لا يزال روبرت مالي وحسين أغا، حسبما يوضح مقالهما المنشور في «نيويورك ريفيو اوف بوكس» في مستهل يونيو الحالي بعيدين عن ادراك جلية ما يتعلق بقمة كامب ديفيد الثانية، او انهما يتظاهران بذلك والامر حقاً بسيط للغاية، فقد وضع ايهود باراك وبيل كلينتون على المائدة خلال الفترة من يوليو الى ديسمبر 2000 حلاً وسطاً تاريخياً قام الفلسطينيون برفضه وهما يسلمان بأن العرض الذي تقدم به باراك في كامب ديفيد كان عرضاً «لم يسبق له مثيل» وان المقترحات المحسنة (التي تقدم بها كلينتون) قدمت للفلسطينيين ما يتراوح بين 94 الى 96% من الضفة الغربية و100% من قطاع غزة ودولة فلسطينية ذات سيادة وانهاء الاحتلال وإزالة معظم المستوطنات والسيادة على القدس الشرقية العربية، وقد واصل عرفات ومساعدوه رفض الصفقة، ومضوا قدماً بهجومهم الارهابي. مع ذلك فإن مالي وأغا يواصلان، على الصعيد العملي، يلومان اسرائيل على التردي الى الحرب بينما هي تطلق « ستاراً دخانياً» بحسب تعبير باراك من التعقيد والتفاصيل الصغيرة المضللة التي تستهدف تخليص رجلها من ورطته ويتخلل ردهما تلك الرؤية الفلسطينية للعالم، التي قوامها ان احداً آخر يقع على كاهله اللوم على ما اصاب الفلسطينيين من محن، وهذا الطرف قد يكون الاتراك العثمانيين، مسئولي الانتداب البريطاني، الصهاينة، الاميركيين، اي طرف ما عدا الفلسطينيين انفسهم. يتحدث مالي وأغا، في غمار محاولتهما التأكيد على البراءة الدائمة للفلسطينيين وكونهم الضحية عن «نكبة 2002» في الوقت نفسه الذي يتحدثان عن «نكبة 1948» ولكن كيف يمكن لأي شخص لديه الحد الادنى من الرؤية التاريخية ان يقارن ما حدث في 1948 من تمزيق ونفي لمجتمع بكامله مصحوبا بمصرع الألوف من الاشخاص والدمار الشامل للمئات من القرى بمصرع مئتين او ثلاثمئة شخص، معظمهم من المسلحين الفلسطينيين ودمار بضع دزينات من المنازل في «عملية السور الواقي» التي قام بها جيش الدفاع الاسرائيلي، رداً على قيام الاستشهاديين الفلسطينيين بقتل مئة من المدنيين الاسرائيليين خلال الاسبوع السابق على تلك العملية؟ ان الرد على هذا السؤال يكمن في عالم الخيال الفانتازي او الدعاية، ومن سوء الطالع ان الكثير مما كتبه مالي وأغا ينتمي الى احدى هاتين الفئتين، فهما يتحدثان عن «هجمات اسرائيل التي وقعت خلال الاشهر القليلة الماضية» بلا تمييز. اننا نخاطر بالقول انه ما من مؤسسة عسكرية قدر لها ان تكون اكثر تمييزاً، وان تتكبد كل هذا العناء لتجنب ايقاع خسائر في صفوف المدنيين. وكانت هناك اعداد محدودة من الخسائر المدنية الأصلية (على الرغم من الجهود الفلسطينية لزيادة الأعداد بجثث مستعارة، مضاعفة جداول الخسائر مثنى وثلاث، ادراج جثث المسلحين وسط الضحايا المدنيين... الخ وعلى الرغم من الحقيقة القائلة ان المسلحين كانوا، كما في مخيم جنين، في قلب ومن وراء «درع» مدني)، وفي وقت لاحق خلصت منظمة هيومان رايتس ووتش وغيرها من المنظمات المماثلة الى انه ليست هناك براهين على ان جيش الدفاع الاسرائيلي قد «ذبح» احداً في مخيم جنين. حقاً ان «المذابح دونما تمييز» الوحيدة التي وقعت في الاشهر القليلة الماضية هي تلك التي تعرض لها كبار السن والاطفال والنساء من الاسرائيليين على يد الاستشهاديين الفلسطينيين، الذين كان الكثيرون منهم ينتمون الى منظمة فتح التي يقودها عرفات، في المقاهي ومراكز التسوق والحافلات لكن اجهزة الاعلام الاوروبية تستمر في تصديق المبالغة الفلسطينية التي لا نهاية لها في الكذب وان الاستقامة السياسية وكذلك المصالح الاقتصادية المتنوعة ومعاداة السامية تملي انه ما من شعب ينتمي الى العالم الثالث يمكن ان يخطئ وما من شعب ينتمي الى العالم الاول يمكن ان يكون على حق. فيما يتعلق بكامب ديفيد والمفاوضات التي اعقبتها، يتعين على القراء ان يلاحظوا ان مالي واغا يشيران على الدوام الى ما قاله «مفاوضو عرفات» او ما قبلوا به او ما اقترحوه، وانهما لم يتحدثا قط عن وجهات نظر عرفات او اعماله خاصة. وهذا ليس بالمصادفة ولم يأت اتفاقاً، فعرفات نفسه لم يؤكد قط حق اسرائيل في الوجود او شرعيتها، ولم يتخل قط عن «حق العودة» للاجئين الفلسطينيين وما «يعرضه» او «يقبله» مساعدوه يمكن على الدوام لعرفات ان ينكره او يفنده وهذه هي طريقة عرفات، ومالي وأغا يدخلان اللعبة بقوة واندفاع، بينما يتظاهران امام قرائهما بأن ما قاله «مفاوضو عرفات» او فعلوه يحمل تفويض الزعيم الفلسطيني، وقد نسيا فيما يبدو انهما في مقالهما الاصل المنشور في «نيويورك ريفيو اوف بوكس» في 9 اغسطس 2001 تحت عنوان «تراجيديا اخطاء اسمها كامب ديفيد» قد قالا ان «ان اخفاق الفلسطينيين الرئيسي هو انهم منذ قمة كامب ديفيد فصاعدا عجزوا عن الموافقة على الافكار الاميركية او ان يطرحوا افكاراً مقابلة، متماسكة ومحددة من عندهم». ولهذا خرج كلينتون من القاعة «مرعدا» وقال: «هذه خديعة انني لن اجعل الولايات المتحدة تغطي مفاوضات لا تجري بنية خالصة»، ذلك ان الفلسطينيين مضوا «يجتازون الخطوات بدلاً من ان ينطلقوا نحو ابرام صفقة» كما يقول مالي وأغا عقب ذلك. ومالي وأغا الجديدان يعكفان الآن على التمويه على هذا، فهما الآن يقولان ان عرفات لم يرفض المقترحات التي تقدم بها كلينتون في 23 ديسمبر 2000 وانما هو فحسب «أخذ وقته» في الرد وكل من باراك والفلسطينيين ارادوا «التفاوض» على المقاييس حسبما يقولان وهذه السيمترية الناعمة الزائفة هي من خصائص مالي وأغا الدالة، وهما لا يبلغان قراءهما بأن مجلس الوزراء الاسرائيلي قد قبل فورا ورسمياً المقاييس الاميركية كأساس للتفاوض وان عرفات من ناحية اخرى وبحسب ما قال كل من كلينتون ودنيس روس قد رفض المقاييس كلية وأوصد الباب في وجهها. وتقدم مسألة «حق العودة» مثالاً جيداً لازدواجية الحديث الفلسطيني، فجميع المتحدثين الفلسطينيين، بمن فيهم عرفات وابو العلاء، يؤكدون «حق العودة» غير المنقوص والذي لا تحفظات عليه في العودة الى اسرائيل الكبرى من جانب لاجئي 1948 ونسلهم، الذين يقترب عددهم الآن حسبما هو مدرج في قوائم الامم المتحدة من اربعة ملايين نسمة، وهم عندما يتحدثون باللغة الغربية يؤكدون لأبناء جلدتهم ـ في مخيمات لبنان والاردن وغزة للاجئين الفلسطينيين ـ انهم سيعودون لدى «فتح القدس» (وهو رمز للوقت الذي سيتم فيه القضاء على اسرائيل)، ولكن عندما يولون وجوههم شطر الغرب، فإنهم يؤكدون ان «تنفيذ» ذلك الحق سوف «يأخذ في الاعتبار مخاوف اسرائيل الديموغرافية» ويمضي مالي وأغا خطوة ابعد فيقرران انه ليس هناك موقف فلسطيني حول الكيفية التي ينبغي بها ان تعالج مسألة اللاجئين كأمر عملي «وان الجميع» يقر بأنه لا يمكن ان تكون هناك عودة «كاسحة» حقاً؟ ان «جميع» الفلسطينيين والاسرائيليين يدركون ان التنازل من حيث المبدأ سيقتضي جهداً تدريجياً عند التنفيذ الكامل، في حياة هذا الجيل او الذي يليه، مما يؤذن بفوضى شاملة وتخريب للدولة اليهودية واحلال «فلسطين» ذات أغلبية عربية محلها لتكون الدولة العربية الثالثة والعشرين والمطالبة بحق العودة هو بأعمق المعاني آلية ديموغرافية لتحقيق القضاء على اسرائيل حسب تعبير باراك وهذا الجانب لا يثير انزعاج مالي وأغا كثيراً، حيث (بسذاجة؟ بخبث) يهيبان بقرائهما الا يكترثوا كثيراً بمسألة ما اذا كانت القيادة الفلسطينية تعترف بحق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية ولكن هذا على وجه اليقين هو جوهر المشكلة، اي رغبة القيادة الفلسطينية في القضاء على الدولة اليهودية في نهاية المطاف. ويشكل أصل العنف الراهن نموذجاً آخر يضرب في هذا الصدد فمالي وأغا بعد ان يسوقا بعض الحجج يتركان قراءهما بانطباع واضح قوامه ان زيارة شارون للحرم الشريف هي ما ادى الى اندلاع الانتفاضة لكن المخابرات الاسرائيلية (والسي.