراب، وكان يخيفني كثيرا.. الا انني خلال هذه التجربة بدأت اشعر باقترابي من البولوفينية، اما في مسرحية فاوست فقد كان الاشكال الكبير هو البحث عن حوار مسرحي يعبر عن الحالة التي اريدها.. عرض المخرج انتصار عبدالفتاح اثناء محاضرته نماذج من اعماله المسرحية التي حققت نجاحات متميزة ومنها العمل الافتتاحي في معرض السمبوزيم الذي اقيم في مصر، وشرح كيف قام بالاستفادة من سينوغرافيا المكان مؤسسا عمله الفني على معطياته الجمالية، واستخدامه للمجاميع البشرية الكبيرة وتوظيفه للفرق الشعبية. ويحضر انتصار الآن لعمل مسرحي كبير يشاركه فيه الفنان نور الشريف الذي يصفه انتصار بأنه فنان عبقري وتلقائي وعملي القادم معه يسعدني كثيرا. كما لم يخف انتصار عبدالفتاح ملامح الحلم الذي يراوده وهو يعبر عن رغبته في عمل مسرحي كبير يتم فيه توظيف مجموعة من الفنون الشعبية العربية ومن ضمنها الفن الشعبي الخليجي لخلق وحدة متكاملة ومتمازجة. كتب مرعي الحليان: