مؤلف هذا الكتاب دومينيك دوفيليبان، هو احدى الشخصيات الاساسية في الحكم الفرنسي حالياً فقد كان الامين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية طيلة سبع سنوات، وهو الآن وزير الخارجية الجديد، بعد اعادة انتخاب جاك شيراك ومعروف انه من اقرب المقربين اليه بل ويؤثر عليه في اتخاذ القرارات الكبرى ولكن هناك خاصية اخرى لا يعرفها الا القليلون وهي ان دومينيك دوفيليبان اديب حقيقي ويحب الشعر كثيراً بل وينظمه في بعض الاحيان انه شخص ضائع بين الادب والسياسة بين الشعر والدبلوماسية وعنوان كتابه غريب بعض الشيء ولا يفهمه الا عشاق الادب لا يمكن لسياسي محترف او عادي ان يختار عنواناً شعرياً او مجازياً كهذا بالطبع فإن ذلك لا يعني ان الكاتب ليس سياسياً محترفاً ولكنه يعني كما قلنا انه يجمع في شخصه بين الوله بالسياسة والوله بالادب والشعر وفي هذا الكتاب الذي لا يخلو من الشاعرية وجاذبية الاسلوب يتحدث وزير خارجية فرنسا عن تاريخ فرنسا كما يتحدث اي قومي عربي عن تاريخ الامة العربية وامجادها انه يتحدث عنه بنوع من الحب الصوفي والتدفق الشاعري الذي يجعل قراءة كتابه عبارة عن متعة حقيقية والواقع ان الفرنسيين يشبهون العرب من هذه الناحية فهم متعلقون جداً بالفصاحة والبلاغة، ويطربون لسحر البيان ولكن الكتاب لا يخلو من الفكر بالطبع فالرجل مطلع تماماً على تاريخ بلاده واحداثها الاساسية ومن يريد ان يفهم تاريخ فرنسا في العمق وتقلبات هذا التاريخ منذ اقدم العصور وحتى اليوم فما عليه الا ان يقرأ هذا الكتاب فهو يتحدث عن النظام الملكي اولاً، ثم عن الثورة الفرنسية، ثم عن القرن التاسع عشر ثم عن القرن العشرين وحتى يومنا هذا ويفتتح الكتاب بفصل عنوانه: السر الفرنسي او اللغز الفرنسي المحير اذا ما اردنا ان تكون الترجمة اكثر وضوحاً فهو يعتبر ان تاريخ فرنسا يحتوي على سر معين، والكتاب كله ليس الا محاولة لكشف هذا السر او لفهم الغازه لماذا يكون الفرنسيون محافظين بل ورجعيين احياناً، ولماذا يكونون ثوريين احياناً اخرى؟ ولماذا يكونون كرماء ومنفتحين على الاجنبي احيانا، ولماذا يصبحون احياناً منغلقين وعنصريين؟ ما هو سر الشخصية الفرنسية يا ترى؟ لكي يفهمه المؤلف فإنه يغطس في اعماق التاريخ فلكي تفهم الحاضر واشكالاته ينبغي احياناً ان تعود الى الماضي القريب والبعيد يقول مثلاً شارحاً الفرق بين السلطة في الماضي والسلطة في الحاضر: في الماضي كانت السلطة تحظى بهالة كبيرة لا تضاهى وكانت اقل اشارة من طرف ملوك فرنسا ترفع هذا وتخفض ذاك كانوا يركعون امام الكبار لانهم يمسكون مصير البشر بأيديهم كانت ادنى اشارة من نابليون تكفي لكي يتحرك الجيش الكبير ويغزو اوروبا ويقلب عروشها وكان خطاب واحد من الجنرال ديغول يكفي لكي تهدأ فرنسا، لكي تطمئن كانت السلطة تحظى بهيبة رمزية عالية تصل الى حد القداسة احياناً فالشخصيات التاريخية محاطة بهالة اسطورية والآن ماذا حصل للسلطة في فرنسا؟ لم تعد هناك شخصيات تاريخية في حجم ديغول او نابليون واصبح الناخب ـ اي المواطن ـ هو الذي يتحكم بالسلطة بشكل مباشر او غير مباشر فيكفي ان يصوت لهذا لكي يسقط ذاك ويأخذ السلطة في يده وهكذا يصبح الحاكم بين عشية وضحاها بلا حول ولا طول، ويتحول الى مواطن عادي وهذا ما حصل مؤخراً لرئيس الوزراء ليونيل جوسبان الذي كان الحاكم الفعلي لفرنسا لمدة خمس سنوات في ظل حكم التعايش بين الاغلبية اليسارية ورئيس الجمهورية اليميني ولكن شيراك استلم مقاليد الامور الآن بعد ان هزم خصمه في الانتخابات شر هزيمة وبعد ان كان مذلولاً اصبح ذالاً، بعد ان كان مغلوباً اصبح غالباً، وكل ذلك بفضل ورقة صغيرة توضع في صناديق الاقتراع اما ملوك فرنسا فما كانوا يحتاجون الى هذه الورقة لانهم كانوا يحكمون باسم الحق الالهي الذي تمنحهم اياه الكنيسة الكاثوليكية كانوا يتمتعون بسلطة مطلقة لا تناقش ولا ترد ثم جاء عصر التنوير والثورة الفرنسية وتم قلب العهد القديم وتأسيس الجمهورية الفرنسية على انقاضه وهكذا ابتدأ الفرنسيون تاريخاً جديداً من نقطة الصفر لقد حذفوا ماضيهم السابق حذفاً كاملاً وهنا يكمن السر الفرنسي فالفرنسيون شعب ثوري غاضب احياناً، واذا ما ثار فانه يثور كالاعصار ويحرق الاخضر واليابس كما حصل اثناء مرحلة الرعب من الثورة الفرنسية وكما حصل بعدئذ اثناء كومونة باريس، بل وكما حصل الى حد ما اثناء الثورة الطلابية الشهيرة مايو 1968 هنا تكمن خصوصية الفرنسيين بالقياس الى الانجليز الذين يغيرون الامور عن طريق الاصلاح المتدرج والمعتدل لا عن طريق الاعصار الثوري الجارف ولهذا السبب فان انجلترا دخلت الحداثة بشكل هادئ بل وسبقت فرنسا اليها بخمسين سنة على الاقل اما فرنسا فقد دخلتها بشكل عنيف سالت فيها الدماء انهاراً هنا تكمن خصوصية التاريخ الفرنسي، هنا يكمن سره او لغزه في رأي وزير الخارجية دومينيك دوفيليبان فالثورة الفرنسية التي حصلت عام 1789 والتي اصبحت اشهر ثورة في التاريخ البشري هي التي دشنت عهداً جديداً في التاريخ فقد قلبت النظام الاقطاعي الارستقراطي القديم نظام الامتيازات والمراتبيات الهرمية ومكتب النظام الكاثوليكي الكنسي المتعصب والمتحجر، واتخذت العقل دليلاً وهادياً ولهذا السبب اعجب بها «غوته» على الرغم من انها غزت بلاده عسكرياً عن طريق نابليون فقال عنها جملته الشهيرة «بدءاً من ذلك اليوم الذي اندلعت فيه الثورة الفرنسية ابتدأ تاريخ جديد للعالم» واما هيغل الذي لمح نابليون على حصانه وهو يخترق المانيا فقال تلك العبارة الشاعرية التي ذهبت مثلاً ايضاً: «رأيت الامبراطور، روح العالم، على حصان» بدءاً من تلك اللحظة راحت البشرية الاوروبية تؤمن بالعقل، والتقدم والحرية وتعتقد ان المستقبل الزاهر منفتح امامها الى ما لا نهاية فالبشر استطاعوا ان يقلبوا الاستبداد وان يهدموا سجن الباستيل مثلما هدموا مؤخراً جدار برلين واسقطوا النظام الشيوعي وعرف البشر عندئذ انهم قادرون على نيل الحرية بأيديهم اذا ما ارادوا وحتى كانط المشهور بعقلانيته الرزينة رحب بهذا الحدث التاريخي ورأى فيه علامة على التقدم البشري ويقال بأنه لم يغير «مشواره» اليومي الا مرة واحدة في حياته وذلك عندما اندلعت الثورة الفرنسية ومعلوم انه كان يمشي كل يوم، وفي ساعة محددة تماماً، لبعض الوقت لكي يريح اعصابه ويواصل تأملاته وقد اضطر لقطع هذه العادة لكي يذهب الى حانوت معين كان يتلقى الجرائد الآتية من جهة فرنسا او التي تروي قصة الاحداث التي تحصل هناك ولكن الثورة الفرنسية انقلبت الى عكسها في مرحلتها الثانية ودخلت فيما يدعى بمرحلة الارهاب او الرعب فراحت تأكل ابناءها وراح كل قائد يصفي رفاقه الذين قاموا بالثورة معه في البداية هذا ما حصل لروبسبيير وسواه وعندئذ تحولت الثورة الى استنزاف وتآكل مستمر قبل ان يجيء نابليون ويستلم دفة القيادة وينقذها من هذا الانحدار الجهنمي المخيف وهنا تكمن خصوصية