ينقلنا هذا الكتاب إلى ما وراء اللحظات الحاسمة للهجوم على المركز التجاري العالمي في نيويورك ومبنى «البنتاغون»، ويبرر معطيات التهديدات الجديدة التي تتعرض لها الولايات المتحدة والتي تعتقد واشنطن أنها ستكون الأكثر خطورة. وعلى الرغم من البيانات المتلاحقة للادارة الاميركية حول انتصاراتها العسكرية في افغانستان وما تسميه بالرد «الشجاع» على أحداث سبتمبر فإن الفصل الأخير الجوهري لهذا العمل ليس نهاية المطاف بل حلقة من سنوات مقبلة تحمل في طياتها أحداثاً أكثر خطورة. يلقي هذا الكتاب الضوء على الدور المهم لدول الشرق الأوسط الذي تعول عليه أميركا كثيراً في حربها ضد الارهاب ومخاوفها من تعرض الثروة النفطية لعمليات ارهابية، ويؤكد على ضرورة نشر قوات أميركية مدربة تدريباً خاصاً على شكل فرق ترتدي الألبسة المدنية ويتقن أفراد منها اللغة العربية للقضاء على خلايا (الإرهاب) والتدخل في عمليات سرية ضد تنظيمات في المنطقة. بينما تسعى الولايات المتحدة لتحديد خطواتها في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ولابتكار استراتيجية للحملة الطويلة ضد الارهاب، يصبح السؤال هو: ما هي التوقعات والاحكام التي ينبغي ان توجه تفكير الاميركيين؟ وما هي العوامل التي ينبغي وجودها في اذهاننا؟ وعلى اي شيء نركز؟ يحاول هذا القسم الاجابة على هذه الاسئلة بوضع النتائج التي تصف التغيرات في العالم، وماذا ينبغي على الولايات المتحدة ان تبحث عنه او تتوقعه في الاشهر والسنوات المقبلة، وما ينبغي ان نأخذ الحيطة والحذر ضده. وتحدد الكثير من هذه النتائج فرصاً لانجاح المصالح الاميركية. اما النتائج الاخرى فهي تكشف «مطبات» ينبغي تجنبها ومخاطر يتحتم معالجتها.وتتضمن مجتمعة احكام المؤلفين الافضل ازاء ما يمكن اعتباره حاسماً للنجاح في الحملة ضد الارهاب العالمي وما هي التحديات التي ينبغي مواجهتها طوال الطريق. في مواجهة الارهاب الجديد في 11 سبتمبر العام 2001 رأى العالم والاميركيون صورة صارخة للوجه الجديد للارهاب، ولكن الحقيقة هي أن الارهاب العالمي يتغير بصورة مثيرة في السنوات العشر الاخيرة، سواء في الدوافع او التطلعات وفي تنظيمه وفي مدى وصوله. في الحادي عشر من سبتمبر وبكل تفرده لم يكن بدون مقدمات او تحذير: فهناك الخطط التآمرية المبكرة بدءاً من تفجير المركز التجاري العالمي الاول في 1993 الى احباط مؤامرة كانت على وشك التنفيذ اثناء احتفالات الالفية الثانية والتي سعت لتحقيق مستويات مربحة من الايذاء والضرر. ويقع الاختلاف الفاصل بين الاشكال القديمة للارهاب والاشكال الحديثة في عالم التحفيز. وتنهل السمات الرئيسية للارهاب الجديد من مصادر عقيدية يعبر فيها عن المظالم والاهداف. وجادل كثيرون بأن اهداف الارهاب في النهاية سياسية. ولكن من المهم ان نلاحظ ان الرؤية الجوهرية هي عدم وجود فصل قاطع بين السياسة ومناحي الحياة الاخرى والتصور ان مثل هذا الفصل مزيف وليس له ما يدعمه. ولذلك ينبغي على الغرب ان نأخذ كلامهم حرفياً وان نعترف بأن على جانب خصومنا على الاقل فإن العقيدة تشكل جوهراً ازاء كيفية تفهمهم للصراع وحله.