لدى تعامل ايهود باراك مع الفلسطينيين، عقب اخفاقه في الحركة على المسار السوري، احس بالفعل بالضغوط الواقعة عليه من جانب الرأي العام الاسرائيلي، فرفض بشدة مناقشة قضية القدس قبل قمة كامب ديفيد، زاعما ان القيام بذلك كان من شأنه ان «ينسف» احتمالات النجاح. وعلى الرغم من ذلك فان نشاط الاستيطان الذي اعترض عليه كل من الفلسطينيين والولايات المتحدة قد مضى قدما بسرعة غير عادية، بل اسرع مما كان عليه خلال فترة تولي بنيامين نتانياهو لرئاسة وزراء اسرائيل، حيث اضيف اكثر من 22 ألف مستوطن آخر الى اجمالي المستوطنين الاسرائيليين. وقد تم القيام بذلك، كما يقر باراك في المقابلة التي اجراها بيني موريس معه لكي «تتم تهدئة اليمين الاسرائيلي الذي احتاج الى مساندته فيما هو يمضي قدما نحو اقرار السلام». باختصار، فان باراك قد تفهم تماما كيف ان التطورات السياسية المحيطة بالمفاوضات يمكن ان تؤثر على الرأي العام الاسرائيلي، ومن ثم على مقدرته، اي باراك، على ابرام الاتفاقات، ومع ذلك فانه لايظهر تفهما مماثلا عندما يتعلق الامر بالتأثير المحتمل لسياساته على مرونة عرفات وقدرته على التوصل الى حلول وسط. وينظر باراك الى كون عرفات قد عجز سواء عن الحصول على تجميد للاستيطان او لدفع اسرائيل الى تنفيذ التزاماتها السابقة ـ ينظر الى هذا على انه لا اهمية له. وفي حقيقة الامر، فان الاوراق التي كان باراك يدخرها لزيادة مجال المناورة المتاح له خلال المفاوضات كانت هي نفسها على وجه الدقة الاوراق التي احتاجها الفلسطينيون لتوسيع مجال المناورة المتاح لهم. وفي نهاية المطاف، فان فريق المفاوضين الفلسطيني الذي مضى الى كامب ديفيد تعرض لتشكك الكثير من الفلسطينيين والعرب الآخرين بانه بادر بالاستسلام، وبأنه عجز عن الصمود في مواجهة الضغط الاسرائيلي او الاميركي. يبدو جليا في المقابلة التي اجراها بيني موريس مع باراك مدى افتقار هذا الاخير الى الحساسية ازاء الكيفية التي قد تؤثر بها تصريحاته في الجانب الآخر، فهو يصف اللاجئين الفلسطينيين بأنهم «اسماك سلمون» ويفترض ان حنينهم للعودة الى بلادهم سوف يغيب عن الساحة في غضون ثمانين عاما تقريبا، وذلك بطريقة لم تحدث للشعب اليهودي حتى بعد ألفي عام، وهو عندما يدين الفكرة القائلة ان اسرائيل ستكون «دولة لكل مواطنيها» فانه لايبدو انه يدرك انه يخاطر باستعداء مواطنيها العرب والامر الاكثر اثارة للازعاج من غيره وصفه للعرب بانهم شعب «لايعاني من مشكلة القاء الاكاذيب القائمة في الثقافة اليهودية ـ المسيحية. فالحقيقة ينظر اليها على انها فئة لا اهمية لها». ومن الصعب معرفة ما يمكن القيام به حيال هذا الحكم الذي ينتقص من شعب بأسره. وفي تاريخ هذا الصراع على وجه التحديد فان ايا من الفلسطينيين والاسرائيليين لم يحتكر لنفسه الوعود او الالتزامات التي لم يتم الوفاء بها وانما انصرف ذلك الى الطرفين معا. الخروج من كامب ديفيد بحلول الوقت الراهن، فان بعضا ممن قالوا ان رفض الفلسطينيين للمقترحات الاميركية في كامب ديفيد كان دليلا قاطعا على عجزهم عن اقرار السلام مع اسرائيل قد غيروا طرحهم. وبدلا من ذلك فانهم يركزون على مقترحات الرئيس كلينتون التي طرحها في 23 ديسمبر 2000 جنبا الى جنب مع المباحثات الاسرائيلية ـ الفلسطينية التي اجريت في طابا في