تركزت التكهنات الدائرة بشأن الموضوعات التي ستناقشها قمة الناتو المقبلة في براغ المزمع عقدها في نوفمبر المقبل بشكل أساسي على قبول أعضاء جدد من أوروبا الشرقية. وقد ألقى هذا بظلاله على المناقشات التي تقف على قدر الأهمية نفسها والمرتبطة أيضاً بالقمة المتمثلة في عملية تحويل حلف الأطلسي الى حلف يتواكب مع التجارب الحالية والمستقبلية لمعدات وآلات الدفاع.وفي قمة الناتو السابقة التي عقدت في الرابع عشر من مايو في ريكجافيك بايسلندا كان الأمين العام للحلف اللورد روبرتسون واضحاً وصريحاً مرة اخرى في قوله «ان الناتو يجب ان يتغير بشكل جذري إذا كان عليه ان يكون فعالاً.. عليه إما ان يتطور أو يهمش».وكما كان متوقعاً، أجلت تلك القمة الانتقالية الحديث الصعب عن عملية التغيير الى وقت لاحق هذا العام. وقد أشار البيان الختامي للقمة فقط الى انه «يجب على الحلف ان يواصل أقلمة نفسه على الظروف المستجدة وان يكون قادراً بشكل أفضل على أداء مهامه الأمنية الرئيسية ودعم حقه الأمني عبر منطقة اليورو أطلسية». واعترف قادة الناتو ايضاً بأن «هذا سوف يتطلب تطوير قدرات جديدة ومتوازنة من قبل التحالف بما في ذلك القدرات القتالية الحديثة والقيام بعملية تطوير استراتيجية «كل هذه الأمور صحيحة وصادقة للغاية، وعلى الرغم من ان هناك بعض النجاح الذي تم تحقيقه في عملية بلوغ تلك الأهداف، فإن الأمور تسير بشكل بطيء يبعث على الألم وبطريقة لا تنم عن أي تنسيق بين أعضاء التحالف». وإذا أثبتت صحة التكهنات الخاصة بحدوث ضم أعضاء جدد والقيام بتوسع ضخم يضم الدول السبع المرشحة كلها، وهي: بلغاريا، استونيا، لاتفيا، ليتوانيا، رومانيا، سلوفاكيا وسلوفينيا. فإن هذا سوف يثير بعض المضامين المهمة بشأن مستقبل توجه الحلف. فعلى الرغم من كونه منظمة تقوم على الاجماع والتوفيق في الآراء، فإن الناتو لم يكن تحالفاً بين أطراف متكافئة، فإذا أصبحت عملية التوسيع حقيقة واقعة في قمة براغ، فإن الأمر سيكون نتيجة قرار اتخذته الولايات المتحدة بشأن مستقبل الحلف أكثر من كونه قراراً لأعضاء التحالف مجتمعين، علاوة على ذلك، كان للحلف دوما مهمة سياسية حساسة في اطار دوره الأكبر كتحالف عسكري دفاعي. وعندما يتم توسيع حجم العضوية ليشمل معظم دول القارة الأوروبية، فإنه من المحتمل ان يزيد الدور السياسي للناتو بشأن الأمن الأورو ـ أطلسي في الوقت نفسه الذي تنحسر فيه المهام العسكرية للحلف. وبينما لن يسبب الترتيب الجديد للناتو مع روسيا وانضمام أعضاء جدد بالضرورة مشكلات في عملية اتخاذ القرار، فإنه بالقطع لن يؤدي الى ان تصبح عملية الوصول الى اجماع في الآراء أكثر سهولة مما هي عليه الآن. فواشنطن عليها ان تنسى مشاعر الاستياء التي كانت تتملكها اثناء الضربة العسكرية الأولى للناتو على جمهورية الصرب عام 1999، الذي أثر خلالها الاضطراب التخطيطي لقوات التحالف وضعف الأمن العملياتي على تنفيذ الحملة الجوية. وكما أوضحت تجربة افغانستان، فإن دعم الناتو كان مفيداً بشكل أساسي لجهود أميركا على المستوى السياسي. وبينما كانت الاتفاقيات التي كانت بين أميركا وبعض الدول، لاسيما تلك الخاصة باستجلاب قوات خاصة ودعم جوي، تمثل دعماً تكتيكياً مهماً في عملية الحرب ضد طالبان وتنظيم القاعدة، فإنه كان يمكن للبنتاغون ان يقوم بالعملية نفسها. وربما تكون هناك حقيقة أكثر أهمية متمثلة في انه بينما تحملت أميركا تبعات «الحرب على الارهاب» في البلقان وأفغانستان، فإن أحداً من أعضاء الناتو الآخرين، قد تحمل عبء مواصلة عمليات دعم السلام. ومن غير المحتمل أن تقوم واشنطن بالتضحية بمرونة وفعالية العمليات العسكرية في الصراعات المستقبلية، وفي أغلب الظن ستقوم بالتركيز على بناء تحالفات مع «الأطراف التي تريد» التحالف (سواء من اعضاء الناتو أو غيرها) والقادرة على العمل بشكل مؤثر مع القوات الاميركية بدلا من تعبئة تأييد ودعم من دول الناتو من أجل المشاركة في التحالف معها. وبعيداً عن السيناريو الكابوسي الخاص بتحول روسيا الى طرف معاد فإن بعض المحللين يتساءلون ما إذا سيمكن للناتو بعد ذلك ان يدخل أي حرب تحت قيادته المشتركة.