ولأن الارهابيين الجدد لا يسعون الى الجلوس الى طاولة المفاوضات السياسية، فإنهم لا يأبهون لاشمئزاز الجماهير ونفورهم من افعالهم، ولأنهم ايضاً يؤمنون بأن افعالهم يواكبها الصواب، فإن اي ضوابط لا يمكن ان تردعهم عن افعالهم. وهم يستهدفون المدنيين عن سابق اصرار وترصد، وليس كممثلي ورموز الدولة. وهم اذ يشنون هجماتهم ضد الولايات المتحدة والغرب يسعون لا لتوجيه افدح الضربات لتدمير حياة الناس بل لتدمير اسلوب المعيشة الغربي نفسه. وبذلك فإنهم يشكلون تهديداً لم يسبق له مثيل في تاريخ اي مجموعة ارهابية. وعلى الرغم من ان وسائل الاعلام ركزت على اسامة بن لادن كقائد للقاعدة فإن الاكثر دقة هو تصوير «القاعدة» على انها منظمة متعددة الرؤوس مع وجود نظام تحكم مركزي فضفاض. ولا يبدو ان المنظمة لها رعاة مباشرون، لكن يبدو ان لديها القابلية للنذر بأعمق عواطف الكثير من المجتمعات الشرقية مما جعلها تكسب مواقع اقدام فضلاً عن جمع الاموال وجذب الانصار. ولم تحقق اجهزة الاستخبارات الغربية اي نجاح في اختراق خلايا تنظيم القاعدة او كشفها. وتحول طبيعة اعضاء التنظيم دون السماح لأية جهة باختراقهم وعندما يتطلب الامر فإنهم يستخدمون مهارات ابداعية وفعالة في كشف خصومهم. ويغطي تنظيم «القاعدة» العديد من البلدان وربما لديه الألوف من المتطوعين المدربين عسكرياً والنشطاء المخلصين العاملين في اطار مئات الخلايا المنتشرة حول العالم. ويشمل نشاط القاعدة التجاري عمليات مشروعة واخرى غير مشروعة بما فيها توزيع الهيروين ومبيعات الماس والاحجار الكريمة وانتاج العسل وتسويقه ومصانع الادوية واساطيل الصيد والصناعات الاساسية. ولدى المنظمة حسابات وتشرف على صفقات واعمال مالية متطورة من خلال بنوك تنتشر من سويسرا والسودان الى سنغافورة. وعلى الرغم من ان افغانستان تلعب دور القاعدة للمنظمة فإن تدميرها او ايقاع الاضطرابات في صفوفها لا يعني بالضرورة انه تم استئصال الجماعة من الارض.وهكذا فإن التهديد الذي تشكله منظمة «القاعدة» يختلف ويعد اكثر خطورة عن اي مجموعات ارهابية، سواء في الماضي او الحاضر. وينبغي على الولايات المتحدة ان تفترض ان مواصلة هؤلاء الارهابيين لاعمالهم التدميرية محصور فقط في قابليتها. وفي الواقع فإن هناك القدر الكبير من الادلة التي تفترض ان منظمة القاعدة تسعى للحصول على عناصر كيماوية ومكونات اسلحة نووية وربما مواد جرثومية مؤهلة لاستخدامها في الاسلحة الجرثومية التي يمكن للارهابيين بالتالي استخدامها في الهجمات الارهابية. وسيؤدي الاستخدام الواسع لهذه الاسلحة الجرثومية الى التسبب في نتائج كارثية اكثر من 11 سبتمبر. اما الان فإن تنظيم القاعدة هو الاول والوحيد الذي يجمع بين الدوافع العقيدية مع الرغبة في التسبب بأقصى درجات سفك الدماء لاثبات قدراتها على المستوى الدولي. ومع ذلك فإن «القاعدة» قد لا تكون الاخيرة من بين المجموعات الارهابية الجديدة التي لها امتدادات عالمية. كما ان هناك خطراً حقيقياً من ان تنظيمات اصغر تضمر الكيد تعمل منفردة قد تسعى للاقتداء بهجمات «القاعدة» بشن هجمات صغيرة، تشحن شعوراً بالهزال والضعف وتصب في اهداف «القاعدة». وهناك على الاقل منظمتان كبيرتان تستحقان المزيد من الاهتمام وهما «حماس» و«حزب الله» وتقعان حسب رؤية المحللين الاميركيين بين «الارهاب» السياسي ذي الاسلوب القديم و«الارهاب» ذي الدوافع العقيدية، وشنت الجماعات حملات عنف لا هوادة فيها ضد اسرائيل ولكن اياً منهما لم يدبر هجمات ترقى الى مستوى هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وليس لهاتين الجماعتين ايضاً قابلية للقيام بعمليات واسعة النطاق خارج الشرق الاوسط. نصر يصعب تحديده ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين تحقيق الانتصار في الحملة ضد الارهاب العالمي، وفي مواجهتنا لطبيعة التهديد ليس لدينا اي خيار، لكن النصر الذي نسعى اليه يصعب تحديده. ان هذه الحرب، على نقيض حرب الخليج الثانية والحرب الباردة التي دامت نصف قرن تقريباً، ليس لها خط نهاية واضح. وبهذا المعنى فإن هذه الحرب اشبه بتلك التي تخوضها الولايات المتحدة ضد الجريمة او المخدرات او الفقر. ومثل تلك التهديدات فإنه من الصعب استئصال الارهاب من الارض بالكامل لكن يمكن تقليص مخاطر الارهاب بصورة جوهرية وبناء عليه فإن النجاح او الانتصار في الحرب ضد الارهاب ينبغي بداية تحديده بمصطلحات تخفيف الاحتمالية وتبعات المزيد من الهجمات. ان النصر في هذه الحملة سيكون تدريجياً ومتنامياً وستكون الكثير من الانتصارات غير منظورة بالنسبة لعامة الناس ويتراوح بين مؤامرة يتم احباطها هنا واختراق لخلية هناك وقطع شريان مالي في منطقة وهكذا فان النجاح بالنسبة للناس العاديين لن يكون دائماً منظوراً. ويمكن ان يضاف الى بطاقة تسجيل الاهداف الاميركية تجميد مبالغ ضخمة وتدمير عدد من معسكرات التدريب والقاء القبض على اسماء بارزة ارهابية في الحقيقة ينبغي ان تتوفر جهود معلوماتية تمنح لعامة الناس لجعل هذه الانتصارات منظورة وبذلك نعزز الثقة في هذه الحملة. ولكن لعل اصدق معياراً للنصر هو الشعور القومي بالامان وبالقدرة وان نعيش حياتنا في حرية نسبية كما اوضح وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد: لن نستطيع استعادة حياتنا كما كانت في يوم العاشر من سبتمبر. لقد ضاعت البراءة ولن نستطيع استعادتها قط. لكن يمكننا ان نركز بصائرنا على المستقبل الذي يعرضنا بأننا امة تنشد الحرية والتفاؤل والامكانات غير المحدودة. للانتصار في هذا الصراع ينبغي على اميركا ان تكون اكثر حزماً وصبراً من الارهابيين انفسهم. ان ما يكمن امامنا مباشرة هو فصل حاسم من قصة اميركا التي تتطلب قدراً غير عادي من التركيز والحفاظ على الالتزام، ولا ريب فإن الحرب ضد الارهاب ينبغي ان تكون اولوية الاميركيين وهي اولوية فورية وينبغي ان يكون نداؤنا كما ذكر الرئيس بوش الا يكون في المنظور العقيدي بل من منظور الاحساس بمواجهة التحدي الذي سيكرس هذه الدقيقة في تاريخ امتنا والعالم المتحضر. ومع ذلك وحتى في مواجهة التهديد المتواصل ينبغي ان تكون الحملة ضد الارهاب المفهوم التنظيمي الوحيد لوحدة السياسة الخارجية والداخلية، وينبغي الا تكون ورقتنا الوحيدة الى ما لا نهاية او نتجاهل بغية اجندتنا القومية. والحقيقة انه ينبغي التفكير وموازنة هذه الحملة مقابل