يناير 2001 والتي يتهم باراك «التنقيحيين» بأنهم قد تجاهلوها. دعنا نبدأ اولا بتناول الحقائق. فليس هناك شك، على نحو ما وصفنا في مقال سابق لنا نشر في «نيويورك ريفيو أو بوكس» في ان الافكار التي طرحها الرئيس كلينتون في ديسمبر 2000 كانت خطوة مهمة باتجاه الموقف الفلسطيني. ولا نزاع كذلك في انه بينما تقبل مجلس الوزراء «المقاييس» التي حددها كلينتون فان عرفات استغرق وقتا في هذا الصدد، حيث انتظر عشرة ايام قبل ان يبدي رد فعله وهو تأخير باهظ التكلفة اذا اخذت في الاعتبار الحقيقة القائلة ان رئاسة كلينتون لم يكن قد بقي على انتهائها الا ثلاثين يوما. عندما التقى عرفات بكلينتون اخيرا في 2 يناير 2001 اوضح انه قد قبل افكار الرئيس الاميركي مع تحفظات ابداها وان بمقدور كلينتون ان يبلغ باراك «أني قبلت مقاييسكم، ولدي بعض وجهات النظر التي لابد لي من التعبير عنها، وفي الوقت نفسه فاننا نعرف ان الاسرائيليين لهم وجهات نظر لابد لنا من احترامها». وكان موقفه بصورة اساسية هو ان المقاييس التي طرحها الرئيس كلينتون قد تضمنت عناصر مثيرة للاهتمام ينبغي ان تكون دليلا للمفاوضين ولكن من دون ان تقيد حركتهم ومن الجلي انه من المبالغة الزعم بان عرفات قد رفض كل فكرة من افكار الرئيس الاميركي ومن المؤكد ان تلك ليست هي الرسالة التي نقلها كلينتون الى باراك. وفيما يتعلق بنقطة اكثر تحديدا فان عرفات لم يرفض السيادة الاسرائيلية على حائط المبكى وانما رفض السيادة الاسرائيلية على الحائط الغربي الذي يعد اكبر كثيرا (والذي يعتبر حائط المبكى جزءا منه) والذي يهيمن على الحي الاسلامي في المدينة العتيقة بالقدس وبعد ايام قلائل طرح باراك تحفظاته الخاصة على مقترحات كلينتون في اتصال خاص بينهما.ومرة اخرى فالنتيجة التي يخلص اليها باراك من هذا هي التي تعد موضع تساؤل فلاشك في ان الفلسطينيين لم يكونوا راضين بمقاييس كلينتون، التي ارادوا التفاوض حولها ولم يردوا عليها بنفس الشعور بالتعجل الذي ابداه الاميركيون او ابداه باراك الذي كان يواجه انتخابات وكان يعرف ان مصير عملية السلام يمكن ان يحسمها. ولكن خلافا لما حدث في كامب ديفيد، فانه لم يكن هناك رفض فلسطيني وانما الامر على العكس، ذلك ان الجانبين اللذين كانا قد انهمكا في محادثات سرية خلال الخريف قد وافقا على مواصلة المحادثات في طابا. وقد انتهت المحادثات المكثفة التي اعقبت ذلك لا بسبب عدم التوصل الى اتفاق وانما بسبب الافتقار الى الوقت في ضوء الانتخابات الاسرائيلية الوشيكة. وفي يناير شن رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك حملته ساعيا الى تفويض من الناخبين الاسرائيليين لمواصلة تلك المفاوضات وقد مضى الى حد تخويل وفده في طابا اصدار بيان مشترك مع الفلسطينيين يؤكد انه:«يعلن الجانبان انهما يكونان اقرب من قبل الى الوصول الى اتفاق منهما الآن وهكذا فان قناعتنا المشتركة هي ان الهوات الباقية يمكن ردمها مع استئناف المفاوضات في اعقاب الانتخابات الاسرائيلية». واذا افترضنا ان باراك قد قصد ما تضمنه بيان طابا، فان هذا البيان لايمكن ان يتماشى مع ما يطرحه باراك الآن من ان الفلسطينيين يسعون الآن للقضاء على اسرائيل وبيان طابا هذا يتناقض ايضا على طول الخط مع الزعم الذي يطرح باستمرار والقائل ان عرفات نبذ فرصة تاريخية للتفاوض حول تسوية. اصل الحكاية يتم ربط فشل قمة كامب ديفيد وبداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية بصورة مباشرة في اطار الصور التي رسمها باراك وآخرون للمجادلة بان رد عرفات على العروض التي لم يسبق لها مثيل هو اغراق المفاوضات والسعي لتحقيق اهدافه عبر الارهاب. من الجلي ان السلطة الفلسطينية لم تبذل قصارى وسعها لوقف الانتفاضة، التي شعر بعض قادتها بانها ربما تخدم مصالح السلطة، وصحيح بالمثل ان الفلسطينيين قد استهلوا العديد من اعمال العنف، وفي وقت لاحق، مع تواصل الصراع وازدياد حدته اصبح التعاون بين السلطة الفلسطينية والجماعات المتشددة وثيقا بصورة اكبر وانغمس الفلسطينيون في الهجمات المتكررة ذات القصد الواضح وموضع الاستنكار بعمق المتمثل في قتل اكبر عدد ممكن من المدنيين الاسرائيليين ولكن الاتهامات ضد عرفات تتضمن زعما آخر كذلك حيث يقال انه اطلق موجة من العنف الارهابي في اعقاب كامب ديفيد كجزء من مخطط شامل للضغط على اسرائيل وقيل ان اسرائيل لم يبق امامها من خيار الا ان تتصرف على نحو ما فعلت على وجه الدقة رضا على حرب بدأها آخرون رغم ارادتها. وهذا التقدير للامور لايمكن مطابقته مع الحقائق المدرجة في تقرير ميتشل الذي يصف الانتفاضة التي بدأت كسلسلة من المواجهات بين فلسطينيين غير مسلحين الى حد كبير وقوات امن اسرائيلية مسلحة اعتمدت الاستخدام المفرط والقاتل للقوة. ويرفض باراك كلية المفهوم القائل ان زيارة ارييل شارون لساحة الحرم الشريف في 28 سبتمبر 2000 قد لعبت اي دور في تفجير الاشتباكات التي اعقبتها وهو يؤكد في معرض دعم ما يطرحه ان الزيارة تم التنسيق بشأنها مع مسئولي الامن الفلسطينيين لكن ذلك ليس جوهر المسألة بالمرة، وانما يتمثل هذا الجوهر في انه عندما نمحص السياق الذي تمت فيه الزيارة ـ التركيز المكثف على الحرم الشريف في كامب ديفيد والمناخ العام السائد في صفوف الفلسطينيين، فان تأثيرها يبدو مما يمكن التنبؤ به، وكما قال دنيس روس المبعوث الخاص للرئيس كلينتون الى الشرق الاوسط: «يمكنني التفكير في الكثير من الافكار السيئة، وليس بمقدوري التفكير في فكرة اسوأ من فكرة هذه الزيارة». جاء في تقرير ميتشل مايلي: «في اليوم التالي، وفي المكان نفسه واجه عدد كبير من المتظاهرين الفلسطينيين وقوة كبيرة من الشرطة الاسرائيلية بعضهم البعض وافادت الخارجية الاميركية ان الفلسطينيين (قاموا بمظاهرات كبيرة والقوا الاحجار قرب الحائط الغربي. وقد استخدمت الشرطة طلقات الرصاص المطاطية والذخيرة الحية لتفريق المتظاهرين، فقتلت اربعة اشخاص وجرحت حوالي 200)، وتفيد الحكومة الاسرائيلية ان 14 من رجال الشرطة الاسرائيلية قد اصيبوا بجروح». منذ ذلك الوقت فصاعدا، ارتفع بسرعة عدد القتلى من الفلسطينيين فبلغ اثنى عشر قتيلا في 30 سبتمبر واثنى عشر قتيلا مجددا في الاول من اكتوبر، وسبعة عشر قتيلا في الثاني من اكتوبر (بينهم 7 من عرب 1948) و14 قتلى في الثالث من اكتوبر، واثنى عشر قتيلا ـبينهم فلسطيني واحد من عرب 1948) وفي 4 اكتوبر وبحلول نهاية الاسبوع كان 60 فلسطينيا قد قتلوا (من بينهم 9 من عرب 1948) وخلال تلك الفترة كان خمسة اسرائيليين قد لقوا حتفهم على يد الفلسطينيين. وجاء في تقرير ميتشل انه في الاشهر الثلاثة الاولى من