بيان الكتب: في دراسة نقدية تحاول أن تقدم الخطاب الحقيقي القصصي النسوي السوري بعيداً عن الاحتفالية التي زيفت حقيقته وخدعت المتلقي تقدم الباحثة السورية الدكتورة «ماجدة حمود» كتابها النقدي الجديد «الخطاب القصصي النسوي ـ نماذج من سورية» عبر رحلة غطت نحو خمسين سنة من عمر إبداع المرأة السورية فبدأت مع الرائدات منذ الخمسينيات وانتهت الى التسعينيات فلمست تطورها وأهم انجازاتها. وتشير الباحثة في مقدمة كتابها الجديد أن مصطلح القصة المستخدم في هذه الدراسة يشمل الرواية والقصة القصيرة حيث يلاحظ في الخطاب القصصي النسوي السوري تزامن مع اقبال المرأة على فن الرواية وعلى فن القصة القصيرة وان كنا نلاحظ ان معظم الكاتبات السوريات بدأن حياتهن في كتابة القصة القصيرة لكن الرواية مازالت تشكل طموحاً ابداعياً لكل كاتبة تقريباً. كما يبدو أن أي مصطلح يخص المرأة لابد أن يثير الحساسية والجدل مع أن المقصود من استخدام «النسوية» التعرف على الإبداع الذي تكتبه المرأة وتلمس مدى خصوصيته وبالتالي فإن استخدام هذا المصطلح كفيل بتقديم كلمة واحدة حول النسوية التي تعني ما تكتبه المرأة من أدب. وتؤكد الدكتورة حمود أن مثل هذه الدراسة التي تحاول ان تختص بأدب المرأة تستطيع ان تمنحنا الدقة في الحكم وتلمس مدى الخصوصية النسوية وبالتالي فإن مصطلح النسوية مثل أي مصطلح لا يحمل دلالات تفضيلية وهكذا فإن عزل أدب الرجل عن أدب المرأة تقتضيه الضرورة المنهجية البحتة ولا يعني الانطلاق من رؤية ضيقة عنصرية غايتها التمركز حول الأنوثة هذه الحركة التي شاعت في الغرب وتبنت نظرة أحادية الجانب تغذي العداء بين الجنسين. وتقف الدكتورة ماجدة حمود في الفصل الأول من كتابها الجديد مع رائدات الرواية السورية حيث لم تجد قبل الخمسينيات رواية سورية تتسم بالنضج الفني سواء أكانت لروائيين أم لروائيات لكن من الملاحظ ان الروائي السوري قد حقق سبقا في هذا المجال حيث ظهرت رواية «نهم» لشكيب الجابري في عام 1937 وهذا أمر طبيعي لأن الرواية ابنة الحياة الحديثة والمدنية بكل ما تعنيه من تشابك في العلاقات الاجتماعية ونشوء طبقة وسطى تعنى بالتعليم وتستطيع شراء الكتب لكونها تمتلك وقتاً لمطالعتها ومن المعروف ان الرجل قد بدأ الانغماس في الحياة الحديثة قبل المرأة فبدأ الاحتكاك بالعالم فاتصل بالغرب مبدع الرواية عن طريق الدراسة والسفر. وتلاحظ الدكتورة حمود أن معظم الرائدات في الرواية السورية ينتمين الى الطبقة الغنية «ألفت إدلبي ـ سلمى الحفار الكزبري ـ كوليت خوري».. فقد كانت هذه الطبقة أكثر انفتاحاً من غيرها وأكثر احتكاكاً بالغرب فشجعت تعليم الفتاة، كما كانت ملتحمة بقضايا الوطن السياسية والاجتماعية لهذا يكاد يكون من الصعب أن نجد روائية تنتمي الى طبقة معدمة في تلك الفترة في حين وجدنا روائياً ينتمي اليها كحنا مينا فقد كان ضغط التقاليد والتخلف على المرأة الفقيرة اكثر من الغنية. كما أن المرأة دون الرجل تعرضت لأنواع كثيرة من القهر كحرمانها من التعليم بحجج كثيرة مع أن الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم... وتقدم الدكتورة ماجدة حمود في هذا الفصل دراسة عند معظم رائدات الرواية السورية اللواتي استطعن الحصول على اعمالهن كوداد سكاكيني وسلمى حفار الكزبري وهيام نويلاتي وأم عصام وكوليت خوري وانعام مسالمة مع رصد الرواية النسوية خلال فترة الريادة التي تمتد من عام 1950 حتى عام 1973، متوقفة عند كل كاتبة