كل الاولويات التي ستتواصل في التأثير على المصالح الحيوية وشخصية الأمة. وعلى سبيل المثال فإن المشكلات التي كانت قائمة في العاشر من سبتمبر لاتزال موجودة يوم الـ 12 سبتمبر بدءاً من انتشار الاسلحة النووية الى تراجع الاقتصاد العالمي الى انتشار مرضى نقص المناعة والايدز. وبدون مشاركة الولايات المتحدة الفعلية ستضيع فرصة مهمة بدءاً من تقليص الحواجز امام التجارة الحرة حول العالم الى ارساء السلام الدائم في مناطق مثل البلقان وشمالي ايرلندا وشبه الجزيرة الكورية. وبموازاة ذلك، وعلى الجبهة الداخلية، فان مواصلة السعي لتحسين الامن سيلحق الضرر بمرافق كثيرة من الحياة الاميركية فلا العناية الصحية ستتحسن ولن يتطور التعليم او تتغير حقيقة ان من بين كل ستة اطفال هناك طفل اميركي فقير. واذا استمرت هذه السياسة بدون حوار ومكاشفة فإن الحريات المدنية ستتعرض الى التآكل.وتميزت الاستراتيجية الاميركية خلال الحرب الباردة بصيانة توازن القوى ولكن في هذه الحملة الجديدة ضد الارهاب الدولي، فالاستراتيجية الافضل قوة التوازن حيث يتطلب الجهد النهائي القومي الاميركي موازنة الكثير من المتطلبات الملحة وذات الاولويات. واذا واصلت الامة الاميركية الشعور بأنها تحت طائلة التعرض لهجمات فيصبح من الصعب جداً تحقيق هذا التوازن ولكن هناك سبب وجيه اثناء مواصلة الاميركيين حملتهم الطويلة ضد الارهاب العالمي، لمقاومة ذلك النوع من استهلاك العاطفة القومية كلها التي ميزت الفترة المبكرة من الحرب الباردة. ولم تكن المكارثية ومحلات المجموعات السرية التي كانت تنظم ضد حكومات منتخبة ديمقراطياً باسم مكافحة الشيوعية انتصارات كبيرة في التاريخ الاميركي المعاصر. وفي التحليل النهائي يصعب تخيل الكثير من الهدوء الداخلي او متابعة سياسة خارجية مجزية او تحقيق اولويات داخلية بدون تحقيق تقدم في الحرب ضد الارهاب.ولكن لجعل الحملة اولوية قومية ينبغي الحذر من عدم تجاهل او التخلي عن اهداف السياسة الخارجية والداخلية او اهمال القيم التي تدافع عنها امتنا. خمسة اهداف ان مواجهة تحدي ضرورة هزيمة الارهاب الدولي سيتطلب من الولايات المتحدة وحليفاتها تصعيد حملة طويلة الامد على جبهات واسعة. وهدف الولايات المتحدة من الحملة هو تقليص تهديد الارهاب العالمي وتعزيز امن الاميركيين على الجبهتين الداخلية والخارجية وللحفاظ على سياسة الحزم وتحقيق الاهداف الدولية. وتقسم الاهداف المحددة للحملة بالوضوح وهي: مهاجمة وتدمير شبكة الارهاب العالمية. معاقبة الدول التي تشجع الارهاب حتى تتوقف عن سياستها. بناء قدرات اكبر لمحاربة الارهاب وضمان امن وسلامة الولايات المتحدة. تقوية المعايير الدولية والتحركات ضد الارهاب. اضعاف الظروف التي توفر بيئة خصبة لنمو الارهاب. ولكن النجاح يتطلب فهما جديداً من جانب الولايات المتحدة وشركائها في العالم. ان افضل الوسائل لمحاربة الارهاب هي بناء شبكة مضادة للارهاب. اذ ينبغي على الولايات المتحدة وحليفاتها بناء شبكة استخبارية عالمية وقوى للحفاظ على الامن وبنية عسكرية جيدة وشبكة مالية ودبلوماسية وادوات اخرى لانتزاع شوكة تنظيمات ارهابية مثل «القاعدة». وسيتطلب