الانتفاضة «لم يتضمن معظم الحوادث استخدام الفلسطينيين للاسلحة النارية والمنفجرات» وينقل التقرير عن منظمة بيت سليم الاسرائيلية لحقوق الانسان اكتشافها ان «73% من الحوادث (التي وقعت في الفترة من 29 سبتمبر الى 2 ديسمبر 2000) لم تشمل اطلاق الفلسطينيين للنيران. وعلى الرغم من ذلك ففي هذه المواد قتل وجرح معظم الفلسطينيين وانتقدت منظمات اخرى عديدة بما في ذلك مفوض الامم المتحدة لحقوق الانسان، منظمة هيومان رايتس ووتش ومنظمة اطباء من اجل حقوق الانسان افراط قوات الدفاع الاسرائيلية في استخدام القوة، وغالبا ما كان ذلك ضد الفلسطينيين العزل من السلاح. سيناريوهات متناقضة يشير باراك الى ان عرفات قد خطط كاستجابة من جانبه لقمة كامب ديفيد لشن حملة من العنف الارهابي، ويبدو هذا تأكيداً مدهشا في ضوء الحقيقة القائلة ان الفلسطينيين قد ذهبوا الى القول ان الطرفين ليسا جاهزين لعقد القمة وان كامب ديفيد ينبغي ان تفهم على انها الاجتماع الاول في سلسلة من الاجتماعات، وبالمقابل وكما يعلم باراك حق العلم، فإنه قد نظر الى كامب ديفيد على انها لقاء قمة على طريقة «انقضوا او انفضوا». وقد قام بتحديد القمة على انها اختبار لنوايا عرفات الحقيقية واوضح منذ وقت جد مبكر انه يتوقع نتيجتين محتملتين، فإما اتفاق على نطاق شامل على «اطار» للتسوية او مواجهة كاملة. تبدو بعض الامور غير قابلة للنقاش، فقد وصل المناخ النفسي في الشارع الفلسطيني الى مرحلة الغليان، على نحو ما اوضح العنف في مايو 2000 وكما يؤكد كل من التقريرين الرسميين الاميركي والاسرائيلي. وقد كانت زيارة شارون للحرم الشريف ذريعة واستفزازاً في آن، ونموذجاً لوجود الشخص الخطأ في المكان الخطأ في التوقيت الخطأ. وقد ضاق عدد كبير من الفلسطينيين ذرعاً بعملية السلام وشعروا بالمهانة من جراء تجربتهم مع المستوطنات وفي نقاط التفتيش الاسرائيلية. وتأثر كثيرون بالنجاح الذي احرزه حزب الله في لبنان تأثراً كبيراً حيث ساد الاعتقاد بأن اسرائيل قد قررت الانسحاب في مواجهة المقاومة المسلحة. وعلى المستوى التكتيكي، ربما رأي الفلسطينيون ميزة في مواجهة قصيرة المدى توضح للاسرائيليين انهم ليس بمقدورهم اخذهم قضية مسلمة بها، ومن جانبها كانت قوات الامن الاسرائيلية لاتزال متأثرة بالتجارب الدموية التي حدثت في سبتمبر 1996 ومايو 2000 والتي واجهت الشرطة الفلسطينية خلالها الاسرائيليين، وقد عقد الاسرائيليون العزم على ايقاف اي انتفاضة في بدايتها باستخدام قوة اعظم كثيرا لسحق العدو ومن هنا جاء القرار الاسرائيلي باستخدام الاسلحة القاتلة، ومن هنا ايضا جاء معدل حوادث القتل التي اقتصر ضحاياها على الفلسطينيين كلية تقريبا، والجروح الخطيرة في الايام الاولى من الانتفاضة، وهذا بدوره جعل من المتعذر ان لم يكن مستحيلا، على القيادة الفلسطينية ان تسيطر على الامور، بل على العكس فاقم الضغط باتجاه الرد بالطريقة ذاتها، وربما كان البعض في صفوف القادة الفلسطينيين قد علق الآمال على ان الانتفاضة ستدوم اياما قلائل، وتوقع الاسرائيليون ان رد فعلهم القوي سيوقف الانتفاضة في مهدها، وبدلا من ذلك وفي اطار هذه اللعبة المأساوية التي كان الطرفان كلاهما يقرأ فيها من سيناريوهات مختلفة، ربما ادى الجميع بين هذه السيناريوهات الى نتيجة لم يقصدها اي