كان حرياً بالمرء الاستجابة للميل الى ان ينحي جانباً الكثير مما كتبه بني موريس وايهود باراك مؤخرا في نيويورك ريفيو أوف بوكس في معرض الرد على تعقيبنا على المقابلة التي أجراها الأول مع الثاني، وذلك باعتبار ان ما كتباه لا يعدو ان يكون ديماجوجية جوفاء، لولا ان هذا الذي كتباه مؤذ للغاية وشديد الإضرار بمستقبل كل من الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني، وكان باراك قد ساعد في الماضي من خلال كلماته وأفعاله على اطلاق عملية تجريد الشعب الفلسطيني وعملية السلام من أي مشروعية، وهكذا مكن رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي ارييل شارون من التعامل معهم على هواه وحسبما يراه مناسباً وعلى التنصل من كل مسئولية عن ورطة اسرائيل الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية. والآن أصبح العجز عن التوصل الى صفقة لاقرار السلام في الأشهر السبعة التي انقضت بين قمة كامب ديفيد الثانية ومحادثات طابا، بحسب رواية باراك وموريس، حكاية، موضوعاها الرئيسيان هما القصور الثقافي العربي ورغبة الفلسطينيين الكامنة في القضاء على اسرائيل. وكما عبر وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز عن الأمر بصورة نالت شهرة مدوية فإن باراك يحول فشله الى ايديولوجية. وقد آن الأوان لقيامه بالتعامل مع فشله وتنحية الايديولوجية جانباً وترك اسرائيل والفلسطينيين يعودون الى المهمة الأكثر جدية والحاحاً المتمثلة في اقرار السلام. دعنا، ابتداء، نورد كلمات قلائل حول رد موريس وباراك على تعقيبنا على مقابلتهما، وهو الرد الذي جاء بمثابة نموذج تفصيلي لعدم وضع الأمور في نصابها، ولا يستحق أكثر من هذه الكلمات القلائل، فهما يشوهان ما قلناه عن الاحداث المأساوية التي وقعت خلال الأشهر القليلة الماضية وردود الأفعال على الأفكار التي طرحها الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون في 23 ديسمبر وحق العودة وأهمية حق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية وأصول الانتفاضة الفلسطينية الحالية. وهما يقلبان ما رأى العالم فيه جولة استفزازية على نحو خطير من جانب ارييل شارون في الحرم الشريف الى نزهة بريئة، ويتهمان الفلسطينيين بمحاولة التنصل من كل مسئولية غير انهما يمضيان عقب ذلك فيتنصلان من كل مسئولية وقعت على كاهل باراك، ويلقيان عبء الفشل بكامله على الفلسطينيين، فيما يضيفان الاتهامات المعتادة المضجرة حول ازدواجية الخطاب العربي وتحيز اجهزة الإعلام الاوروبية و«المصالح الاقتصادية المتباينة» والنزاهة السياسية الاوروبية، وهما يشيران الى «منهاج عرفات» ويقصدان به قيام المفاوضين وليس عرفات نفسه بطرح المواقف الفلسطينية، وذلك من دون ان يقرا ان تلك هي على وجه الدقة الطريقة التي اتبعها باراك بصورة روتينية وبوضوح تام. بل ان رغبة باراك في ألا يلتزم هو نفسه وبصورة شخصية بما يطرحه كانت السبب الذي قدمه رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق لرفضه اجراء مناقشات جوهرية مع عرفات في كامب ديفيد، وهي أيضاً السبب في انه رفض اعطاء مفاوضيه تعليمات محددة خلال مباحثات طابا وطلب منهم عدم القيام باطلاعه على ما يجري بصورة كاملة. ثم هناك قضية الملاحظات المدهشة التي يدلي بها باراك حول الثقافة الفلسطينية والعربية التي يسعى الآن الى التملص منها. غير ان كلماته في المقابلة الأولية التي أجريت معه كانت قاطعة ولا لبس فيها، فهو يقول: «انهم نتاج ثقافة لا يؤدي الكذب في اطارها الى حدوث أي تنافر». وهو يتابع «انهم لا يعانون من مشكلة طرح الاكاذيب الموجودة في الثقافة اليهودية ـ المسيحية، حيث ينظرون الى الحقيقة على انها لا أهمية لها» وما الى ذلك. ولكن من الجلي للعيان ان الدقة فيما يتعلق بالحقائق والتماسك المنطقي ليسا هما ما يسعى موريس وباراك الى تحقيقه، وإنما الأمر المهم بالنسبة لهما هو تبرير الذات من شخص اختار ان يصنع مسيرة حياة ـ وربما العودة الى الساحة ـ من خلال تشويه شعب بأسره. ان تلك هي حقاً القضية الفعلية التي تستدعى الانتباه، ففي اطار الصورة الفجة التي يرسمها موريس وباراك، يقدم هذا الاخير العرض الاكثر سخاء الذي رفضته القيادة الفلسطينية «الشريرة» لانها ارادت ان تتخلص من اسرائيل وكل ما عدا ذلك هو محض ثرثرة، ولكن هل الرجل الذي يعتقد ان عرقا بأسره او ثقافة بكاملها محصنة ضد الحقيقة هو في وضع مناسب لطرح مثل هذا التعميم الشامل وهل هو مؤهل لابرام صفقة تاريخية مع شعب يحمل ضده هذه التصورات المتحيزة؟ ان باراك يستحق ان ينسب اليه تفهمه للحاجة لانهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني واهمية الفصل بين الشعبين كجزء من اتفاق سلام نهائي، ولكن من الجدير بنا ان نتذكر ان باراك عارض اتفاقات اوسلو منذ البداية، فقبل 1996 كان ضد ادراج فكرة الدولة الفلسطينية في برنامج حزب العمل، واصر على اعادة التفاوض على اتفاق مع الفلسطينيين وقعه سلفه ثم لم يقم بتنفيذه، وهو يفخر اليوم بأنه قدم تنازلات ملموسة للفلسطينيين اقل مما قدمه بنيامين نتيناهو، رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي سبقه في شغل هذا المنصب، هل هذه هي حقا المؤهلات التي يتوقعها المرء من رجل يزعم انه يجلس في مقعد الحكم على قدرات الآخرين على تحقيق السلام؟ ان ما هو واضح من رد بارك ومن تصريحاته الاخيرة يتمثل في افتقاره المطلق الى الشك في نفسه، ومع ذلك فإنه قي الوقت الذي هزم على يدي ارييل شارون بعد اقل من عامين من تقلده لمهام منصبه كان قد اثار عداء كل من اليمين الديني واليسار العلماني ليس من اجل مبدأ اسمى وانما من خلال سوء الادارة، حيث تحلل ائتلافه الحاكم وفقد عرب 1948 كل ثقة فيه، وتفرق حزب العمل الذي ينتمي اليه وانتقده بقوة وقد عجز باراك عن الوصول الى اتفاق مع سوريا، ووصلت العلاقة مع جانب كبير من العالم العربي الى وضع اكثر تدنيا مما كانت عليه مع سلفه المتشدد، وباختصار فإن الفلسطينيين كانوا طرفاً واحداً في قائمة طويلة ممن نجح باراك في استعدائهم او عجز عن التعامل معهم بصورة ناجحة، وفي ضوء هذا السجل ألا يمكن ان يكون هناك مجال للتساؤل عما اذا كانت تكتيكات باراك وطريقة تركيبته الذهنية لها على الاقل بعض التأثير في انهيار عملية السلام؟اخيراً هناك المسألة المتعلقة بما يمثله باراك اليوم وما يتبناه من افكار فما الذي في رأيه حدث بالفعل في طابا في يناير 2000 وهل يقبل بالتقدير الايجابي الذي قدمه وفده الرسمي الاسرائيلي الذي اجرى المفاوضات هناك؟ انه تقدير يبادر هو الى تجاهله ويستحق ان نكرره حيث يقول بيان طابا:«يعلن الجانبان انهما لم يكونا في أي وقت سبق اقرب الى الاتفاق منهما الآن، وهكذا فإن اعتقادنا المشترك هو ان الخلافات الباقية يمكن مد الجسور عبرها مع استئناف المفاوضات في اعقاب الانتخابات الاسرائيلية». ان ذلك البيان يناقض زعم باراك الذي ردده آخرون كثيراً، وقوامه ان الفلسطينيين نكصوا عن اتفاق محتمل، هل باراك على استعداد اليوم لاستئناف المفاوضات من حيث توقفت والسعي الى مفاوضات كاملة على نحو ما تعهد في ذلك الوقت وعلى نحو ما كرره على مسامع الرأي العام الاسرائيلي على امتداد حملته الانتخابية؟ ومسألة ما اذا كان اتفاق السلام مازال يمكن التوصل اليه في الموقف الراهن الذي قوامه العنف الرهيب قد اصبحت مسألة اكثر الحاحاً من ذي قبل، ونحن نعرف ما الذي كانت عليه افكار الرئيس بيل كلينتون بالنسبة للتوصل الى اتفاق سلام اسرائيلي ـ فلسطيني ونحن نعرف مواقف العديد من القادة السياسيين الاسرائيليين الذين كشفوا النقاب في الاسابيع القليلة الماضية عن صياغاتهم الخاصة وتصوراتهم للسلام بل اننا نعرف ما هو المقترح الفلسطيني الرسمي للسلام، على الرغم من انه لا يكون شيئاً يمكن ان يقبله الشعب الاسرائيلي ولكن هل يستطيع باراك الذي يحب ان يبلغ اليسار بأنه مضى قدما الى ابعد من اي شخص آخر، ويبلغ اليمين بأنه اعطى تنازلات للفلسطينيين اقل من اي شخص آخر هل يستطيع ان يدعنا نعرف ما هي مقترحاته على وجه الدقة للتوصل الى سلام نهائي مع الفلسطينيين؟ بقلم: روبرت مالي وحسين أغا ، ترجمة : كامل يوسف حسين عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»