ذلك رؤية جديدة للتعاون محلياً وعالمياً. داخلياً تعزيز التنافس الديمقراطي في اطار الحكومة الاتحادية وبين الولايات الاتحادية والوكالات المحلية المطالبة ان تعمل بتعاون وتآزر افضل. ان هدفنا ينبغي ان يكون درجة غير مسبوقة من التعاون بين مجتمعات واسعة ومتنوعة بما في ذلك الاستخبارات وقوى الامن والجيش والدبلوماسية والمالية والطوارئ والمؤسسات الصحية والقطاع الخاص وما الى ذلك.. وعلى المستوى الدولي ينبغي ان تسعى الولايات المتحدة لحشد تحالف التحالف والابقاء عليه على ان يتحمل كل طرف في التحالفات جزءا مختلفا في الحملة الواسعة وتهدف تلك التحالفات مستقلة ومجتمعة استئصال شأفة الارهاب العالمي وجعل التربة العالمية غير صالحة لنموه. وتتطلب هذه الحملة الطويلة الحصول على دعم قوي من الشعب الاميركي لأن الحملة في جانب منها ستكون غير مربحة وقاسية وطويلة. كما سيكون الحفاظ على القيادة الرئاسية مطلعة هي مسألة بالغة الاهمية وهي مهمة ايضاً بالنسبة للكونغرس والشعب الاميركي. وسيكون ذلك مهماً على نحو خاص عندما تواجه الحملة نكسات ونتائج سلبية غير مقصودة وعمليات فاشلة. واسوأ من ذلك التعرض لمزيد من الهجمات الارهابية التي لا مفر منها. وكما هو الحال في الحروب الماضية فإننا سنخسر بعض المعارك خاصة واننا نواجه عدوا مفكرا وذكيا وموطدا العزم وصبورا. وفي النهاية فان النصر سيتطلب الحفاظ على الهدف والعزيمة في مواجهة هجمات مفاجئة ومتكررة ويمكن ان يكون ذلك طوال السنوات المقبلة.ان الولايات المتحدة لم تختر هذا الصراع، ولكن البلاد لن تختار ان تقف مكتوفة اليدين، وكذلك فان تكاليف الفشل ستكون باهظة لكن الحملة ستكون قاسية وطويلة. وخلال ازمة الصواريخ الكوبية قال الرئيس الراحل جون كينيدي «ان تكلفة الحرية عالية، لكن الاميركيين طالما دفعوا هذه التكلفة». مرة ثانية فان امتنا تجد نفسها تواجه التحدي وسيستمر ذلك حتى الانتصار. السياسات الجديدة لقد جاء بوش الى سدة الرئاسة وتعهد تغيير لغة الحوار السياسي في واشنطن. ولكن الاشهر الاولى في ولايته كانت مغايرة لوعوده ولكن في بحر يوم واحد عملت الاحداث ورد الفعل القومي في 11 سبتمبر على تحقيق تلك الوعود فأعضاء الكونغرس الذين احتشدوا على سلالم مبنى الكابيتول للتعهد بالقوة والتضامن وغنوا «فليبارك الله أميركا» باتوا من اوائل الرموز للوحدة والتضامن القومي والحزم. ومن ذلك الحين تعززت روح الوحدة وكانت الخلافات محلية وفي اطار السعي لتقديم الافضل للاميركيين والشعب الأميركي. وقد تعلم الحزبان دروسا مهمة في مأساة 11 سبتمبر وما تلاها واحيانا تأتي تلك المواقف على حساب سياسة الحزب، فبالنسبة للحزب الديمقراطي فانه قام بتعزيز مطالب اولويات الدفاع والاستخبارات والاجراءات الامنية الاخرى، اما بالنسبة للجمهوريين فان دور الحكومة ووثاقة التطورات بحياة الأميركيين اليومية تم رفع وتيرتها. وبصورة فجائية ادت عمليات التناسق الى نشوء ارضية مشتركة بين الحزبين وعلى سبيل المثال فقد اثار الطرفان الديمقراطي والجمهوري مخاوف من تأثير الحملة طويلة المدى على الحقوق المدنية. وتبنى الحزبان سياسة الحوافز المالية الكثيفة