من الجانبين. ومجدداً فإن الامر يستحق ان نقتطف من تقرير ميتشيل الفقرة التالية: «ان زيارة شارون لم تسبب «انتفاضة الاقصى» ولكن توقيتها اسيء تقديره، وكان ينبغي التنبؤ بتأثيرها الاستفزازي، بل لقد تنبأ بها حقا من حثوا على الحيلولة دون القيام بها، وتمثل الامر الاكثر اهمية في الاحداث التي اعقبت ذلك، اي قرار الشرطة الاسرائيلية في 29 سبتمبر باستخدام الوسائل القاتلة ضد المتظاهرين الفلسطينيين والاخفاق الذي تلا ذلك.. من جانب اي من الطرفين في ممارسة ضبط النفس. ويخلص التقرير الى القول: ليس لدينا اساس نخلص استنادا اليه الى انه كانت هناك خطة مقصودة من جانب السلطة الفلسطينية لاطلاق حملة من العنف في أول فرصة سانحة. توقع أم قفزة في الظلام ؟ ربما كان اعظم قدر من الاستياء يستمد سببه من تأييد باراك الكلي للحملة العسكرية الاسرائيلية التي تشنها حاليا، ان اسرائيل ينبغي عليها طبعاً ان تتعامل مع الاختراقات التي يتعرض لها امنها، وان ترعى سلامة شعبها فهو لا يتوقع منها ان تجلس مكتوفة اليدين بينما الفلسطينيون يستهدفون المدنيين الاسرائيليين ويمارسون الهجمات الانتحارية، غير ان السؤال لا يدور حول ما اذا كان ينبغي على اسرائيل ان ترد على ذلك من عدمه، وانما كيف يكون هذا الرد، وربما يكون المرء قد علق الآمال على استجابة حكيمة، تجمع بين الاجراءات الامنية القوية ومحاولة اصيلة لانهاء الصراع ـ وان يقوم شارون بتقليد سلفه في مواصلة المحادثات السياسية، واذا لم يحدث ذلك فربما يكون المرء قد علق الآمال على استجابة تستمد انطلاقتها من المباديء وعلى نحو يمكن تفهمه من المخاوف الامنية ولكن ما حدث لا يمكن النظر اليه على انه يتسم بالمعقولية او يمكن تفهمه، فالتدمير الشامل للمرافق الاساسية في الضفة الغربية وللوزارات المدنية والمعدات والوثائق بما في ذلك سجلات المدارس التي لا قيمة لها من الناحية الامنية، كل هذه الاعمال الانتقامية ليست لها إلا صلة محدودة بالامن وتربطها كل الصلات بالاذلال والسعي الى تحطيم ارادة الشعب الفلسطيني وتفكيك قدرته على الحكم الذاتي. ان التحرك العسكري الاخير مرتبط مباشرة بالسؤال حول ما يمكن القيام به الآن، وباراك يبدو انه قد يئس فيما يتعلق بالقيادة الفلسطينية الحالية، ويعلق آماله على الجيل المقبل، وهو جيل لم يعش نكسة 1948 ولكن ماذا عن نكبة 2002 هل هناك سبب يدعو للاعتقاد بأن اطفال اليوم سوف ينشأون اقل تصلباً وسعياً للانتقام بعد الهجمات التي لا تعرف التمييز التي شنها الاسرائيليون في الاشهر القليلة الماضية. وباراك تخلى ايضا، فيما يبدو، عما كان اهم حدس يساوره، وهو ان وقت الخطوات الانتقالية او الجزئية قد انتهى وان الاطراف تعين عليها المضي نحو تسوية شاملة ونهائية، وبينما كان يتقلد مهام منصبه طرح مراراً وتكراراً القول ان اسرائيل ليس بوسعها القيام بتنازلات ملموسة إلا بعد ان تعرف الى اين تمضي العملية السلمية، غير ان من طرف واحد الذي يفكر فيه الآن من شأنه ان يجعل اسرائيل ـ في غياب اي اتفاق او تنازل مقابل ـ تنسحب من غزة ومن 75% من الضفة الغربية، وهذا سيركز الصراع على الـ 25% الباقية وعلى فرض وجهة النظر فيما يتعلق بالقضايا المعلقة، مثل القدس واللاجئين، والامر الاسوأ من كل ما عداه ان هذا سيزيد جرأة الفلسطينيين الذين يبدون