بيان الكتب: مارك فومارولي هو مؤرخ فرنسي مختص بالقرن الثامن عشر «قرن التنوير».. وله العديد من المؤلفات في سير شخصيات من القرن .. وهي شخصيات فرنسية او اوروبية. «عندما كانت اوروبا تتحدث اللغة الفرنسية» هو كتاب يستحق اكثر من اشارة.. انه يستحق التوقف عنده اذ انه يطرح.. انه يبحث في تاريخية عصر التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر، الذي كان في واقع الامر قرناً اوروبياً «تنويرياً» ولكنه يدرس ايضاً، ولعل هذا احد مصادر اهتمامه الرئيسية في آليات الدورات «الحضارية». ان موسوعة «ديدرو» تشكل دون شك احد اهم معالم الفكر الانساني. وكتابات جان جاك روسو وفرانسوا وفولتير تبقى قمماً شامخة لم تفقد راهنيتها حتى الآن. اضف الى هذا واقع ان عصر التنوير قد جمع بين تقدم العلوم والتقنيات والفلسفة والسياسة... باختصار كانت بذور التقدم والازدهار موجودة في حناياه «الثورة» و«الديمقراطية» و«العلوم الحديثة» و«السوسيولوجيا» و«حقوق الانسان»... الخ. وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان تلك الفترة كلها كانت ممهورة بـ «الروح الفرنسية» بل كانت تلك الفترة تمثل ذروة الحضور الفرنسي في اوروبا والعالم. لافونتين وبعده موليير وراسين وكورني وغيرهم من مفكري العصر الكلاسيكي وكتابه، مع هذا ليس من السهل الحديث عن «روح فرنسية» واضحة المعالم.. اما مؤلف هذا الكتاب فانه يراها في نوع من «فن الحياة» و«السلوكية الحضارية» ووجود «ادب» خاص وفلسفة و«فكر»... الخ. اما عبقرية هذه الروح الفرنسية فان مؤلف هذا الكتاب يجدها في «اللغة» قبل اي شيء آخر... والتي سمحت بـ «حرية التعبير» مع فن «قول الاشياء الجدية بلغة رقيقة خفيفة» هذه اللغة «الرقيقة» نفسها اصبحت افضل وسائل التعبير عن العواطف، ليس في فرنسا وحدها، وانما في عموم اوروبا الى درجة ان حاشية البلاد لدى قياصرة روسيا والقياصرة انفسهم وسلالتهم يتحدثون هذه اللغة... هكذا يشير المؤلف الى احد قياصرة روسيا في سان بطرسبورغ» قد بدأ قبل وصوله العرش بتوظيف اساتذة له كي يعلمونه اللغة الروسية... ذلك لان لغة التخاطب العادي بالنسبة له، كانت اللغة الفرنسية. وتبدو «اوروبا» في تلك الفترة، كما جاء في تحليلات فومارولي وكأنها كانت «مسحورة» باللغة الفرنسية... لاسيما وان هذه اللغة قد اظهرت آنذاك انها قادرة على التعبير عن كل المتطلبات العلمية والتقنية، وكذلك عن كل الافكار الجديدة. وعن اشياء الحياة الصغيرة والجميلة. ومن هنا لاشك بان قراءة هذا الكتاب تبعث نوعا من الحنين الى فترة مضت وانقضت.. كما يبعث الحزن على لغة هي الان «على المنحدر» فبعد ان كانت محط اعجاب الجميع اصبحت اليوم موضع تهميش و«غالباً من قبل الفرنسيين انفسهم» كما يبين مارك فورمارولي.. بل وان بعض الجامعات الاميركية تعتبر اللغة الفرنسية بمثابة «لغة ميتة». ان مؤلف هذا الكتاب يقدم عددا من الوقائع التي تدل على ان اللغة الفرنسية كانت تحتل مكان الصدارة خلال القرن الثامن عشر في اوروبا اي في العالم حيث كانت «القارة القديمة» هي «البوتقة» التي يتقرر بداخلها مصير الانسانية وحيث كانت الثورة الصناعية في بداياتها الحقيقية. لكن عندما يقول المؤلف بان اوروبا كانت تتحدث اللغة الفرنسية فان المقصود بذلك ليس الشعوب الاوروبية وانما بالدرجة الاولى الطبقات الارستقراطية العليا، لقد كانت اللغة الفرنسية هي لغة آل البوربون في اسبانيا او في نابولي وسلالة «هابسبورغ» في النمسا وجوارها وسلالة كاترين في روسيا لكن الى جانب هؤلاء كانت الفرنسية ايضا هي لغة «جنرالات» الجيوش