التاريخ الفرنسي بحسب رأي الوزير دومينيك دوفيليبان. ويرى المؤلف ان الثورة الفرنسية ولدت تيارين سياسيين متعارضين الاول هو التيار اليساري الثوري المتمثل بماركس وانغلز، ولينين، وحتى التوسير وبورديو وهذا التيار صاغ عقلية قسم كبير من النخبة الفرنسية والعالمية ولكن خصوبة افكاره تحطمت على صخرة الواقع فالثورة البلشفية تحولت الى نوع من البربرية في الاتحاد السوفييتي كما كشف سولجنستين وعلى الرغم من ذلك فإن اللهب الثوري لهذا التيار ظل مشتعلاً في فرنسا من خلال احزاب اليسار المتطرف ويرى المؤلف وهنا تظهر يمينيته ان التيار اليساري يهدد مصالح فرنسا اذا ما وصل الى الحكم وذلك لانه يؤدي الى هجرة الادمغة والرساميل الى بلاد اوروبا الاخرى، او حتى اميركا واما التيار الثاني فهو ذلك الذي جسده الجنرال ديغول ومعلوم ان زعيم فرنسا الحرة كان قد اختار الخط العقلاني المعتدل: اي الخط الذي يجعل فرنسا تتأقلم بشكل تدريجي ومستمر مع الحداثة والافكار الجديدة لقد اراد ديغول ان يجعل من فرنسا دولة حديثة لكيلا تفقد مكانتها وقيمتها في عصر يتسارع فيه الزمن، اي في عصر الطائرات والمركبات الفضائية، والتلفزيون وشبكات الاتصال، والتبادلات الدولية والديغولية كفلسفة للسلطة ترفض الانغلاق داخل القوالب الايديولوجية كما يفعل الحزب الاشتراكي الفرنسي كما انها مشهورة بالحفاظ على المصلحة العامة لفرنسا وقد تجلى ذلك بوضوح عندما زار جوسبان منطقة الشرق الاوسط واطلق تصريحات لا مسئولة عن «ارهاب» حزب الله ناسياً الارهاب الاسرائيلي الذي دمر المنطقة! لا يمكن لأي زعيم ديغولي ان يرتكب مثل هذه الحماقة ولكن للأسف فإن بعض قادة الحزب الاشتراكي يحرصون على مصلحة اسرائيل اكثر من حرصهم على مصالح بلادهم! ويرى المؤلف ان اليمين الفرنسي مشكل من ثلاثة تيارات اساسية: التيار الديغولي، فالتيار الليبرالي، فالتيار المسيحي ـ الديمقراطي وقد كان الديغوليون هم دائماً قادة اليمين ولا يزالون ويبدو ان تيارهم يضرب بجذوره عميقاً في التاريخ الفرنسي فهم يجمعون بين العظمة على طريقة نابليون بونابرت وبين القيم اليعقوبية والقومية والمركزية للثورة الفرنسية. ويرى المؤلف ان افضل ما اعطته الثورة الفرنسية هو اعلان حقوق الانسان والمواطن الذي به تفتخر به فرنسا على العالم كله كما انها تفتخر بالشعار الثلاثي للثورة الحرية، المساواة، الاخاء. وهو ايضاً شعار انتشر في شتى انحاء العالم ومعلوم انه منقوش في الحجر على واجهة كل المباني الرسمية في فرنسا فالمساواة هي حلم البشرية منذ اقدم العصور وطالما انتفض الناس باسمها من اجل التخلص من الظلم وتحقيق العدالة على هذه الارض ففي السابق كان ابناء العائلات الارستقراطية والاقطاعية هم الذين يحكمون فرنسا وكنت تتمايز على بقية الناس اذا ما شاء لك الحظ وولدت في احدى هذه العائلات وبالتالي فالانسان لم يكن يستمد قيمته من مزاياه الشخصية وكفاءاته وانما من حسبه ونسبه وقد اندلعت الثورة لتغيير هذا الوضع ولفرض مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين البشر ولكن كيف يمكن التوفيق بين الحرية والمساواة؟ فنحن اذا ما اعطينا للناس الحرية فإن اذكاهم واقدرهم سوف يصلون الى اعلى المراتب والى الثروة والغنى هذا في حين ان ذوي المواهب الضعيفة سوف يظلون في اسفل الهرم الاجتماعي هنا يمكن للدولة ان تصحح الوضع لكيلا يزداد التفاوت الطبقي كثيراً بين الاغنياء والفقراء، مع علمنا بأن المساواة الكاملة مستحيلة على هذه الارض وربما كانت غير مستحبة وهذا ما لم تفهمه الشيوعية فسقطت وفقدت جاذبيتها وبالتالي فينبغي ان نحافظ على المساواة من خلال الحرية لا من خلال الاستعباد والاكراه وهذه هي المعادلة التي ينبغي تحقيقها في المجتمع اي مجتمع كان ثم يتحدث الوزير دومينيك دوفيليبان عن ثورة ما يو 1968 ويقول بالحرف الواحد: لقد اندلعت هذه الثورة الطلابية والعمالية الشهيرة بسبب حصول تناقض حاد بين القيم التقليدية للمجتمع الفرنسي وبين الحداثة الاقتصادية والاجتماعية السائدة بعد الخمسينيات وكان لابد ان تظهر قيم تحررية جديدة تتناسب مع الحداثة المادية والصناعية التي توصلت اليها فرنسا في النصف الثاني من القرن العشرين يضاف الى ذلك الطلاق الحاصل بين الاجيال فالجيل القديم الذي عاش الحرب العالمية الثانية وشهدها كان لا يزال مشدوداً الى الماضي ومتعلقاً بالقيم القديمة والجيل الجديد الذي ولد بعد الحرب او اثناءها كان متعطشاً للحرية الشخصية ويطالب بقيم جديدة كان يبحث عن قيم اخرى ويريد التخلص من تقاليد المجتمع الفرنسي العتيقة التي تعود الى القرن التاسع عشر وهي تقاليد اصبحت قمعية في رأيه. لهذا السبب اندلعت الثورة وزعزعت حتى الجنرال ديغول وذلك قبل ان يأخذ زمام المبادرة ويسيطر على الاوضاع من جديد ثم يتحدث الكاتب عن أزمة فرنسا الحالية ويشببها بالأزمات السابقة التي مرت بها على مدار التاريخ ويحذر من خطر الانفجارات الثورية التي تدمر كل شيء لكي تبدأ من نقطة الصفر وهذا هوس يلاحق الفرنسيين منذ ثورتهم الكبرى ولذلك يخشى الوزير الحالي من عودته من جديد وتتلخص ازمة المجتمع الفرنسي حالياً في عدة اشياء اهمها: البطالة حيث يوجد اكثر من ثلاثة ملايين بلا عمل، ثم العمال المغتربون الذين يزيد عددهم عن الخمسة او ستة ملايين ومعظمهم من العرب المغاربة او الافارقة السود وهم يعيشون احياناً في احياء خاصة بهم ولا يدخلها احد وحتى رجال الشرطة يخشون من دخولها ولا يمكن لفرنسا ان تحل مشكلتهم وتدمجهم الا اذا قبلت بدفع الثمن: اي تخصيص ما لا يقل عن مليار دولار لتغيير مساكنهم واحيائهم ورفع مستوى معيشتهم بل وحتى هدم ضواحيهم بالبلدوزر من اجل بناء احياء جديدة وانسانية محلها ولكن الحكومات الفرنسية المتعاقبة لا تزال تتردد في دفع هذا الثمن وتؤجل بالتالي من حل هذه المشكلة المتفاقمة التي اصبحت تهدد مستقبل فرنسا اذا ما انفجرت فالجاليات العربية المغتربة اعطت لفرنسا دمها وطاقة عملها وعرق جبينها منذ اكثر من خمسين سنة وتستحق بالتالي معاملة اخرى اكثر كرماً واريحية.. بالطبع فإن اليمين المتطرف يقترح طرد العمال المهاجرين او اعادتهم الى بلدانهم الاصلية ولكنه حل غير معقول وغير مقبول انسانياً اضافة الى انه يستعصي تنفيذه عملياً فقسم كبير من هؤلاء المهاجرين اصبحوا يحملون الجنسية الفرنسية وقسم آخر يقوم بأعمال يرفض الفرنسي القيام بها وقسم آخر نجح في المجتمع وارتفع الى اعلى المناصب سواء كطبيب، ام كمهندس، ام كاستاذ جامعي، ام حتى كوزير.. وبالتالي فمستقبل العرب في فرنسا امامهم لا خلفهم على عكس غيرهم من الجاليات الاخرى وفي خضم كل هذه المشاكل التي تتخبط فيها فرنسا هناك شخص واحد واقف على قدميه لا يتزعزع هو: جاك شيراك فعلى الرغم من كل المحن والهزات التي تعرض لها فإنه استطاع ان يخرج من المعمعة سالماً ويستلم دفة الحكم من جديد ولمدة خمس سنوات اخرى