كانوا ثلاثة اخوة اشتهر كل منهم باسم «ابن الاثير» وعرفوا جميعاً بالعلم والفضل مما خلد اسمهم بين اعلام العرب واعاظم مؤلفيهم وعلمائهم والذي يهمنا هو الاخ الاوسط ، «عز الدين ابو الحسن، علي بن ابي الكرم» المعروف بابن الاثير الجزري، الذي ولد سنة 555ه، في جزيرة «ابن عمر» ونسب اليها، فعرف بالجزري، وهذه الجزيرة بلدة يحيط بها نهر دجلة من ثلاث جهات، وتقع على الحدود العراقية التركية. سار «ابن الاثير» بعد ان شب في الجزيرة برفقة والده واخوته الى الموصل حيث استقروا جميعاً فيها وفي هذه المدينة درس على علمائها وفقهائها، فعرف بالفضل والعلم، وحظي بعطف صاحب «الموصل» الذي اوفده سفيراً الى «بغداد» وهكذا اتيحت له الفرصة لكي يطلع على كثير من بواطن الامور السياسية في المشرق الاسلامي على أيامه، ثم رحل الى الشام تدفعه الرغبة في العلم، حتى ان من يدرس تاريخ حياته، ير انه عاش منقطعاً للعلم تحصيلا وتدريساً ومؤلفاً نشيطاً. يعتبر كتاب «الكامل في التاريخ» من اهم مؤلفات «ابن الاثير» حيث عبر عن نضج وتكامل في المعرفة التاريخية التي بدأها في مؤلفاته التي سبقت هذا الكتاب ويحدثنا الكاتب عن الحوافز التي دفعته الى تأليف كتابه هذا فيقول: انه اخذ يتأمل كتب التاريخ المتداولة فوجدها متباينة في تحصيل الغرض يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل الى العرض. كما انه عاب على المؤرخين السابقين، ان كلا منهم ارخ الى الوقت الذي عاش فيه، ثم جاء بعده من ذيل عليه واضاف ما استجد بعد تاريخه ومعنى ذلك ان كتابات المؤرخين المتأخرين زمنياً اتصفت بالجمود لأنهم لم يحاولوا تمحيص الحقائق التي كتبها من سبقهم، وانما تركوها كما هي وابقوا على ما فيها من خلل وعيوب. والواقع ان المشتغل بدراسة التاريخ يلمس في كتاب «الكامل» عدة خصائص ومميزات قد لا يجدها مكتملة في كتاب آخر، من المراجع التي يرجع اليها ومن المميزات: الدقة وتحري الحقيقة، هذا مع اتصاف كتابه بالتماسك والتركيز والبساطة، كما راعى التوازن بين اقاليم العالم الاسلامي فلم تصرفه الاحداث التي ألمت بالمشرق، عما كان يجري بالمغرب من تطورات ولم يحدث انه انساق وراء حدث خطير في المغرب فنسي ذكر اخبار المسلمين في الهند، وبذلك جاء الكتاب مرجعاً شاملاً وافياً جامعاً لاكبر قدر من اخبار العالم الاسلامي. اما عن طريقة «ابن الاثير» في معالجته الاحداث، فإنه حاول قدر الامكان ان يذكر الحدث الواحد في مكان واحد، حتى لو كان حدوثه من الناحية الزمنية قد استغرق بضعة اعوام، بينما كان المؤرخون يعالجون التاريخ على شكل سنوات، فيتناول المؤرخ الاحداث التي حدثت في عام واحد. بدأ «ابن الاثير» الجزء الاول من كتابه «الكامل في التاريخ» بكلمة قصيرة عن نشأة التاريخ في الاسلام ثم انتقل الى خلق آدم، وتتبع الانبياء حتى وصل الى ابراهيم عليه السلام فتكلم عن عمارة البيت الحرام بمكة المكرمة ثم عن اولاد ابراهيم وازواجه وبعد ان تكلم عن بعض الشعوب القديمة مثل الفرس، انتقل الى ولادة السيد المسيح واخباره، فأتى بأخبار دقيقة عن الامبراطور «قسطنطين الاول» وعن اسباب اعتناقه المسيحية وتأسيس مدينة «القسطنطينية». وهكذا يستمر «ابن الاثير» في رواية كثير من الاخبار الطريفة الواقعية عن الروم حتى يصل الى «هرقل» وبه تبدأ الطبقة الثالثة من ملوك الروم بعد هجرة الرسول «محمد عليه الصلاة والسلام». وبعد ان يتناول «ابن الاثير» بعضاً من اخبار العرب في الجاهلية وعلاقتهم بالفرس من ناحية، وبالروم من ناحية اخرى، وبالحبشة من ناحية ثالثة، يختم الجزء الاول من كتابه بالكلام عن ايام العرب في الجاهلية. اما الجزء الثاني فيستهله بنسب النبي «محمد عليه الصلاة والسلام» وذكر اخبار آبائه واجداده، ثم يتناول السيرة النبوية قبل الوحي وبعده فإذا وصل الى ذكر هجرة الرسول الكريم بدأ لأول مرة يتبع نظام السنوات في تأريخه للاحداث وهكذا ينتقل من سنة لاخرى فيذكر اخبار الغزوات والسرايا وفتح مكة وحجة الوداع، ثم غزوات الرسول وصفاته الى مرضه وما اعقب ذلك من خلافة «ابي بكر» رضي الله عنه. ويستأنف في الجزء الثالث الكلام عن عهد الخليفة عمر، حتى وفاته ثم عثمان بن عفان، وما جرى في عصره من حوادث وقيام علي بن ابي طالب في الخلافة ثم يبدأ في الجزء الخامس بسنة ستين للهجرة واول ما فيها وفاة معاوية بن ابي سفيان، ثم يتكلم عن الخلفاء الامويين واحداً بعد الآخر واحوال الدولة الاسلامية. إعداد ـ محمد سطام الفهد