جميع شعوب العالم في كل مكان من أوروبا الى الصين ومن روسيا الى العالم العربي تكن شعوراً بالكراهية والبغض ضد النزعة الفردية الاميركية في تناول الشئون الدولية. ولكن في الوقت الذي يختلف هذا الشعور في درجته ونوعه، لا يوجد هناك تحالف اقليمي أو عالمي ضد الولايات المتحدة. فعندما وصف الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش بشكل غير منطقي ايران والعراق وكوريا الشمالية بـ «محور الشر» في خطاب حالة الاتحاد لعام 2002، لم توافقه الرأي حتى أقرب حلفاء واشنطن، على الرغم من انه لم تبد إلا حكومات قليلة فقط خارج اطار هذا «المحور» اعتراضها بشكل واضح على ذلك التوصيف. ولم تعترض كذلك الكثير من الحكومات بشكل رسمي في حال استخدام واشنطن للقوة لاسقاط نظام الرئيس العراقي.لقد أعطى الحادي عشر من سبتمبر المأساوي الاميركيين اسباباً اخلاقية ومبررات أمنية لمحاربة الارهاب الدولي. فالاميركيون أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء الحرب الباردة، يرون العالم الآن بالأبيض والاسود فقط «إما معنا أو ضدنا». لقد نصبوا أنفسهم القوة الوحيدة التي بوسعها ان تختار الأهداف والوسائل والغايات في محاربة الارهاب. ولن تريد أي قوى مهمة اخرى ان تظهر في طريق أميركا إذا ما كانت ما تقوم به أميركا لا يؤثر على مصالحها الحيوية. والبعض يقوم بالانحياز الى عربة أميركا، والبعض لا يقدر ان يتحمل اهانة القوة العظمى الوحيدة في العالم الذي تفوق قوتها السياسية والعسكرية قوى أي تحالف يمكن ان يظهر ضدها.ففي واقع الأمر، يبدو عالم اليوم عالماً احادي القطب بشكل لم يسبق له مثيل تظهر فيه أميركا بلا منافس يقوى على ايقافها. غير ان هذه القوة مكانها الوحدة وذلك لأن أولوياتها القومية مختلفة كل الاختلاف عن أولويات معظم الدول الاخرى.قد غير الحادي عشر من سبتمبر نمط الحياة الاميركي بشكل عميق، ولكن الاجزاء الاخرى من العالم لم تتأثر بالقدر نفسه، وبالتالي فإنه ليس من السهل ادخال الاجزاء في فلك «حرب أميركا الجديدة». يتمني بوش أن «تنتبه كل الدول الى دعوتنا وتتخلص من الطفيليات الارهابية التي تهدد دولهم ودولتنا». وفي المقابل فإن جميع تلك الدول التي تدعم حملة واشنطن ضد الارهاب ينبغي ان يكون لها الحق في ان تتوقع ان يتم الاهتمام بدعوتها للتعاون بشأن ما تقابله من مشكلات. وقال أحد مسئولي الصين الكبار في وصفه للتعاون بين بكين وواشنطن لكبح جماح طالبان: «كما يقول عادة الاميركيون، لا يوجد شيء مثل الغذاء المجاني». فبينما كانت بكين تتعاون استخباراتيا مع واشنطن بشأن القاعدة وطالبان، توقعت الصين مساعدة اميركا لها في مطاردة مئات المنفصلين التابعين لحركة الايجور الذين كانت تدربهم طالبان في افغانستان وينشطون في منطقة زنجيانج. ففي الأعوام الأخيرة شهدت هذه المنطقة حملة محدودة ومتقطعة من العنف شنها «مقاتلو الحرية» المسلمون في صورة قنابل وموجات شغب. ولكن المسئولين الاميركيين قالوا انهم لا يعتبرون هؤلاء الانفصاليين ارهابيين. ومن ثم لم تقدم أية مساعدة للحكومة الصينية في هذا الشأن.ويتساءل الكثير من الصينيين الآن: لماذا على حكومتهم أن تقوم بدعم حملة ادارة بوش ضد الارهاب، في الوقت الذي لا تحصل فيه الحكومة على شيء في المقابل. فضلاً عن ذلك، يتملك الصينيون الاحباط بشكل متزايد بسبب علاقات واشنطن العسكرية المتزايدة مع تايوان التي يعتبرها الصينيون اقليماً تابعاً لدولتهم. وفي ضوء التعاطف والدعم المعنوي الذي أبدته دول العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبحت اميركا تملك فرصة تاريخية فريدة لاستقطاب مشاعر الود من الخارج. وللأسف يبدو ان قدراً كبيرا من هذا التعاطف فقدته أميركا الآن. فبدلاً من ان يفكروا بعمق بشأن ما يمكن ان تقوم به أميركا كي يحبها الآخرون، يريد بعض الاميركيين ان يخشى الآخرون دولتهم وتملؤهم الرهبة منها. وبدلاً من الاجابة على السؤال القائل: لماذا يتسم أمن أميركا الآن بالضعف في الوقت الذي تملك فيه تقريباً قوة مهيمنة؟ يبدو الأميركيون معتمدين بشكل متزايد على ميزانية دفاع كبيرة كي يتسنى لهم التعامل مع التهديدات غير التقليدية التي تطلقها عناصر لا تنتمي لدول يمكن محاربتها، وحتى يكون المرء منصفاً فإن رد فعل اميركا للهجمات الارهابية يتماثل مع رد الفعل الذي كانت ستفعله أية «دولة طبيعية»، وحتى الآن قامت أميركا بالأمر بشكل ناجح سواء بشأن حماية أمن البلاد أو في خوض حربها في افغانستان، أكثر مما تصور معظم المراقبين. وعلى الرغم من ذلك، على الشعب الاميركي أن يواجه الحقيقة غير السارة التي تفيد بأنه عند التعامل مع الأمن الداخلي على اميركا أن تكون أكثر وأكثر من مجرد «دولة طبيعية»، فالعولمة لا تعطي اميركا المزيد من رؤوس الاموال والبضائع الرخيصة وحسب، ولكن ايضاً تكثف من الصفقات غير القانونية والأمراض الاجتماعية وتزيد الفجوة المزعجة بين الاغنياء والفقراء ونتيجة لذلك يجب على الولايات المتحدة ان تعيد التوازن بين احتياجاتها الى تدابير أمنية متزايدة وحماية الحقوق المدنية. فقد وجهت تداعيات الحادي عشر من سبتمبر ضربة قاصمة للحريات المدنية، فعلى سبيل المثال وجهت منظمة العفو الدولية اتهاما مؤخرا مفاده ان أميركا وعددا من الحكومات الأخرى من مختلف انحاء العالم قامت باستغلال الحرب على الارهاب لتحجيم حقوق الانسان وخنق المعارضة السياسية. وبشكل أكثر تحديداً اتهمت المنظمة الولايات المتحدة بضرب مثال سييء عن طريق رفض تصنيف متهمي طالبان وتنظيم القاعدة المحتجزين بقاعدة جوانتانامو في كوبا كسجناء حرب، وهو التوصيف الذي سيعطي لهم حقوقاً بموجب اتفاقيات جنيف. على الرغم من ذلك لايزال الاميركيون ينظرون الى دولتهم على انها محقة بشكل استثنائي، في حين ان آخرين ربما يخلصون الى ان أميركا بصفتها أحد اللاعبين على المسرح الدولي ليست محصنة ضد ذلك القانون الحديدي القائل «القوة تفسد، والقوة المطلقة تفسد بشكل مطلق» وبالنسبة لحكومات اخرى كثيرة، فإن القوة المخيفة المتنامية للولايات المتحدة أمر لا يمثل لهم أي نوع من الالزام.هناك فجوة اخرى توحي بقدر أكبر من التشاؤم ما برحت تتفاقم بين الحكومات والمواطنين الذين يدورون في فلك تلك الحكومات وبدرجات متباينة ترى الحكومات ان هناك فائدة في الحفاظ على النظام العالمي الحالي والقواعد التي تدعمها اميركا. غير ان جزءا كبيراً من مجتمعات تلك الحكومات، لاسيما المتطرفون والمعدمون والمفكرون وأصحاب الميول القومية، يرى أميركا كقوة مهيمنة متغطرسة منفرة تمثل أحد مصادر الشر. ومن وجهة نظر هؤلاء تخدم الحكومات المتعاونة مع الحكومة والشركات الاميركية المصالح الاميركية أكثر من مصالحها ومصالح شعوبها. فهناك مطالب شعبية في عدد من الدول النامية تدعو الى القيام بمقاومة النفوذ الاميركي بشكل قوي. وهناك حتى قدر من التعاطف الواضح مع اسامة بن لادن وصدام حسين. وبالنسبة لكثير من الناس العاديين، فإن اميركا تعد أحد رموز الثروة والبذخ والرفاهية، التي يرونها في أفلام هوليوود ولكن لا يستطيعون ان يذوقوها أو يصلوا اليها. فعلى سبيل المثال، وخلافاً للتوقعات الاميركية، فإن الانطباع السائد بشأن أميركا في المجتمع الصيني الحالي بعيد كل البعد عن كون ان أميركا هي «منارة الحرية» فالرغبة في العودة الى عهد الرئيس الصيني ماوتسي تونغ شائعة الآن في الصين وذلك لأن ماو كان يملك شجاعة تحدي الاميركيين. فحقاً لايزال الطلبة الصينيون يتوقون الى الحصول على تأشيرة دخول الى أميركا، ولكنهم منجذبون الى مستوى الحياة في أمريكا أكثر من اعجابهم بالافكار الاميركية. ليس من الصعب للغاية تخيل الاتجاه الصيني بشأن الجمع بين القوة الاميركية والتمحور حول النزعة العرقية، فالضجة الاميركية المثارة بشأن «التهديد الصيني» لا تجد قبولاً لدى الصينيين بالدرجة التي يمثلها التهديد الحقيقي على المدى الطويل الذي تعانيه الولايات المتحدة من أي مكان آخر. على الرغم من هذا، فإن العالم بحاجة الى الثقل الاقتصادي الاميركي وكذلك البضائع والسلع الشعبية والعالمية التي توفرها تلك الدولة العظمى. وما تحتاجه أميركا هو القيام باستخدام قوتها ونفوذها بعناية أكبر عن طريق وضع آراء ومصالح الدول الأخرى في الاعتبار، وكلما تزيد اميركا من نزعتها الفردية في تناول الشئون العالمية، تتضاءل المساعدة التي يمكنها الاعتماد عليها من الآخرين، ويزيد شعورها بعدم الامان. ترجمة: حاتم حسين خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»