آي.ايه) بحسب ما يقول باراك، لديها ادلة قوية على ان السلطة الفلسطينية كانت قد خططت للانتفاضة بالفعل في يوليو 2000 وعلى سبيل المثال فإنه في مارس 2001 ابلغ عماد الفالوجي وزير الاتصالات بالسلطة الفلسطينية سكان مخيم عين الحلوة قرب صيدا بالجنوب اللبناني بقوله: «ان كل من يعتقد ان الانتفاضة قد اندلعت بسبب زيارة شارون الوضيعة للمسجد الاقصى مخطئ، وحتى لو كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير الفلسطيني، فإن الانتفاضة تم التخطيط لها من قبل، منذ عودة الرئيس عرفات من مفاوضات كامب ديفيد، حيث قلب المائدة على الرئيس كلينتون: (السفير» البيروتية ـ 3 مارس 2001) وقد وصف باراك عرفات و«بعض اعضاء معيته (وإن لم يكونوا كلهم) بأنهم «كذابون محترفون». ان اوراق اعتماد عرفات ككذاب محترف هي اوراق هائلة وحاشدة على الرغم من احتجاج مالي وأغا، ولنأخذ على سبيل المثال المقابلة التي اجرتها معه احدى الصحف الخليجية في 6 فبراير 2002 والتي يلقي فيها اللوم على جهاز الأمن الاسرائيلي الداخلي المعروف باسم «الشين بيت» في تنفيذ عمليات انتحارية ضد الجنود والمدنيين الاسرائيليين، الهجوم على ملهى الدولفين الليلي في 2001 والذي لقي فيه حوالي 21 شاباً اسرائيلياً مصرعهم، حيث ألقى مسئولية هذا الهجوم على جندي في جيش الدفاع الاسرائيلي. وعرفات يحدث بصورة روتينية كل من يكترث بالاصغاء اليه بأن القوات الاسرائيلية تستخدم «الغاز السام» و«المواد المشعة» ضد المدنيين الفلسطينيين. وعرفات يؤكد عادة للجمهور الغربي اهتمامه بالسلام او بـ «سلام الشجعان» (هل هذا فريق كرة بيسبول فلسطيني؟) على حد تعبيره. اما بالنسبة للجمهور العربي فإنه لا يتحدث الا عن المعركة وعن رفع العلم الفلسطيني على أسوار القدس (على نحو ما فعل صلاح الدين الأيوبي بعد ان أوقع الهزيمة بالصليبيين في 1189 ميلادية) وعن التضحية بمليون شهيد من اجل «تحرير فلسطين». وفي 10 مايو 1994 أبلغ جمهورا من المسلمين في جوهانسبرغ بأنه دخل عملية سلام أوسلو مثلما عقد الرسول هدنة مع قريش، وقال عرفات في ذلك الخطاب انه لا وجود لـ «دولة اسرائيل دائمة» فلا وجود الا لـ «دولة فلسطين دائمة». ومن الجدير بالملاحظة ان مالي وأغا يخلصان الى اقتراح تسوية تقوم على أساس «دولة فلسطينية ذات سيادة، منزوعة السلاح، تقوم على اساس خطوط 1967 مع تبادل متساو للأرض لاستيعاب الحقائق الواقعية السكانية» وعودة اللاجئين الى المنطقة التي تصبح الدولة الفلسطينية ولكن هذا هو على وجه الدقة تقريباً ما اقترحه كلينتون وباراك في عام 2000 وما رفضه عرفات بعنف. لقد آن اوان قيام العالم بالحكم على عرفات من خلال ما يفعله وليس من خلال الخطاب الدفاعي المقنع الذي يطرحه على لسان مجادلين محترفين. حسبما يقول باراك، وهو يشير الى عرفات والرئيس العراقي باعتبارهما ثنائي عام 1991 الغريب الذي يعود الآن من جديد لجولة اخرى مع مساعدة الرئيس العراقي في تصعيد الصراع الحالي بدعوة العالم العربي للمشاركة فيه وبدفع مبالغ كبيرة لعائلات الانتحاريين الفلسطينيين. لقد آن الاوان لقيام العالم الذي تعامل في البداية مع الرئيس العراقي والرئيس الصربي باعتبارهما مقبولين ومسئولين لكي يعامل عرفات ومن على شاكلته في المعسكر الفلسطيني باعتبارهم الفاسدين والنزاعين الى الاجراء الخبثاء وغير الجديرين بالثقة والقبول وهو ما هم عليه بالفعل. بقلم: ايهود باراك وبيني موريس، ترجمة: كامل يوسف حسين عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»