استعدادهم تبني نموذج حزب الله وسيعجل بالاستنتاج بأن اسرائيل بعد ان انسحبت مرتين تحت وطأة النيران ستواصل القيام بذلك. اهداف ووسائل لقد جاء ايهود باراك الى منصبه عاقداً العزم على ألا يدع امكانية إلا واستكشفها في السعي من اجل السلام، وترك منصبه في غمار السعي وراء تفويض باستكمال المحادثات التي بدأت في طابا، ومنذ تركه لمنصبه دمغ عمليا مناقشات طابا بأنها زائفة وألمح بصورة عامة الى ان هدفه طوال الوقت كان «كشف القناع» عن عرفات واثبات انه غير جدير بأن يكون شريكا في السعي من اجل السلام، وفي غمار قراءة المرء للمقابلة التي اجراها بينى موريس معه يصعب القول ايهما هو باراك الحقيقي، من المؤكد ان اتهامه الكلي للقادة الفلسطينيين وتأكيده غير المبرهن عليه بأنهم يسعون الى القضاء على اسرائيل وتأملاته الحافلة بالاهانات فيما يتعلق بالثقافة العربية وتأييده لأساليب شارون تتضارب مع الاهداف التي نادى بتحقيقها ذات يوم. ان تفسير ما حدث قبل قمة كامب ديفيد وخلالها وبعدها وسبب حدوثه اكثر اهمية بكثير وقد برهن على ان له عواقب اكثر تعدداً من ان نسمح بأن يصبح موضوعاً للكاريكاتير السياسي او اتخاذ وضعية خاصة من جانب اي من الجانبين، وقصة باراك هي قصة رجل متسم بحسن التمييز في بصيرته ـ الحاجة الى استهداف تسوية شاملة ـ وهي البصيرة التي لم يقدر لها على نحو مأساوي ان تتحقق، وقد كانت عملية كامب ديفيد ضحية للاخفاقات من الجانب الفلسطيني، لكنها كانت ايضا وبصورة مهمة ضحية للاخفاقات من جانب اسرائيل «ومن جانب الولايات المتحدة» كذلك.. وباراك برفضه ادراك ذلك يواصل اضفاء الغموض على النقاش والتهرب من الاسئلة الاساسية التي تدور حول الوجهة التي يتعين السعي من اجل السلام ان يمضي اليها الآن. وأحد هذه الاسئلة هو ما اذا لم تكن هناك في حقيقة الامر صفقة يمكن ان تكون مقبولة للطرفين تحترم مصالحهما الجوهرية وقابله للتحقيق من خلال مشاركة اعظم كثيرا «وضغط» من جانب المجتمع الدولي. اننا نشير الى ان مثل هذه الصفقة ستشمل دولة فلسطينية ذات سيادة منزوعة السلاح، ذات حدود على اساس خطوط 1967، مع تبادل متساو للاراضي لاستيعاب الحقائق الواقعية السكانية، وبأراض متواصلة في الضفة الغربية، وستكون الاحياء اليهودية في القدس عاصمة لاسرائيل والاحياء العربية عاصمة لفلسطين. وسيحكم الفلسطينيون الحرم الشريف ويحكم الاسرائيليون «الكوتل» «حائط المبكى» مع وجود ضمانات صارمة مدعمة دوليا فيما يتعلق بعمليات التنقيب عن الآثار، ويمكن لقوة دولية توفير الامن ومراقبة تنفيذ الاتفاق، ومن شأن ايجاد حل لمشكلة اللاجئين ان يتضمن الاعتراف برغبتهم في العودة بينما يحافظ على توازن اسرائيل الديموجرافي على سبيل المثال بالسماح بعودة غير مقيدة الى ذلك الجزء من ارض 1948 الذي سيتم ادماجه في عملية تبادل الاراضي ويندرج تحت السيادة الفلسطينية. لقد اختتم باراك المقابلة التي اجريت معه بفكرة قوامها ان اسرائيل ستظل دولة قوية ومزدهرة ويهودية في القرن المقبل. ولكي يتحقق هذا الهدف هناك امور افضل بكثير واكثر نفعا يمكن لباراك القيام بها من المحاولة التي تستهدف تبرير الذات لالقاء اللوم على عرفات وزملائه وتحميلهم المسئولية عن كل ما انحرف عن مساره. عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»