ما كادت ذاكرتنا تبرد من هجير رحيل المخرج الشاب عاطف الطيب، حتى أطل موت رضوان الكاشف بقسوة لم نتوقعها، وخنجر بتار غرغر بقوة فجائية في دمنا، ودمع سنظل طويلاً نتجرع ملوحته على نزيف جديد نهش أحلامنا بدون مقدمات. عميقاً في نفق الظلمة وجبروت الاسفاف جاء عصياً على مباركة العتمة والانجرار الى تلويث الجملة كان مخفوراً بمعناها يحمل قداسها في صمت مهيب، وضمير حي، منتوياً بث النور لأعيننا وزحزحة الكسل عن وعينا الفني. قرأ جهالة أرباب الفن الهابط، وعرك غفلتنا، نحن سلالة الفوضى والتهريج الدائم.. فقرر «ايقاظ» الجميع بتواضع صبور، ووجه محدق في أنين الصامتين، دون ادعاء زائف وثرثرة معهودة. امتشق جرحه المعرفي، وحزنه الجميل ليداوي تقيح الصورة ويعتقل ضجيج لغتها الكسيحة في قمقم المفلسين. جاء من قلب الصعيد محملاً بنوّاسة الليالي السمراء، وعبقرية الربابة والمواويل الى عاصمة الفن الصارخ دون ان تغريه بأضوائها وفشارها. حمل غضبته في قلبه، تاركاً أرضه الحنون، على وعد بأنه لن يخون رائحة طينها الذي أقسم بلسان غير جهور بأنه لن يترك طيبته مطية لرياح الغواية، وصقيع السائد والمألوف. حمل معوله المجدول (رغم ثرائه) بصرخة الفقراء، وعجز البسطاء، وانقاض المهمشين، ليهدم بابداع مستغرق في ذاته قصور الرمل لتجار الفن السابع، ويكشف عن بلادة العصب العاري حين نصفق في بلاهة لجلبة المشاهد، وغناجة الحكي السينمائي، ليزيل أكداس العماص من «تيمة» شارع محمد علي التي سطت على أكثر من حقبة سينمائية، واحتلت عيون مرتاديها. انه رضوان الكاشف الاسم الحركي للسينما الراقية، والفكر النوعي، سفير البيئة الضارية والانسان المطحون، تسلح بلغة الفن المحروس بعناد «الجنوبي» الذي جاء ليثأر من تجار الجسد وبائعي الحواديت الزلقة التي لا تقوى على وخز ضلع واحد، أو خدش عقل طفل. اعتلى رحابة السينما ليقدم رؤية عميقة وعريقة تليق بجذور الحقيقة الحياتية للشرائح المتروكة في العراء. كان يرى ان المرارة قدر لابد من مواجهته بالابتسامة والتحايل على كل ما هو قميء ومفجع، كان سلاحه الوحيد حبه للسينما، وان الحب لا يمكن ان تساومه عليه أية مغريات مثل ركوب الموجة، والجمهور (عايز كده) فقد قال في أحد حواراته: «إذا لم أقدم السينما التي أحبها فسأعود لأزرع أرضي».. هكذا كان الرجل متشحاً دائماً بالزرع والنمو والنماء. كان رضوان الكاشف بلسم المواساة لغياب عاطف الطيب ذلك الذي لم يستأذن أحداً لكي يغيب في ليلة شتاء دافئة، تاركاً «اتوبيس» الوجع بلا «سائق» حتى جاء رضوان في ليلة بنفسجية، ليجعل الألم محراثاً لتخصيب مقاومة الفقر والحاجة، وان الضحك والتحايل على تعب الحياة زهرة يانعة في مقدور البائس ان يقطفها ليواجه فناء الحلم.. ثم يطل علينا من فوق «نخلة الممكن» ليجلب سر الخصوبة، وعمارة الخراب الانساني بـ «عرق البلح» دون اهمال أو افراط وتفريط في نواميس الغريزة، ذلك العرق الذي لوثه عرق النقاد وجهل معظم الناظرين لا الرائين. ويختتم الكاشف تجربته القصيرة بـ «الساحر»، ويا لها من مفارقة «عنوانية».. فلقد سحر السينما بلغة مباغتة، فباغته الغياب ليحرمنا من سطوته الجمالية، فانتمى للموت والتراب المدكوك تاركاً الساحة لكهنة الحضور المغبر. ويبقى الانتظار لبهاء السينما قدراً لا مفر منه.. هل سننتظر طويلاً؟!.. لا أدري.. كل ما نعرفه ان السينما سوف ترقص كثيراً في شجن دفين على رنين بصماتك اليتيمة من باقي أصابعك المبتورة بفعل القدر. رضوان «رضا بدون ارضاء»، الكاشف «بوح دون ممالأة».. جئت من جنوب المكان لتسكن جنوب الروح شمعة تضيء دروب الفن المتخم بعتمة البهتان والبذاءة، كنت أملاً احتشدت له كل العيون الحالمة بغد يعيد للفن زهوره. لا أعرف كيف أرثيك، وزادي قليل، لا أعرف وأنا أحد المقتولين بغيابك سوى بكلمات الشاعر الكبير أدونيس: يا يد الموت أطيلي دربي خطف المجهول قلبي يا يد الموت أطيلي علني أكشف كنه المستحيل وأرى العالم بقربي مجدي أبو زيد