حسب تعليمات الاغلاق الجديدة التي تنتهجها سلطات الامن الاسرائيلية هذه الاسابيع، يتعين على الفلسطينيين الذين يريدون التنقل في الضفة الغربية، ان يحصلوا على تصاريح تنقل من الادارة المدنية. وحسب التعليمات الجديدة يسمح بالخروج من نقطة عبور واحدة. بالمقابل، لن يسمح بنقل البضائع مباشرة بين المناطق الفلسطينية الا بواسطة اسلوب «الظهر الى الظهر» ـ أي تفريغ البضائع من شاحنة وشحنها في شاحنة اخرى، في مناطق خاصة في أطراف المدن. في مكتب منسق النشاطات في المناطق يرون بهذه التعليمات خطوات جاءت للتسهيل على السكان الفلسطينيين بعد ان شوشت سياسة الطوق في العشرين شهرا الاخيرة حركة تنقل المواطنين والبضائع. وهكذا، وتحت رقابة شديدة، يسمح على الأقل بحركة محدودة للمواطنين الذين تقتنع الادارة المدنية بأن اسباب تنقلهم بين مدينة واخرى عادلة (العمل، العائلة)، وسيتم تسهيل ترتيبات ادخال المواد الغذائية والأدوية للمدن. المنطق الأمني لمأسسة الاغلاق يقنع كل اسرائيلي بعدالة هذه الخطوة التي اتخذتها سلطات الامن. وكل ما هو معروض على الاسرائيليين كنشاط يصعب على مخرب انتحاري بالمس بهم (من جانبي الخط الاخضر)، يستقبل بدون صعوبة ولا يثير جدلا عاما في اسرائيل. مع ذلك، فان التعليمات الجديدة تشير الى عدة ظواهر وأحداث من الجدير ان تثير اهتمام الاسرائيليين: ـ حكومة اسرائيل تنوي الاستمرار في سياسة الحصار والطوق الداخلي لفترة متواصلة، لذلك فهي تمأسس الآن تقسيم الضفة الى تجمعات سكانية فلسطينية منفصلة عن بعضها البعض. وذلك خلافا لمناشدات المجتمع الدولي بالغاء هذه السياسة، تحديدا من أجل تمكين السلطة الفلسطينية من تنفيذ التزاماتها الامنية ووقف تدهور الاقتصاد الفلسطيني وانعاش القطاع الخاص وخلق أفق سياسي. ـ الرقابة على حركة الفلسطينيين داخل الضفة الغربية جاء لمنع الفلسطينيين غير المسموح لهم بالتنقل من الاقتراب من المستوطنات. وتواصل اسرائيل العمل حسب قاعدة ان تطوير المستوطنات وأمن ورفاهية 200 ألف اسرائيلي في الضفة الغربية (بدون شرقي القدس) يبرر تحويل ثلاثة ملايين فلسطيني الى سكان يحتاجون الى مساعدة اجتماعية مسجونين في مدنهم وقراهم. ويبدو انهم في اسرائيل، وبخلاف البنك الدولي، غير قلقين من امكانية انه على بعد 50 مترا من بيت ايل و200 مترا من معاليه ادوميم يعيش سكان يتفاقم فقرهم ويزداد احباطهم. في نظر البنك الدولي يبدو هذا خطرا أمنيا على الاسرائيليين في المدى البعيد. في حين يبدو هذا للاسرائيليين كرد أمني مناسب. ـ اسلوب تصاريح التنقل التي تصدرها الادارة المدنية قائم منذ عام 1991 وهو يسري على الخروج من المناطق لاسرائيل. والآن توسع وبات يسري على الحركة داخل المناطق الفلسطينية نفسها. والتعليمات الجديدة تؤكد ما ادعاه رجال قانون ومن شكوا في اوسلو سابقا: اسرائيل والجيش لم يكفا أبدا عن كونهما أصحاب السيادة في المناطق. ـ وكصاحبة سيادة في المناطق ينبغي على اسرائيل ان تقلق على رفاهية السكان الفلسطينيين الذين يعيشون هناك. ولكن اسرائيل، تحديدا هنا، تحرص على احترام نص اتفاقات اوسلو الذي يقضي بأن السلطة الفلسطينية هي المسؤولة عن الشؤون المدنية للفلسطينيين: التعليم والصحة وجمع النفايات والخدمات الاجتماعية (وهذه المسؤولية ألقيت على السلطة من منطلق الفهم بأنها ستحصل على صلاحيات لتطوير الاقتصاد الفلسطيني ـ التطوير الذي يحتاج الى سيطرة على الارض). واليوم، ومثل سنوات مسيرة اوسلو، يقتنع الاسرائيليون انهم معفون من المسؤولية عن السكان الفلسطينيين. السيطرة على الارض الفلسطينية ـ نعم، القلق على السكان (وضمان قدرتهم على تطوير اقتصادهم) ـ لا. ـ مجموعة الدول المانحة تجندت من اجل منع كارثة انسانية ومحاولة عرض سبل للمواجهة وانعاش الاقتصاد الفلسطيني، ثمة مئات الملايين من الدولارات وصلت في العامين الاخيرين الى المناطق. أي ان: المجتمع الدولي يحل محل صاحب السيادة الأعلى (اسرائيل) في القلق على السكان المدنيين الفلسطينيين. ـ الدول المانحة وافقت على دعم مالي للفلسطينيين من منطلق الايمان بفرص المسيرة السياسية واحلال السلام في المنطقة، ورغم انتقادها لسياسة الاغلاق الا ان الدول الاوروبية والعربية لا تملك القوة للضغط السياسي على اسرائيل خاصة بسبب الدعم الامريكي الشامل لها. وهكذا تجد هذه الدول نفسها تمول، بغير ارادتها، تطور نظام من نوع جديد في المناطق: كانتونات فلسطينية منفصلة عن بعضها البعض مع ادارة ذاتية محدودة. عميرة هاس عن «هآرتس»