على حدة لإظهار خصوصية الخطاب الأدبي لديها. من جهة أخرى ترى الباحثة أنه من الطبيعي ان يزداد الانتاج الروائي النسوي في السبعينيات فقد زاد اقبال المرأة على التعليم بمستوياته كافة وانخرطت في الحياة العامة بفضل اقبالها على العمل في شتى المجالات فالتحمت بهموم الوطن والإنسان خاصة وأن معظم الكاتبات اللواتي ظهرن في هذه الفترة عملن في الصحافة حتى أن بعض الكاتبات تشكل الصحافة المصدر الوحيد لرزقهن. ولاشك أن العمل في الصحافة جعل الكاتبة أكثر معايشة للقضايا العامة وربما أكثر وعياً لها وقد أكسب هذا العمل لغتها مرونة وحيوية مستمدة من الممارسة التي تكاد تكون يومية للكاتبة فاقتربت من هموم الناس مما أثر بشكل ايجابي على الإبداع كماً وكيفاً. حيث تعتبر هذه الفترة التي تبدأ من السبعينيات وتستمر الى التسعينيات أكثر نضجاً من المرحلة السابقة ولما كان عدد الروايات التي صدرت في تلك الفترة كبيراً فقد اختارت الباحثة نماذج تغطي هذه الفترة وتبرز تطور الخطاب الروائي النسوي في سوريا من خلال الحديث عن أبرز أصواته كغادة السمان وقمر كيلاني وألفة ادلبي وحميدة نعنع وماري رشو وهيفاء بيطار وأنيسة عبود وحنان أسد. وتخلص الباحثة الى القول ان المتأمل للرواية النسوية السورية منذ الخمسينيات وحتى التسعينيات يلاحظ ان أكثر التقنيات الروائية المستخدمة فيها هي تقنية اليوميات والرسائل حيث يتجلى فيها صوت البطلة ممتزجاً بصوت المؤلفة عبر ضمير المتكلم «أنا» فنعايش لغة البوح والاعتراف بكل حميميتها وعفويتها التي توحي لنا باندماج صوت البطلة بصوت المؤلفة، لهذا بدت هذه الصيغة الأكثر انتشاراً في الرواية النسوية. كما أن ملامح البطلة الأساسية لدى الروائية السورية تحمل الملامح والصفات والمؤهلات الثقافية ذاتها التي تحملها المؤلفة حتى أنها تشاركها الانتماء الحزبي والعمل والحياة والمنفى بعيداً عن الوطن وقد تشاركها معاناتها الاجتماعية كالطلاق مثلاً.. وصحيح ان المؤلفة تختار اسماً للشخصية غير اسمها إذ لم نجد أي كاتبة سورية تجرؤ على منح اسمها لبطلتها رغم التماهي معها، كما فعل الروائي غالب هلسا ونبيل سليمان اذ مازال تعبير المرأة عن ذاتها عبر الأدب محفوفاً بالمخاطر وكثيراً ما توجه اصابع الاتهام نحوها حين تجسد شخصية نسوية تتمرد على الأطر التقليدية فيتم الخلط بين الشخصية الروائية وشخصية المؤلفة. وبذلك ينطلق صوت المؤلفة حراً عبر صوت بطلتها يجسد قهرها كما يجسد أحلامها في تجاوز بؤس واقعها، لهذا كانت شخصية المرأة شخصية محورية ذات سمات نرجسية تعكس احساس المرأة المبدعة بالتميز وهذه النرجسية هي نوع من التعويض عن الاحساس بالغبن والقهر لذلك لن نستغرب ان تصبح نادية «بطلة الكاتبة حميدة نعنع» الأمل في انقاذ امتها العربية اما بطلة انيسة عبود «عليا» فنجدها تختصر كل النساء وتملأ المدينة حضوراً وجمالاً وحياة... وترى الباحثة ان الكاتبة حين تبتعد عن خصوصيتها الذاتية يسقط خطابها الروائي في التعميمات ومتاهات الرموز دون ان تفلح الكاتبة في مد الجسور بين لغة الهم الخاص والهم العام حيث يبدو الفضاء الرمزي فضاء روائياً هشاً على الصعيد الفني. وعن خصوصية المعاناة النسوية تؤكد الدكتورة ماجدة حمود ان العلاقة مع الرجل تأتي في المرتبة الأولى حيث يلاحظ ان العلاقة بين الرجل والمرأة في الرواية النسوية السورية علاقة مشوهة ولا وجود لعلاقة سوية فالكاتبة حين تبدو متعاطفة معه تمنحه صفات انثوية وحين تتوتر علاقتها به