وعلى الرغم من حث أميركا المتواصل لحلفائها الأوروبيين لزيادة قدراتهم العسكرية، فإن ادارة بوش يمكن ان تكون قد قبلت واقتنعت بأن احداث نمو حقيقي في ميزانية الدفاع في أوروبا أمر مستبعد الحدوث. لذا فإن قيمة الناتو قد أصبحت متزايدة الأهمية لكونه أحد آليات ادارة الصراع والأمن في اوروبا، وذلك بفضل شموليته. وتُحمل العضوية في الناتو من الأعضاء مسئوليات وتربطهم بنظام يقوم على المباديء الديمقراطية الغربية وتدابير تبنى على الشفافية في ادارة العمليات. وعن طريق انضمام أوروبا الشرقية ودول البلقان فإن الغرب يستطيع ان يؤثر بشكل أفضل على عمليات التنمية السياسية والاقتصادية هناك، وكذلك نضوج وتطور العلاقات المدنية والعسكرية. ولا يعني هذا ان الدور العسكري للناتو سيصبح أمراً من أمور الماضي، ولكنه يعني ان دوره السياسي سيصبح بارزاً.وتلا المناقشات الدائرة بشأن استعداد الدول التي تطمح في الانضمام للناتو من أهميتها الأسئلة الأكثر أهمية الخاصة ببناء مجتمع من الدول (اليوروـ أطلسية). وبالمقارنة مع الدفعة الأولى للأعضاء الجدد الذين انضموا في مدريد، فإن المرشحين الجدد يعتبرون أكثر استعداداً في نواح كثيرة. فوصول «خطة عمل العضوية» يعطي هؤلاء المرشحين خريطة مفصلة بشأن متطلبات الاصلاح والتنظيم والمعدات العسكرية، كذلك فإن هؤلاء المرشحين لديهم فرصة الاستفادة من تجارب الأعضاء الجدد في التحالف وما حدث لهم. وقد قال أحد المصادر المطلعة في الناتو بشأن بلغاريا ورومانيا: «هذان البلدان بالفعل يعلمان أموراً بشأن الناتو أكثر مما ينبغي عليهما علمه بالمقارنة مع الدول التي كانت مرشحة عام 1997».وبالنسبة لكثير من الاعضاء في الناتو، فإن القلق الذي يساورهم بشأن استعداد بعض، أو كل، المرشحين الجدد يعتبر قلقاً حقيقياً. وبالنسبة لهؤلاء الذين يضعون قرارات العضوية، فإن السؤال الذي يطاردهم هو: هل ضم هؤلاء في قمة براغ سيؤدي الى تحسين أم اضافة عبء على مهمة الناتو في حفظ السلام اليورو ـ أطلسي؟ وعلى الرغم من المشكلات الداخلية المتعلقة بالعمليات والتي ستدوم لعدة أعوام، فإن الدول المرشحة قد حققت نجاحاً ملموساً في جهودها نحو الالتزام بالمعايير التي تتطلبها عملية الانضمام. والبعض من تلك الدول مثل رومانيا، لديها تقاليد عسكرية قائمة منذ زمن طويل ولديها بعض التحفظ بشأن ارسال قوات للعمل عندما يتطلب الأمر. وقد شاركت رومانيا في عمليات دعم السلام التي قام بها الناتو وقوات الأمم المتحدة في فترة التسعينيات، وتقوم بتحويل قواتها المسلحة الى قوة أصغر وأكثر احترافاً وتكون أكثر استعداداً للمشاركة في عمليات الناتو.وكما يوضح جوناثان ايال من معهد الخدمات المتحدة الملكي في بريطانيا، فإنه «لو لم يقم الناتو بتوسيع عضويته لتضم الدول التي بالفعل تحتاج الى الأمن، فإنه سيتحول ببطء الى منظمة غير مناسبة، مصممة كي تخوض حرباً لا يرى أحد ان هناك مبرراً لها وترد على مشكلات لم تعد موجودة». إنها المنطقة الجنوبية للناتو هي التي تحتاج بشدة الى تطوير، فبلغاريا ورومانيا سوف تقومان بدعم أمن التحالف منذ بداية انضمامهما، وسوف تقوى عضوية التحالف عندما تتحسن قدرات هاتين الدولتين على مدار العقد المقبل. وعلى نطاق السياسة الطبيعية، وكذلك في ذهن واشنطن، تعتبر المنطقة الجنوبية هي «خط المواجهة» الخاص بالناتو فهي القرن الواحد والعشرين، وكذلك بوابة العبور الى منطقة بحر قزوين. وسوف تشعر تركيا بالراحة عندما تتقاسم اعباء التحالف والحقوق الاميركية الخاصة بوجود قواعد عسكرية لها مع جيرانها من دول البلقان. وتعترف مصادر رفيعة من وزارة الدفاع الاميركية انه من الناحية العسكرية يعتبر انضمام كل من رومانيا وبلغاريا فقط هو الأمر الذي يهم عند توسيع عضوية الحلف. في حين ان انضمام دول البلطيق الثلاث يعتمد على وازع تاريخي وشعور بالذنب متعلق بحرب الناتو الباردة، ولا يعني اضافة أي فوائد دفاعية للحلف إذا لم تتطور العلاقة الأمنية مع روسيا. غير ان الوضع بالنسبة للمنطقة الجنوبية تلك أمر يتم مناقشته لاعتبارات خاصة بالاستقرار العسكري والسياسي للمنطقة اليورو ـ أطلسية. ترجمة: حاتم حسين عن «جينز دفنس ويكلي»