ولد الروائي الألماني هيرمان هيسة في قرية كالو الصغيرة سنة 1877، وقضى فيها سنواته الأولى عدا سنوات ست ما بين «1880-1886» وعلى الرغم من أن أسرته كانت ميسورة ومتدينة إلا أنها كانت تعاني من المتاعب النفسية. كان جده لأبيه طبيباً، وجده لأمه مبشرا دينيا. أمضى والداه عدة سنوات في التبشير الديني في الهند، وهذا جعل من هيرمان يقضي معظم سنوات دراسته في مدارس داخلية أو معاهد لللاهوت في أديرة كما حدث في ملبورن، وهو الأمر الذي ساهم بقوة في أن يتقن اللغة اللاتينية بطلاقة، إلى جانب تعليم مناسب للغة اليونانية. تحدث عن ذلك قائلا: تكيفت بصعوبة مع نطاق التعليم الديني الذي هذب وحطم شخصيتي الفردية في آن واحد. كانت رغبة هيرمان أن يصبح شاعرا منذ أن كان عمره 12 سنة، وكان كثير التفكير عما سيعمله بعد فترة الدراسة. ترك دراسة الكهنوت الإعدادية ودراسة علم النحو ليعمل عاملا ميكانيكيا على ماكنة ثم عمل في محل لبيع البضائع القديمة «الأنتيكة» في مدينة بازل، قبل أن ينشر ديوان شعره الأول سنة 1899. نشر روايته الأولى «بيتر كامنسيد» في سويسرا سنة 1904 وحققت نجاحا سريعا قبل أن يتزوج امرأة من بازل أصبحت أماً لأولاده. أحب سويسرا وأقام فيها وتجنس بجنسيتها. وهناك شخصية رئيسية تشعر بالعزلة الروحية وتبحث عن ثنائية أغنية الحياة في معظم روايات هيسة، يكتبها بلغة شاعرية. ففي روايته «بيتر كامنسيد» يتحدث عن شاب يصبح شاعرا روحانيا، الطبيعة بالنسبة له أغنية الحياة. وفي روايته «جرترود» يتحدث عن مؤلف موسيقي يحلم بالعيش في عالم مثالي يكون جنة من النعيم المقيم. وفي روايته «روشالت» البطل فنان ينسحب من الحياة ليعيش في عالمه الخاص، عالم الموسيقى. أما في روايته «سدهارتا» المنشورة سنة 1922 فالبطل يبحث طويلا عن أسباب التوحد الإنساني مع الطبيعة وهو ما سنراه بالتفصيل. وقد كان للحرب العالمية الأولى تأثيرها المباشر على الكاتب للتركيز على هذه الرؤية.. كان سدهارتا ابن البرهمي الوسيم في صحبة صديقه ابن البرهمي غوفيندا لحظة الغسل المقدس بعد أن كان ومنذ زمن طويل يشارك الحكماء أحاديثهم ويتمرن مع غوفيندا على المبارزة الكلامية وإتقان فن التأمل، وينهل من أدب الهند «الرج فيدا- Rig vida». التي لذذت روحه بتعاليم البراهمة القدماء. ولكن سدهارتا في ذات الوقت يبدي امتعاضا من أن حب أبيه وأمه وصديقه غوفيندا لن يسعده دائما، وإلى الأبد بعد أن أيقن من أنهم ومعلميه البراهمة الحكماء قد أخبروه جلّ حكمتهم وأفضلها، وأن كل ذلك لا يروي عطش روحه ولا يبدد خيفة قلبه. حدث كل ذلك بعد أن انهال سيل من الأسئلة طرحها على ذاته. تحدث لنفسه قائلا: جيدة هي الأغسال، لكنها ماء لا تروي عطش الروح. جيدة هي القرابين ومناجاة الآلهة، لكن هل هذا كل شيء؟ أتمنح القرابين السعادة؟ وما شأن الآلهة؟.. أكان براجاباتي حقا هو ذا الذي خلق الكون؟ ألم يخلقه أتمان؟ أين يمكن العثور على أتمان، أين يسكن، أين ينبض قلبه السرمدي؟ أين.. أين.. ثم توقف مراجعا خلاصة الكتب المقدسة وفي مقدمتها الأبانيشاد التي تتكلم عن الباطني الأخير وأبيات رائعة هي «إن نفسك هي العالم كله!» في المساء، بعد ساعة التأمل، قال سدهارتا لغوفيندا: يا صديقي، فجر الغد سيذهب سدهارتا إلى السمانيين، سيصبح واحداً منهم. وحدثّ غوفيندا نفسه: آن الأوان لسدهارتا أن يسير في دربه، آن لمصيره أن يبدأ، ومعه مصيري، فشحب شحوب قشرة موز يابسة. ثم صاح: آه يا سدهارتا، أيسمح أبوك بذلك. وصدق ظن غوفيندا، فوالد سدهارتا، البرهمي العالم، لم يوافق على الفكرة، في الوقت الذي ظلّ فيه سدهارتا واقفا كالتمثال طوال الليل حتى كاد الفجر أن ينبلج وهو يطلب الإذن من أبيه، وأدرك الأب أن الفتى قد هام في الفكرة فاقترب منه ووضع يده على كتفه وقال: ستذهب إلى الغابة وتكون سمانياً. إن وجدت الغبطة، فتعال وعلمني الغبطة، وإن وجدت الخيبة فارجع ودعنا نرفع القرابين معاً، كما كنا نفعل. في مساء ذلك اليوم نفسه لحقا بالنساك، السمانيين الهزلاء، وعرضا عليهم الصحبة والطاعة، فقبلوهما. وصار سدهارتا يلبس الوزرة والرداء