تمنحه صفات وحشية. كما تتجلى علاقة الحب في الرواية النسوية عبر لغة القهر اكثر من لغة الفرح حيث حاصرت المرأة الأعراف الاجتماعية وتبنى الرجل النظرة التقليدية بالإضافة الى حصارها الذاتي وترددها بين التوقد للحياة والخوف من عواقب اندفاعها. كذلك استطاعت الرواية النسوية ان تجسد مشاعر الأمومة وجماليتها كما استطاعت ان تجسد حساسية المرأة امام غزو الزمن وانعكاس ذلك على علاقتها مع ذاتها ومع الرجل في حين تشكل اللغة المشهدية التي تتجلى عبرها الشخصية احدى ابرز جماليات التعبير الروائي اذ تلتقط العين مشهدا تصويرياً يحمل بصمات المؤلف الخاصة ويجسد عوالمه ونبض معاناته في كثير من الأحيان. هذا وتخصص الباحثة الدكتورة ماجدة حمود الباب الثاني من كتابها الجديد الخطاب القصصي النسوي نماذج من سوريا للحديث عن القصة القصيرة النسوية السورية حيث تؤكد إقبال المرأة السورية على كتابة فن القصة القصيرة ولعل أول مجموعة قصصية ظهرت هي «مرايا الناس» لوداد سكاكيني في منتصف الاربعينيات حيث لا تحتاج القصة القصيرة للوقت الذي تستغرقه الرواية كذلك سهولة نشرها في المجلات والصحف اليومية. وقد لاحظت الدكتورة حمود ان معظم الرائدات في فن الرواية السورية بدأن الكتابة في فن القصة القصيرة اولاً ثم اتجهن للرواية حيث مازالت هذه الملاحظة تشمل معظم الكاتبات الى اليوم اذ قلما نجد كاتبة بدأت عالم الابداع بفن الرواية او تفرغت له فكأن الابداع الروائي تتويج لابداع الكاتبة الفني وكأن الابداع في القصة القصيرة بداية هذا المشوار حيث يمكن للمتتبع ان يلاحظ ان الخمسينيات أفرزت لنا مجموعات قصصية تتسم بالنضج الفني وقد صاحب هذه الفترة تطور في التعليم وانفتاح على العالم الخارجي وطموح في النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي حيث ظهر الإقبال النسوي على القصة القصيرة مع بداية الستينيات. فيما نشطت الكتابة القصصية مع السبعينيات وزاد الإقبال عليها، كما انتشرت في التسعينيات على الساحة الثقافية العربية. وعن الحداثة في القصة القصيرة النسوية السورية تؤكد الدكتورة ماجدة حمود أنه يلاحظ ندرة النماذج التي تعتمد اسلوب الحداثة الخاصة والخالصة في حين ان معظم القصص اليوم تنحو منحى المزج بين الأسلوب الحداثي والأسلوب التقليدي. ولعل سبب ندرة النماذج الحداثية الخالصة احتياجها لمقدرة لغوية فائقة مقترنة بمقدرة تخييلية الى جانب تطلبها العمق الفكري والروحي لان اللغة الشعرية ليست رموزاً وتجريدات ذهنية وإنما هي خلاصة روح الإنسان وفكره لهذا باتت هذه اللغة السمة الأساسية للحداثة القصصية التي باستطاعتها ان تجسد لنا صوت الأعماق بكل توتراته وانتقالاته الزمنية وكثافة دلالاته لذلك نلاحظ ان هذه اللغة تبدأ من العنوان لتنتهي بالخاتمة في أغلب الأحيان، لكن ثمة معاناة مشتركة بين القصة الحداثية والقصة التقليدية وهي اللغة الفضفاضة التي تفتقد الكثافة اللغوية مع أنها تعد من أبرز سمات القصة القصيرة. وتشير الباحثة في نهاية الكتاب الى أن هذا الأسلوب بدأت تتضح معالمه في القصة النسوية منذ بداية التسعينيات اذ أتاح للكاتبة اطلاق صوت أعماقها بفضل ما تقدمه اللغة الشعرية من امكانات ايحائية وقدرات رمزية حيث يعتبر الشكل التجريبي مفيداً لأنه ساعد الكاتبة في تقديم رؤاها وفي التعبير عن همومنا بشكل أعمق وأجمل مما كان سائداً في القصة التقليدية خاصة حين امتلكت الكاتبة المقدرة اللغوية والعمق الفكري والوجداني. رنا يوسف