ملاحقة قضائية هي الأزمة الجديدة التي تواجه شركة «فايزر» الشهيرة في مجال صناعة الأدوية؛ على خلفية اتهامها بصرف أدوية قيد التجربة المعملية لـ 200 طفل نيجيري، وهو ما تسبب في مقتل 11 طفلاً منهم. أكثر من 30 أسرة لأطفال الضحايا من مدينة كانو بشمال نيجيريا تقدموا ب«معروض» يطلبون فيه تقديم الشركة للمحاكمة؛ لأنها تعمدت صرف أدوية غير محكمة علميا إلى أطفالهم إثر تعرض البلاد لظاهرة تفشي وباء الالتهاب السحائي قبل خمس سنوات مضت.وقد تقدمت مجموعة من الناشطين الأفارقة في مجال حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأميركية في الأسبوع الماضي في المرافعة أمام محكمة في واشنطن باسم أسر المتضررين من هذه الأدوية، بتوجيه تهمة انتهاك حقوق الإنسان إلى الشركة؛ بسبب أنها قامت بتزويد المستشفيات والمستوصفات المحلية في ولاية كانو - النيجيرية بأدوية من المضادات الحيوية، وهي تروفان وسيفراكسون. مبررات وحيثيات الاتهام المرافعة استندت على عدد من النقاط لإثبات حيثيات التهمة، منها: 1 أن شركة فايزر لم تكن قد حصلت على إخطار الموافقة قبل صرف تلك الأدوية، وبذلك تكون بهذا الإجراء قد انتهكت القانون الدولي الذي ينظم عملية توصيف وتقرير أدوية معينة بضرورة الحصول على إخطار مسبق بالموافقة في مثل هذه الحالة. 2 ـ أن الشركة لا تزال محل شك من عدد من الجمعيات والمنظمات الدولية غير الحكومية؛ بسبب أن معظم تجاربها واختباراتها المعملية غالبًا ما تكون خارج نطاق المراقبة الدقيقة للأجهزة الدولية المعنية مثل: قطاع الأغذية، وإدارة صنع الأدوية. 3 ـ أن الشركة قد أعلنت وقطعت بالحزم على المرضى أن دواء تروفان علاج فعال وقادر على مقاومة كل الأمراض المعدية المستعصية، غير أن الأوضاع الصحية كذّبت وأثبتت عكس ذلك. 4 ـ أنه تبين فيما بعد أن الأجهزة المعنية في الولايات المتحدة الاميركية بالمراقبة وجودة الأدوية ودقتها لم تكن قد صرحت بإعطاء هذه الأدوية للأطفال، كما فعلت الشركة. 5 ـ أن الشركة لم تعلن أو تبين للأطفال أو لأسرهم أن هذه الأدوية ما زالت قيد التجارب والاختبارات المعملية، والذي منعهم بعد هذا الإعلان من الاختيار من بين البدائل الموجودة للعلاج على الساحة المحلية في تلك الفترة. ردود الشركة أنكرت الشركة هذه الاتهامات الموجهة إليها بشدة، مدعية أنها بريئة ونزيهة منها، وكانت مما تحتج وتدافع به عن نفسها ما يلي: أ ـ أن خبرتها في مجال صناعة الأدوية غير قابلة للتشكيك، وأنها قامت وأجرت سلسلة من الاختبارات والتجارب المعملية في مستشفيات مدينة كانو، وبدرجة عالية من الدقة والضبط العلمي يفوق الوصف. ب ـ أن عدم التصريح بصرف هذه الأدوية للأطفال في نيجيريا، كان بسبب قطيعة بين الحكومة النيجيرية والمجتمع الدولي حينذاك؛ بسبب إعدام الحكومة العسكرية في نيجيريا للكاتب النيجيري المشهور «كين سارو ويوا»، وهو ما عرقل صدور تصريح الجهات المسئولة عن ذلك لنيجيريا، ولارتباطه بقضايا سياسية لا غير. ج ـ أن وجود خلخلة وخيانة في صفوف موظفيها في نيجيريا قد أضرت بها وبسمعتها؛ بسبب ما وصفته الشركة بتزوير النتائج والسجلات الخاصة بهذه التجارب والاختبارات. د ـ أن نتائج هذه الاختبارات العلمية والتجارب المعملية قد اعتمدتها الحكومة الفيدرالية النيجيرية وحكومة ولاية كانو بموافقة أسر المرضى. هـ ـ أن نسبة 90% فقط هم الذين تم علاجهم بهذا الدواء n، وهو العلاج الذهبي الناجع الشهير لهذا الوباء في الولايات المتحدة الأمريكية. وأن نسبة الوفيات من بين المصابين بالمرض كان متوقعًا أن ترتفع إلى 30%، إلا أنها انخفضت بعد تعاطي العلاج إلى 6%. موقف العلماء قضية خطيرة كهذه من المفروض ألا تتشعب فيها الآراء أو المواقف، إلا أن موقف العلماء والأطباء غير محدد بشكل واضح، فهناك من يرى أن الاتهامات قد جاءت في محلها، في حين يرى آخرون أنها ليست عارية تمامًا عن المقاصد والمآرب الخاصة. في حين يؤكد آخرون على أن اللوم في القضية يوجه إلى غياب دور الحكومة الفيدرالية في المراقبة الحقيقية.كما يرى العالم التشريحي النيجيري الشهير البرفسور «ح. ب» أن عدم قدرة الحكومة النيجيرية على فرض أسلوب رقابة حازمة على عمليات تنظيم التجارب، وإجراء الاختبارات المعملية العلمية على الممارسة الطبية، توقع المواطنين الأبرياء في كوارث إزهاق الأرواح. وأرى أنه لضمان رعاية صحية إيجابية في الدولة يجب على الحكومة أن تتحمل مسئولية فرض المقاييس العالمية على مستوى الجودة ودقة الاختبارات، وأنه بدون تعهد والتزام في الحكومة ستكون هناك تجارب أخرى وخيمة على أرواح المواطنين النيجيريين. موقف الحكومة التزمت الحكومة الفيدرالية الصمت حيال القضية، إلا أن حكومة ولاية كانو المعنية بها أعلنت أنها هي الأخرى عازمة على بحث الأمر بجدية أكثر عن طريق وسائل قانونية ضد الشركة. وذكر وزير الصحة في الولاية الدكتور منصور عبد الكبير أن السلطات في ولاية كانو شكلت لجنة خاصة للنظر في سجل الممارسات الطبية والأداء الإداري في تلك الفترة.غير أن اللافت للنظر، أن بعض المسئولين في وزارة الصحة مُصِرون على التأكيد على أنه لم تحصل حالة وفاة أو تشوه خلقي لأبناء المدينة، ممن خضعوا لهذا العلاج، وهذا مما يثير المخاوف في أوساط الناشطين في أن تكون هناك ضغوط قد تم ممارستها على مستوى أعلى للتأثير على مواقف المسئولين بما يخدم مصالح الشركة وتضيع معه الحقيقة الغائبة الخضر عبد الباقي محمد