بين الإيثار والمغامرة والرومانسية والاحتراف النقي من جهة، والمساعدة الطبية والصحية وحتى التشهير احياناً من جهة اخرى، قطعت جمعية اطباء بلا حدود شوطاً كبيراً منذ تأسيسها عام 1971. انه تطور ضروري نحو فعالية اكثر وانخراط اوسع في العمل، لكن بوفاء دائم لمهمتها الاولية، اي مساعدة المدنيين من ضحايا الحروب والنكبات الطبيعية والتمييز او المحتاجين بكل بساطة وكل هذا بحياد مطلق. في عام 1968 كانت نيجيريا تعاني من تمزق وحرب اهلية عنيفة في منطقة خليج غينيا، فانخرط طبيب باريسي شاب اخصائي في الجهاز الهضمي، هو برنار كوشنر، مع مجموعة اخرى من الاطباء بينهم ماكس ريكاميي، في جمعية الصليب الاحمر وذهبوا الى اقليم بيافرا، نشأ مع المثالية الملتزمة التي قادتهم الى تلك المنطقة، حس التمرد لدى رؤية هول النزاع وصمت المجتمع الدولي، كما ظهر عندهم شعور بالندم لتوقيعهم عقد عدم التدخل الذي يلزم به الصليب الاحمر لكنهم بعد عودتهم الى باريس، قدم برنار كوشنر وماكس ريكاميي شهادة الى المجلة الطبية «تونوس» التي يشرف عليها ريمون بوريل، ومثلت هذه، انطلاقة هيكلية مستقلة تستطيع ان ترسل اطباء في اية لحظة الى اية منطقة معرضة في العالم، ثم اصبحت الفكرة مشروعاً وتحققت، وولدت جمعية اطباء بلا حدود في 20 ديسمبر اول 1971 في مكاتب المجلة في كليشي ضاحية باريس ـ وترافقت مع عودة فريق من الاطباء من باكستان الشرقية التي كانت مسرحا للفيضانات الهائلة واصبح الطبيب العسكري سابقا مارسيل دلكور، رئيسياً، وبرنار كوشنر امينا عاما ومن ثم رئيساً بين 1976 و1977. ارتبط العمل منذ البداية بالكلمة، لكن بدون تهويل، لان شهاداتهم كانت عامة سنة 1971 وكان اغلبية الاطباء يرفضون مبدأ التشهير، لان ميثاق 1971 كان واضحا بالنسبة لهذه المسألة: يمتنع الاطباء عن التعبير علانية عن آرائهم ويلتزمون بعدم التدخل في شئون الدول الداخلية، ولزم الانتظار حتى عام 1980 اي بعد سنوات خمس من استلام نظام بول بوت السلطة في كمبوديا، وزحف جحافل اللاجئين في بحر الصين في مراكب «بوت بيبول» ليلقي بهذا المبدأ جانبا فظهر عندئذ مبدأ الشهادة، والتشهير اذا لزم الامر، لكن مع الوفاء لمبدأ الحيادية وعدم التدخل في السياسة، لان الضحية ضحية مهما كان انتماؤها. رفضت الجمعية فكرة برنار كوشنر باستئجار مركب لفيتنام وحصل الانشقاق عام 1979 وانسحب والدها الروحي الذي شكل ضحية كبيرة لكن لم تستسلم الجمعية للنزاعات الداخلية فيها، فتجاوزتها وطرحت مع بداية الثمانينيات مسألة بقاء الجمعية، يذكر روني برومان، رئيس الجمعية بين عامي 1982 و1994 الاعمال الارتجالية في البداية وتجربته في تايلاند عام 1978 ويقول: وجدت نفسي بدون مال في وسط المهمة، ولم يعد في حوزتي اي طعام فكنت اتناول طعام اللاجئين، ادركت الجمعية ان العمل الهاوي بالرغم من عفويته وسخائه لا يمكن إلا ان يحد من فعاليتها فبدأت بالحصول على الوسائل الضرورية والتقنيات والمحترفين وافقت على مشاركة المعلنين. ولت فترة الموازنات البائسة فبلغت موازنة عام 2000، 78.5 مليون يورو، منها 91% تبرعات خاصة. كما تطورت انواع المتطوعين خلال السنوات الثلاثين الماضية وانضمت الخبرة الى النوايا الخيرة التي سادت في مرحلة التأسيس وزاد عدد الاطباء الاختصاصيين واطباء الصحة العامة وانضم الى الجمعية اداريون وتقنيون، هناك اليوم حوالي 2000 متطوع موزعين في 85 بلداً يساعدهم 10 آلاف محليين وجمعية اطباء بلا حدود هي اليوم شبكة دولية من 18 فرعا بينها 5 مراكز للعمليات في فرنسا وبلجيكا واسبانيا وهولندا وسويسرا. اتسع مجال العمل وتعددت الجبهات ولا يخشى من ان تستعمل الجمعية لاغراض شخصية، يقول جان هيرفي برادول الرئيس الحالي ان «العمل الانساني الذي حل محل السلبية السياسية يبدو اليوم مبرراً لبعض التدخل العسكري» وفي ظل هذا السياق تحاول جمعية اطباء بلا حدود المحافظة على استقلاليتها في العمل وعلى مصداقيتها تجاه المدنيين، ترددت كثيرا قبل الموافقة على جائزة نوبل عام 1999، لاشك بأنها تعتز بعملها لكنها تتجه دائما الى مهمتها الاصلية. عن «اكتوالتيه ان فرانس»