يعتبر المخرج السوري هيثم حقي من المخرجين الكبار في مجال الدراما السورية خاصة وانه قدم خلال السنوات الماضية العديد من الأعمال المهمة والمسلسلات التي نالت النجاح الكبير على مستوى الوطن العربي، مثل «خان الحرير» بجزأيه الأول والثاني و«الثريا» و«هجرة القلوب الى القلوب» و«سيرة آل الجلالي» و«الأيام المتمردة» وأخيراً «قوس قزح» ومسلسل «ردم الأساطير» أو «أقبية الموت» الذي انتهى تصويره مؤخرا. هيثم حقي المخرج الذي ينتمي الى المدرسة الاخراجية المهتمة بالمضمون الفكري والابداعي للأعمال الدرامية في هذا الحوار الخاص يتحدث عن أعماله ومسلسلاته الناجحة وعن خلافه القديم مع نجدت أنزور وآخر مشاريعه وأحلامه. ـ من المعروف انك من رواد المدرسة الواقعية في الاخراج، فهل يمكننا القول انك مازلت مقتنعاً بهذه المدرسة في ظل نجاح لغة الصورة اخراجياً وعلى مستوى عال وفي التلفزيون خاصة؟ ـ أود أولاً ان أشرح معنى المدرسة الواقعية في الاخراج والتي أشرت اليها في حديثك، خاصة وان الجميع يتحدث عن لغة الصورة على حساب المضمون، وهذا أمر خطير بلاشك.. لأنه لا يمكن الحديث عن صورة سواء تلفزيونية أو اخراجية دون وجود مضمون أو فكرة أساسية تستند اليها هذه الصورة وهذا الأمر ينطبق بشكل كبير على الدراما، فلا يمكن الحديث عن صورة ملفتة وأخاذة في التلفزيون دون ان نقول انها أوصلت فكرة معينة أو هدفاً محدداً. ـ لكن نجدت أنزور استطاع الوصول الى نموذج الصورة الملفتة اخراجياً؟ ـ أنا لست ضد تجربة الاستاذ نجدت بأي شكل من الأشكال فهو مخرج مجتهد وموهوب وفي النهاية أتحدث عن مفهوم الواقعية في الاخراج، أي عدم تحميل الصورة ما لا تستحقه أو بعبارة اخرى فوق طاقتها، هذه مسألة اعتقد ان الجميع يشاركني الرأي فيها لأن النتيجة ستكون حينها سلبية للغاية وقد تنحو نحو المبالغة والافتعال البصري اللامبرر. ـ لكنك لم تجب عن سؤالي حول خلافك مع نجدت أنزور؟ ـ هذا خلاف قديم وقد انتهى في حينه، لكن لم يكن خلافاً شخصياً وإنما خلاف في وجهات النظر الفنية، فقد كنت ومازلت ضد الأسلوب الفني والدرامي الذي يقدمه والبعيد كل البعد عن الواقعية وهنا أخص حكايات «الجوارح» و«الكواسر» و«البواسل» وغيرها من الأعمال التي اصطلح على تسميتها خطأ بالفانتازيا مع انها مجرد حكاية لا تنتمي لا الى زمان ولا مكان محدد بالأساس. وأعتقد انني قلت في العديد من الحوارات السابقة انني قدمت هذا الأسلوب لأول مرة عام 1986 عبر مسلسل «غضب الصحراء» للكاتب هاني السعدي بعدها قدم محمد عزيزية مسلسل «البركان» وفق النسق والمنهج الدرامي نفسه، لكن كانت هناك حكاية تستند الى حدث ما وهو الرومان والعرب وهذا بحد ذاته تحديد للزمان والمكان وبذلك تنتفي عنها صفة الفانتازيا التي هي أقرب الى الخيال والاساطير وحكايات ألف ليلة وليلة. ـ اليوم كيف ترى مد هذا اللون الدرامي؟ ـ كما لاحظ الجميع بدأ هذا اللون الدرامي بالانحسار تدريجياً وهذا لا يشكل شيئاً جيداً أو سيئاً لأنه في النهاية نوع درامي فرض نفسه الى جانب الانواع الدرامية الاخرى والجمهور تقبل متابعته بشكل أو بآخر لكن تبقى هناك تساؤلات عديدة حول الأسباب التي جعلت هذا اللون الدرامي ينتشر بشكل جيد ويغزو الفضائيات العربية حتى ان بعض المخرجين حاول تكريس هذا الاتجاه في الدراما السورية لاستثمار هذا النجاح وهذه المتابعة العربية. ـ ما السبب في رأيك؟ ـ أعتقد ان الجمهور كان بحاجة الى شكل فني جديد يرى فيه ما لم يكن يراه في الأعمال الدرامية العربية الاخرى، فقد انتشر هذا النمط الجديد مع بداية التسعينيات من القرن الماضي أي مع بداية انتشار الدراما السورية على المستوى العربي واقبال الفضائيات العربية على ذلك ثم يجب ألا ننسى ان ما اصطلح على تسميته بالفانتازيا التاريخية استطاعت التخلص تدريجياً من مشكلة الرقابة العربية التي كانت متفاوتة الدرجات بين محطة عربية وأخرى فجاءت هذه النوعية لتريح المشاهد والرقيب والمحطة الفضائية بالنهاية وتوفر هامشاً كبيراً من الحرية لدى الكاتب والمخرج والمنتج الذي راقت له هذه اللعبة الدرامية الجديدة. ـ هل هذا يعني ان بقية الانواع الاخرى لم تكن مع الرقابة العربية في حالة تصالح؟ ـ لو جئت للحقيقة تجد ان هذا الأمر متفاوت الدرجات، ففي الأعمال الكوميدية لم يكن هناك أي وجود للرقابة العربية وان الفضائيات العربية مازالت حتى اليوم تحفل وتحتفل بعشرات الأعمال التي من الخطأ تسميتها بالكوميدية وإنما من الأفضل القول عنها انها أعمال تهريج ومبالغة مقيتة تسيء الى الذوق العام والذوق الفني. وأنا هنا لا أريد ان أحدد أسماء أعمال درامية كوميدية سورية أو عربية حتى لا أتهم بالحديث عنها بسوء لكنني أترك الحكم للقاريء والمتابع لهذه الأعمال. ومن جهة اخرى، نجد ان الرقابة تعاملت بشكل مختلف مع الاعمال الدرامية التي تأخذ من الاحداث التاريخية مادتها الأساسية وخاصة في المسلسلات والأعمال التي تقرب من الفترة المعاصرة. وهنا لابد من الاشارة كمثال على ذلك مسلسل «خان الحرير» الذي لم يعرض إلا على عدد محدد من المحطات الفضائية، والسبب ان بعض هذه المحطات الفضائية لم تفضل عرض هذا العمل بهذا الطرح السياسي المباشر والشيء نفسه بالنسبة للجزء الثاني من مسلسل «اخوة التراب» الذي احتجت عليه الحكومة التركية في حينه والعديد من الأعمال التاريخية التي لم تعرض بشكل جيد للسبب نفسه. ـ هل هو خوف من مضامينها الفكرية والتاريخية؟ ـ ربما، لكن هذا في النهاية ليس مبرراً لعدم عرضها خاصة في عصر الفضائيات المفتوحة والتي يستطيع من خلالها المشاهد العربي من المحيط الى الخليج وفي كافة انحاء العالم متابعة ما يراه ويرغب به من محطات وبرامج وأعمال.. لكن هذا المنع في عرض هذه الأعمال يقلص من الناحية العملية والانتاجية تكرار انتاج أعمال تشبهها وتحمل المضامين والافكار نفسها، فالمنتج أو الجهة الانتاجية والتي تعرف سلفاً ان هذه النوعية من الأعمال لن تسوّق بشكل جيد كبقية الأعمال الأخرى الدرامية.. فمن المؤكد انها ستتردد كثيراً في انتاجها مرة اخرى وقس الشيء نفسه على الأعمال الجادة والوطنية التي تقدم في مناسبات محدودة. ـ في الفترة الأخيرة لاحظنا ظاهرة الأعمال المتصلة ـ المنفصلة مثل «الفصول الأربعة»، «قوس قزح»، «عائلتي وأنا» وغيرها من الأعمال.. فهل أنت مع هذه الظاهرة؟ ـ بالتأكيد، فقد أحببت منذ البداية هذه النوعية من الأعمال وكان أن قدمت السنة الماضية مسلسل «قوس قزح» الذي كان يتناول يوميات أسرة بسيطة الحال مؤلفة من أب موظف وأم ربة منزل ولديهما أولادهما المعيد في الجامعة والطبيب الجراح والميكانيكي والفتاة في الجامعة والمرأة المطلقة، ففي «قوس قزح» هناك توليفة اجتماعية لطيفة واقعية. والشيء نفسه بالنسبة لمسلسل «الفصول الأربعة» و«مذكرات عائلة» و«عائلتي وأنا» وغيرها من الأعمال، وأعتقد ان هذا النوع الدرامي قريب الى نمط الحياة المتسارعة فقد لا يستطيع الكثير من المشاهدين متابعة المسلسل من ثلاثين حلقة كاملة وذلك لظروف عملهم وارتباطاتهم المختلفة في حين ان نوعية الأعمال متصلة الفكرة والموضوع، منفصلة الحلقات تقدم المتعة والفائدة وفي الوقت نفسه الفرصة للجلوس ساعة واحدة ومتابعة قصة كاملة. ـ ما رأيك بمن ينتقد ظاهرة الممثلين المخرجين التي بدأت تظهر في الدراما السورية؟ ـ أنا لست ضد هذه الظاهرة ولا أقول هذا الكلام من منطلق دفاعي عن الدراما السورية بشكل عام، وهؤلاء المخرجين الجدد بشكل خاص، لكنني أتحدث من وجهة نظر منطقية وهي اننا نحتاج دائماً في العمل الفني الى وجوه وكوادر فنية جديدة بمعنى الدماء الجديدة التي تغني الجهود الفنية المتابعة في هذا الاتجاه. وبالنسبة للدراما السورية لدينا المعهد العالي للفنون المسرحية والذي بدأ يرفد الحركة الدرامية الفنية منذ عام 1981 بكوادر ومواهب مؤهلة ومثقفة، لكن حتى الآن لا يوجد في سوريا معهد متخصص للاخراج أو التقنيات الفنية وأغلب مخرجي الدراما السورية حاليا هم من خريجي دول أجنبية مختلفة والذين عملوا في هذا المجال بهمة ونشاط وقد شاركهم في ذلك الفنيون ومساعدو المخرج والمصورون ومن أن تفرز الحالة الدرامية الحالية الحاجة الى مخرجين جدد الذين سيقدمون دفعاً للدراما الوطنية. وبالنسبة لظاهرة الممثلين ـ المخرجين الذين تتحدث عنهم هناك حاتم علي والليث حجو وعارف الطويل وسيف سبيعي وعباس النوري وغيرهم كلهم عملوا لسنوات طويلة في هذا المجال ويمتلكون الموهبة والقدرة على النجاح في هذا المجال، فمثلاً الليث حجو عمل معي لسنوات طويلة كمخرج منفذ ومساعد مخرج في العديد من أعمالي حتى قدم مؤخرا مسلسله «بقعة ضوء» ويستعد حالياً لتقديم عمله الثاني، كذلك الأمر بالنسبة للفنان سيف سبيعي الذي عمل معي في «سيرة آل الجلالي» و«قوس قزح» و«الأيام المتمردة» وحاليا في «ردم الأساطير» حيث يستعد لتقديم عمله الاخراجي الأول. وكذلك الأمر بالنسبة لحاتم علي الذي بدأ حياته كممثل ومازال يشارك في العديد من الاعمال الناجحة في هذا الاطار كما كتب العديد من السيناريوهات كمسلسل «القلاع» وبدأ مسيرته في الاخراج بتقديم سهرة تلفزيونية لمدة ساعة ثم قدم بعدها رؤيته الاخراجية في مسلسلات لاقت النجاح كسلسلة «مرايا» و«سفر» و«الفصول الاربعة» و«عائلتي وأنا» و«الزير سالم» و«صلاح الدين الأيوبي» وغيرها من الأعمال الأخرى.. لذلك أقول لمن ينتقد هذه الظاهرة ـ إن جاز لنا تسميتها بذلك ـ أن ينظروا الى النتائج التي سيقدمها هؤلاء ومن بعدها لنا الحكم كمشاهدين وفنانين وناقدين لأن في الفن لا توجد حلول جاهزة وكما تفيد الدراسة الاكاديمية التخصصية فإن الموهبة والممارسة العملية تقدم نتائج جيدة في هذا الاطار. ـ أخيراً ماذا تود القول عن مسلسل «ردم الاساطير» الذي انتهيت مؤخراً من تصويره؟ ـ نحن الآن في مرحلة المونتاج وقريباً سيرى هذا العمل النور إن شاء الله وهو من تأليف الكاتب عبدالرحمن ضحاك ويتناول فترة من تاريخ سوريا ولبنان حيث تدور أحداثه ما بين عامي 1982 ـ 1984 في فترة الاجتياح الاسرائيلي للبنان بالتزامن مع الحملة الصهيونية لتشويه صورة المكتشفات الأثرية التي جرت في مملكة إيبلا في الفترة نفسها. العمل بالمحصلة بوليسي اجتماعي يعتمد على هذه الحبكة، يشارك فيه نخبة من النجوم من سوريا ولبنان وهو عمل أتمنى أن يتابعه المشاهدون العرب بكثير من الهدوء والتمعن لأنه فعلاً يستحق هذه النوعية من المتابعة. دمشق ـ «البيان»