الترابي اللون، غير المخيط، ويأكل كل يوم مرة واحدة فقط، وامتنع عن الاكل المطبوخ، وصام حتى تضاءل اللحم في فخذيه وخديه. وتوهجت أحلام حارّة في عينيه، وبدت نظراته باردة كالثلج إن وقعت على النسوة. وبات له حلم واحد أن يبيت خاليا من الرغبة، خاليا من الفرح والألم. وبدأ سد هارتا يتعلم كيف يوفر الأنفاس، ويهديء نبض القلب، ويبحر في الاستغراق والتأمل، ثم تعلم سلك دروب عديدة للابتعاد عن الأنا ونكران الذات، وبصبر تحمل الألم ومكث طويلا في اللاأنا. وفي جواره عاش غوفيندا، ظلاً له، وسلك الدروب نفسها. وقلما تحدثّا معا، إلا فيما يتطلبه التعبد والتمرين. قال سدهارتا: لا أنال سوى عابر التخدّر بتمريني واستغراقي، قل لي يا غوفيندا أترانا على الدرب السليم؟ هل ندنو من المعرفة؟ هل ندنو من الخلاص؟ أم ترانا ندور في دائرة، نحن اللذين أردنا الإفلات من الدوران في الدورة! بعد ثلاث سنوات على حياة كهذه بلغهما خبر رجل غلب آلام العالم في ذاته، يملك المعرفة العليا، وبلغ النيرفانا، روائع وخوارق ومعجزات، يجوب البلاد معلما، محاطا بالتلاميذ، إسمه غوتاما، المتعالي، بوذا! سمع سدهارتا رنين هذه الاسطورة بعد أن فاح شذاها. قال سدهارتا مخاطبا غوفيندا: قل أيها الصديق، ألا نذهب إلى هناك ونستمع إلى التعاليم من فم البوذا، فقد صرت أرتاب بالتعاليم والتعلم ومللته.. ورآه سدهارتا، وللحال عرفه، كما لو أن إلها قد دله عليه، رآه رجلا متواضعا في برد أصفر، مستغرقا في الأفكار، كامل السكينة، مليئا بالسلام، يبتسم خافتا نحو الذات. أحبه سدهارتا، وقدّسه، وسمعه يعلم. آمن أن من يسلك درب البوذا يجد الخلاص! وعلى غير المتوقع جاء سدهارتا إلى بوذا طالبا الإذن بالرحيل بعد أن قال بخشوع: أيها الجليل، ترينا العالم كسلسلة متكاملة، لا إنقطاع فيها في أي مكان أو زمان، سرمدية، مصاغة من أسباب ومسببات. سينبض حقا قلب كل برهمي غبطة وهو يبصر العالم، من خلال تعاليمك ليراه مترابطا، متكاملا، صافيا كالبلور، لولا تجاوز العالم حول الخلاص، ذلك الخرق الصغير الذي يفضي إلى كسر قانون العالم، ونسخ القانون الواحد والسرمدي كله. هكذا إنطلق سدهارتا وحيدا بعد أن ودعه بوذا بإيماءة لا تكاد تُرى وبعد أن ترك صاحبة غوفيندا هناك، مصمما أن يبلغ هدفه الأسمى وحده أو يموت دونه، باحثا عن الأنا، المعنى والجوهر، ولكنه ظل مأخوذا بعظمة بوذا بعد أن أحس أنه وهبه سدهارتا، وهبه ذاته!. ظلّ سدهارتا يتجول في هذا العالم الملغز والساحر، يجوب المدن والبلاد، يبحث بين الاشياء عن سر الأسرار ويقرأ في كتاب العالم وكتاب الذات، ويشعر أنه بذلك قد ولد من جديد، لذا عليه أن يبدأ من جديد، وترك فكرة العودة إلى دار أبيه، فهو اليوم سدهارتا المستيقظ، وها هي رجفة الاستيقاظ الأخيرة، ولا عودة إلى الوراء! مر سدهارتا بإناس كثر، كسب صداقاتهم، وتعاطفهم. وتوقف طويلا عند كمالا، المرأة التي يتعاقب عليها الرجال، يخطبون ودها، يقدمون لها الهدايا والنقود صاحبة الفم الناعم الحمرة المشقوق مثل حبة تين طازجة. أما هو السماني الزاهد، الشحاذ، فقد أهداها شعراً، أنشده بإسمها، ضحكت ومنحته قبلة. عرّفته كمالا على تاجر يدعى كمسوامي عمل معه وأتقن فنون التجارة، وصار لكمالا تلميذا وعشيقا وصاحبا، تعلم منها فن الحب وتمرن على طقس اللذة، وأهداها الهدايا كالآخرين، واستيقظت حواسه التي أماتها في سنوات الزهد، واستحوذ عليه عالم اللذة وعالم المال، تلك التي سخر منها دوما.. دام ذلك طويلا ولكنه ترك كل ذلك ورحل، وعاد من جديد إنسانا بلا وطن. إلى أن إنتهى به المطاف ليعيش قرب النهر، مع المراكبى الذي ساعده يوما في عبور النهر عندما كان سمانيا يبحث عن السلام. أحس بحب عميق لهذه المياه الجارية، لأنها جزء من الحياة السرمدية وقرر في سره ألا يغادرها عاجلا، بعد أن أبحر طويلا في ذاتٍ هي الـ أنا وأخرى هي الـ أنت حتى أصبح اليوم كهلا.. ولأن النهر كان يُسمعه ألف صوت وصوت! حاز هيرمان هيسة على جائزة نوبل في الأدب سنة 1946، ومات بعد أن بلغ الخامسة والثمانين مختنقا بالغاز في منزله في التاسع من أغسطس سنة