حتى وان كان ذلك يعني بصورة جوهرية زيادة النفقات الحكومية على المدى القصير. وينبع هذا التضامن بين الحزبين من حقيقة واحدة وهي ان العدو ليس الجالس قبالة الاخر بل هو ذاك الذي يستعد لشن هجوم ضد أميركا. ومع مرور الوقت خاصة عندما نواجه نكسات قد يستنتج بعض الاميركيين ان ارتباطنا الخارجي يثير ازعاج الشعب الأميركي ويوفر للارهابيين أهدافا لضربها. وقد يتساءل الأميركيون لماذا تقيم الولايات المتحدة قواعد عسكرية في الخارج ويؤمنون ان الدفاع الاكبر ينبغي ان يتوفر على ارض الولايات المتحدة. وقد يتساءل الأميركيون ما اذا كان الدعم الأميركي لاسرائيل تسبب في الكثير من المشكلات. وقد يحتجون على تزويد الكثير من دول العالم بمساعدات كبيرة في حين ان الملايين من الأميركيين عاطلون عن العمل ويناضلون من أجل الوصول الى كفاية أسرهم. الحقيقة ان كارثة كبيرة ستلحق بأميركا وبالعالم وسيحقق الارهابيون انتصارا، اذا اصبحت القيادة الأميركية والتحالف على الصعيد الدولي ضحية لهجمات 11 سبتمبر.. وينبغي ان يكون الدفاع الداخلي الاقوى عنصرا اساسيا في الاستراتيجية الأميركية ضد الارهاب الدولي ولكن لا ينبغي ولا حاجة ان تكون بدلا عن التواجد والاولويات الاميركية القوية في الساحة الدولية. واذا كانت هجمات 11 سبتمبر علمتنا أي شيء فهو ان الامن والرضاء في الوطن يتأثران مباشرة بالقوات الرابضة ما وراء الحدود الأميركية، فأميركا لن تستطيع الابتعاد عن العالم، بل علينا العمل من اجل تغيير هذا العالم وتشكيله. فقبل 60 سنة انهت الحرب العالمية الثانية عزلة اميركا، والآن ينبغي على القيادة السياسية الأميركية ان تعمل لضمان ان الدمار الذي عانينا منه على ترابنا الوطني يوم 11 سبتمبر لن يقهر انخراطنا وقيادتنا في العالم. حدود العمليات العسكرية لدى الولايات المتحدة دور حيوي تلعبه في الحملة العالمية ضد الارهاب بدءا من شن هجمات لتدمير الشبكات الارهابية المسئولة عن الدمار والموت الذي يتسبب فيه يوم 11 سبتمبر والقيام بعمليات ردع لتحجيم قدرة المنظمات الارهابية عن شن هجمات ارهابية فضلا عن القيام بعمليات تهدف الى اقصاء نظام يدعم او يوفر ملاذا للارهابيين الذين لهم امتداد عالمي وذلك بهدف توفير الأمن للاميركيين في الداخل. وتسجل رغبة الأميركيين في استخدام القوة العسكرية الأميركية، خاصة رغبة وضع جنود أميركيين على الارض في ميدان المعارك بصورة متكررة وفي اكثر الظروف عداء، عمق موقفنا الحازم والتزامنا بهذه الحملة. وان عملياتنا العسكرية التي نقوم بها هي المؤشر الاكثر وضوحا لعزيمة أمتنا. يبدو ان تقصير أجهزة الاستخبارات الأميركية وعدم توفر المعلومات والقدرات والمعالجات مكن الارهابيين من توجيه ضربتهم في 11 سبتمبر بتلك المفاجئة والاثار المفجعة. ومن الوقت ذاته فان رجال ونساء مجتمع المخابرات، حسبما قاله الرئيس بوش يبذلون جهودا مخلصة على خطة الجبهة لضمان النصر.