بيان الكتب: ينطلق الباحث الدكتور حسين الصديق في كتابه «الانسان والسلطة» من رؤية واضحة الى الانسان كمفهوم في الفكر الاسلامي، باعتبار ان الانسان هو ابن زمان ووجود حقيقته مرتبط به ثم يناقش ما اصاب الوعي العربي في القرن العشرين من تزييف وتغريب عندما قدمت له ثقافة بديلة هي الثقافة الغربية ساهمت السلطات السياسية العربية في تعزيزها من خلال تبني انظمة كونية غريبة عن المجتمع. ويذهب الباحث الى ان خروج الامة مما هي فيه من ضياع يتمثل في بناء الانسان وتوفير الوسط الفاضل الذي يساعده في استعادة الثقة بنفسه بعد معرفة هويته. استهل الباحث الكتاب بمدخل نظري تناول فيه العلاقة بين السياسة والثقافة اذ ان من يملك السلطة السياسية يدخل في صراع مع منافسيه وهو بحاجة الى نوع من المعارف التي تساعده في صراع مع منافسيه حيث تمنح هذه المعارف السلطة السياسية نوعا من الشرعية التي يقبل بها المجتمع. وكما ان اشكال السلطة تتعدد وتختلف فان الذين يملكون المعرفة تتعدد اشكالها المعرفية وتختلف وبالتالي تتنوع مواقفهم من هذه السلطة بين رفض لها او استجابة وحيادية. لقد حسمت قضية الصراع في المجتمعات الغربية والامريكية واصبح الاهتمام منصبا على آلية انتقال السلطة وممارستها لكن الباحث يرى ان المشكلة الأساسية تكمن في السؤال عن مصدر السلطة اذ ان لا سلطة لانسان على اخر الا بدليل يمكنه من ذلك وقد كان هذا الدليل دينيا في البداية عند كل المجتمعات. ويدرس الباحث العلاقة بين الهوية والثقافة انطلاقا من ان هوية المجتمع تحددها ثقافته لان هناك علاقة جدلية بين ثقافة الفرد وثقافة المجتمع وعلاقة جدلية اخرى بين هوية الفرد وهوية المجتمع ثم يبحث في العلاقة بين الثقافة العالمة والثقافة غير العالمة مبينا ان الثقافة العربية العالمة في انحسار وتجميد تعيش على رفوف المكتبات وفي المخطوطات. وفي تحديده للاسس والمفاهيم المستخدمة في الدراسة يتناول مصطلحات النظام الكوني والنظام الانساني، والسلطة السياسية والثقافية ينتقل بعدها لدراسة العلاقة بين السلطة والثقافة في الفصل الاول من خلال دراسة اشكالية العلاقة واصولها الاشكالية فكما ان العلاقة بين السلطة والمثقف تعود في اصولها الى هذين المصطلحين فان اصولهما تعود الى اسس دينية واجتماعية وسياسية وعليه فان هذه العلاقة في الحضارة العربية الاسلامية تعود في اصولها الى العقيدة الاسلامية نفسها ولذلك يعود الباحث الى المرجعيات الاسلامية ليتقصى معناها كما جاءت عند ابو موسى الاشعري الذي اكد على اولية مسألة الامامة التي شغلت المسلمين مباشرة بعد وفاة الرسول «ص» وقد ظل الخلاف حولها سائدا حتى تأسيس الدولة الاموية. ان مفهوم الخلافة عند المسلمين كان موضع خلاف بين علماء المسلمين وتياراتهم فهو عند الخوارج غيره عند الشيعة او اهل السنة والجماعة اما فيما يخص العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية في الدولة الاسلامية فان جميع الباحثين المسلمين وخاصة في العصر الحالي اتخذوا من عصر الرسول «ص» والخلفاء الراشدين نموذجا لهم يقتدون به. ويقدم الباحث شاهدين على العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية هي العلاقة بين سيف الدولة الحمداني والفارابي والعلاقة بين عضد الدولة البويهي وابن الباقلاني. القسم الثاني من الكتاب يبحث في مفهوم الانسان في الفكر العربي الاسلامي ويحاول من خلال ذلك ان يقدم مشروع إعادة تقييم الهوية العربية مستنداً فيها على قاعدة ان العودة الى التراث لاستنباط مفهوم الانسان هي نوع من العبث والترف الفكري ولهذا فان الدراسة في هذا الكتاب عندما تعود الى الماضي تتطلع الى الحاضر والمستقبل لاكتشاف مصادر القوى لدى الانسان العربي المعاصر اذ ان الانسان يعيش بين ازمنة ثلاثة هي الماضي والحاضر والمستقبل. ان الثقافة الاجتماعية هي امتداد تاريخي لثقافة الأمة ببعديها الثقافة العالمة والثقافة غير العالمة والانسان في تبنيه للمواقف اليومية هو عبد للوجودين المادي والثقافي الاجتماعي ويكون تحرره من هذه العبودية بالعقل المرتكز الى مرجعية ثابتة ولذلك يرتكز المؤلف في بحثه الى العقيدة الاسلامية ممثلة بالقرآن او السنة اذ يسعى الى استنباط مفهوم الانسان فيهما ثم يتناول مرجعات الفكر العربي الاسلامي كما تجلت عند ابو حيان التوحيدي وابن سينا وابن عربي. وفي الختام يؤكد الباحث الصديق ان مفهوم الانسان في هذا الفكر لا يشكل المفهوم النهائي والكامل اذ لابد من تناول نماذج اخرى من المفكرين العرب فالانسانية هي نموذج من الكمال الانساني الذي يشكل نظاما اخلاقيا عند الاخلاقيين والفلاسفة والادباء الا العلاقة بين السلطة السياسية ومفهوم الانسان هي علاقة جدلية وهي تعاني من ازمة حادة تنجم عنها اشكاليات كثيرة وازمات مختلفة الامر الذي يجعل الباحث يركز على الدعوة الى بذل المزيد من الحوارات والدراسات حول واقع العرب المعاصر. شفيق سليمان