وستواصل المخابرات، في ضوء الحملة الطويلة ضد الارهاب واحتمال تعرض الولايات المتحدة لمزيد من الهجمات، دورها الذي لا يستغنى عنه حيث يعتمد الجميع في الحملة عليها فبوجود استخبارات جيدة فان كل شيء ممكن وغير ذلك فان اي شيء غير ممكن. ليست الولايات المتحدة مجهزة جيدا لمواجهة اسوأ التهديدات ضد أراضيها وبصورة خاصة اذا استخدم الارهابيون في هجماتهم اسلحة جرثومية. وفيما قد تؤدي هجمات بالاسلحة الكيماوية الى قتل العشرات بل المئات من الناس فان الهجمات بالاسلحة الجرثومية قد تؤدي الى سقوط الملايين من الضحايا. ومما لا يقبل الشك فان عناصر القاعدة ابدوا اهتماما بالاسلحة الجرثومية لشن هجمات واقاموا اتصالات بدول لديها برامج تطوير اسلحة جرثومية. وكانت الهجمات بالجمرة الخبيثة «الانتراكس» قد انهت جدلا طويلا حول ما اذا كان الارهابيون سيحصلون على اسلحة بيولوجية ويستخدمونها. وبالطبع فان الارهابيين لديهم تلك الاسلحة ويستخدمونها. والواقع فاننا لا نملك الجاهزية اللازمة لمواجهة تبعات مخيفة لهجمات واسعة الناطق بالاسلحة الجرثومية. وتفتقر الولايات المتحدة الآن الى المخزون الضروري من اللقاحات والمضادات الحيوية. ووسائل توزيعها السريعة حتى لا يكون الرد فعالا. وتفتقر الولايات المتحدة ايضا الى الكادر الفعال لمواجهة مثل هذه الازمة. وبصراحة فان النظام الصحي العام في الولايات المتحدة ليس مستعدا لمواجهة مثل هذا التحدي. كما ينبغي على الولايات المتحدة ان تعد العدة لمواجهة هجمات خطيرة على البنى التحتية المهمة على اراضيها.وعلى الرغم من ان بعض التقدم احرز في هذه الجبهة الا ان هجمات فعالة على شبكة الكهرباء في اميركا وعلى اجهزة الاتصالات وانظمة المعلومات ونظام المواصلات قد يؤدي فعلا الى نتائج كارثية ولتعزيز قدرتنا على الدفاع ومواجهة تبعات مثل تلك الهجمات فانه ينبغي على الولايات المتحدة ان تضع هذه الامور ضمن أولوياتها الاولى.تعاني الولايات المتحدة من صورتها السيئة في كل انحاء العالم الاسلامي، ويعتقد الكثيرون من المسلمين ان الولايات المتحدة في افضل الاوضاع غير متعاطفة، وفي اسوأ الحالات معادية للاسلام. ويقتنع المسلمون بأن الكثير من السياسات الأميركية منحازة ضد المصالح العربية والاسلامية بما في ذلك الانحياز غير المشروط لاسرائيل وفرض الحصار الاقتصادي والقصف ضد العراق ونشر قوات اميركية في البلد ذاته الذي يحتوي على اقدس اقداس المسلمين المدينة ومكة فضلا عن التعاون الوثيق مع أنظمة قمعية، كما يرى المسلمون الهجوم على القاعدة وطالبان في افغانستان هجوما على الاسلام قد يؤدي الى كارثة انسانية. واصبحت الولايات المتحدة ايضا رمزا لتهديد مقلق عميق تفرضه العصرنة على الافراد والمؤسسات في مجتمعات تقليدية وهدفا لاحباطات يشعر بها الكثيرون في المجتمعات العربية تجاه انظمتها التي غالبا ما تفشل في تلبية احتياجات مواطنيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكنها في نفس الوقت تحظى بدعم من الولايات المتحدة. مثل هذه المفاهيم تؤجج مشاعر الاحباط ضد الولايات المتحدة بين الكثيرين، والكراهية بين البعض، على الرغم من ان المثل الاميركية ونجاح اميركا لا يزال سحره وجاذبيته قائمة. ان ما تصعب اجابته هو ان هذه المفاهيم تهدد باعاقة قدرة الولايات المتحدة على شن الحرب ضد الارهاب، ومع مرور الوقت، ستضعف القدرة العسكرية الأميركية والنفوذ الاميركي على امتداد الكرة الارضية وباستمرار مد الرأي العام على هذه الصورة ضد الولايات المتحدة فسيجد القادة العرب وقادة العالم الاسلامي صعوبة اكبر في الانضمام الى الائتلاف والبقاء فيه، ويمكن ان ينهار الدعم الاسلامي للحملة بالكامل، وستخاطر الولايات المتحدة بتطور حملة عارمة معادية للاميركيين يمكن ان تزعزع انظمة مثل باكستان ومصر. وستعاني الجهود لجعل اقطار عربية واسلامية تتخذ مواقف معتدلة، فضلا عن الجهود لتحديثها، نكسة خطيرة، كما سيكون لهذه السياسة تبعات اخرى وهي ضغط الدعم الاوروبي والدول الحليفة الاخرى في الحرب ضد الارهاب. وخلال ذلك يقوم اسامة بن لادن وتنظيمه «القاعدة» بمنافسة الغرب سياسيا واخلاقيا، وليس بأعمال العنف فقط، واذا كان الارهابيون يتجاوزون نطاق المنطق فان الناس والبلدان المتعاطفين مع قضيتهم، ان لم يكن مع وسائلهم ايضا، لن يمكن المساس بهم. والفشل في السعي للحصول على فهمهم ان لم يكن تأييدهم سيوسع القاعدة التي يستطيع الارهابيون ان يجعلوا منها ملاذا لهم والحصول على دعمهم. وهكذا فان الانتصار في الحرب على الارهاب وضمان نتائج تؤدي الى السلام ستكون عملا من اعمال الاقناع مثلما قد تؤدي الى تآكل الحملة.والحقيقة فان تصوير الولايات المتحدة كعدوة للاسلام وللعرب تتناقض مع الصورة التي رسمتها الولايات المتحدة بسياستها الخارجية في عقد التسعينيات. فالولايات المتحدة تدخلت في منطقة الخليج وفي الصومال والبوسنة وكوسوفو لأسباب متعددة لكن لقاء نتيجة واحدة وهي ان التدخل الاميركي انقذ حياة الالاف من المسلمين. وضغطت الولايات المتحدة على أوروبا لجعل تركيا، التي يشكل المسلمون اكثر من 95% من سكانها، مرشحة لعضوية اتحادها. وقد اعلنت الادارة الاميركية المتتابعة انها مستعدة للاعتراف بدولة فلسطينية مع تشجيع اسرائيل لصياغة سلام دائم وفي العام 2000 رعت الولايات المتحدة عرضا تاريخيا كان سيمنح الفلسطينيين 95% من الاراضي المحتلة فضلا عن سلطتها على القدس الشرقية. كما نشرت الولايات المتحدة قواتها في السعودية بناء على طلبها لحماية الشعب السعودي والمقدسات من العدوان العراقي.وهكذا فانه للانتصار في الحرب ضد الارهاب ولضمان استمرار السلام فان على الولايات المتحدة ان تبدأ في تغيير قلوب وعقول العالمين العربي والاسلامي. وكذلك الوقوف مع الشعوب في قضايا تهمهم جميعا مثل تعزيز قابلية الدول النامية لتحقيق احتياجات شعوبها اجتماعيا واقتصاديا فضلا عن مواجهة بعض التحديات السياسية والصراعات التي تنجم عن تلك الاحتياجات. وينبغي ان تنقل الولايات المتحدة موقفها بفاعلية اكثر وان تصغي جيدا. وفوق كل ذلك فان الدبلوماسية الرسمية الفعالة ليست فقط حول علاقات رسمية طيبة او بيع الجانب الاميركي لقصته بل ايضا حول اقامة حوار حقيقي. ولا شك فان حرب المعلومات هي اقل خطورة ولكن لعلها اكثر صعوبة من الحملة ذاتها في افغانستان، وينبغي الابقاء على هذه الحرب حتى بعد انسحاب افغانستان بوقت طويل. وبالمقابل فان الارهابيين ليس لديهم ما يقدمونه سوى القمع والكراهية. ان حرب الافكار هي حرب ستكسبها اميركا وقد حان الوقت لأخذ كل هذه الامور بجدية.