والدبلوماسيين وابناء الاسر الاوروبية الكبرى. وهناك فئة اخرى يؤكد مؤلف هذا الكتاب بانها كانت تحرص ايضا على التحدث بالفرنسية وهي فئة الادباء والموسيقيين والفنانين والمفكرين هؤلاء جميعا يشكلون النخبة في مجتمعاتهم منذ تلك الحقبة من الزمن ويميز المؤلف بين اوروبا التي تتحدث اللغة الفرنسية «اوروبا القصور» وبين اوروبا التي لم تكن تحب فرنسا بالضرورة والتي تضم بشكل خاص شبكات من العلماء والتجار والاكاديميين والمحاربين بل ومن الطباخين الذين تبنوا في مهنتهم «المعارف الفرنسية» هؤلاء جميعا اهتموا بمعرفة اللغة الفرنسية ولكنهم اهتموا قبل هذا بمصالحهم ولو تناقضت مع مصالح فرنسا. وتتمثل احدى الافكار المركزية التي يرى «مارك فومارولي» بانها تشكل القاعدة او الاطار لشيوع اللغة الفرنسية على المستوى الاوروبي لكن في تحدي الفكرة كون ان القرن الثامن عشر نفسه كان يتميز بتنامي نزعة التفاؤل وما ترتب عليها من بحث عن الحياة والمتعة والفرح ويلاحظ المؤلف في هذا السياق بان الولايات المتحدة الاميركية التي تعتبر من «مواليد» القرن الثامن عشر لاتزال تحتفظ بـ «سمات المرح الساذج والفتي» وهذا ما كانت اوروبا قد فقدته بعد سنوات الرعب 1792 ـ 1794 اي بعد ثلاثة اعوام فقط من الثورة الفرنسية الكبرى التي يرى العديد من المؤرخين بانها استمرت فعليا خلال السنوات الثلاث الاولى التي اعقبت قيامها ولكن قبل ذلك ساد نوع من رغد العيش ومن السلام اللذين عرفتهما اوروبا وتمت وازدهرت على قاعدتهما الفلسفة والادب اللذين كانا «فرنسيين» بالدرجة الاولى ان لم يكن «موطنا» فلغة. ولقد استمرت اوروبا التي يتحدث عنها المؤلف «اوروبا التنوير» الى ان «قضى عليها ابناء التنوير انفسهم، واذا كانت الثورة الفرنسية هي تتويج لتلك الافكار التنويرية التي نادى بها فولتيروروسو وغيرهم فلاشك بان سنوات الرعب التي تلتها اعادت لـ «الملكية الكثير من التعاطف معها مما فتح الطريق لعودتها الى مقاليد السلطة وهذا ما كانت قد عرفته فرنسا نفسها. ومن الملاحظ ان المؤلف يعود مرارا وتكرارا احيانا الى عرض افكار متشابهة ولاشك بان هذا يعود الى واقع ان هذا العمل كان في الاصل مجموعة من المقالات المتفرقة التي كان «مارك فومارولي» قد نشرها في مجلة «كومنتير». لكن النصوص المقدمة تحتوي عامة على مجموعة من الكتابات التي تركها مؤلفو القرن الثامن عشر انفسهم والذين كانوا قد ارادوا ان يدونوا «شهاداتهم» على العصر الذي عاشوا فيه: اي عن «اوروبا الفرنسية في قرن التنوير» حسب تعبير المؤلف، تجدر الاشارة هنا الى ان الشهادات المقترحة ليست لفرنسيين فقط وانما لاجانب وصولا الى «كاترين الثانية» التي احتلت لسنوات منصب القيصر الروسي في سان بطرسبورغ. او اللورد الانكليزي «شسترفيلد» وابنه الذي كان «مارك فومارولي» قد خص سيرة حياته بأحد كتبه. ان وفرة النصوص التي ينقلها المؤلف عن رجالات القرن الثامن عشر الاوروبي ـ الفرنسي تجعل من هذا العمل نوعا من التأريخ لقرن التنوير وبقلم اصحابه ومن خلال رؤيتهم ومن موقع المراقب «المتميز» في مختلف الميادين وعلى مختلف الاصعدة ودائما بكثير من التفاصيل حول عالم كان حب الحياة والفرح يمثل القاعدة الاولى فيه. وفي المحصلة يبدو ان القرن الثامن عشر لم يكن فقط عصر موسوعة «انسكلوبيديا» ديدورو وافكار التنوير وحقبة احترام حقوق الانسان في فرنسا فحسب، وانما على المستوى ولكن الكوني ايضا وهو بذلك كأي تعبير حضاري حقيقي الذي لابد وان يكون كونيا ـ يونيفرسال ـ بالضرورة لكن من الصحيح ايضا القول بان الحضارة الفرنسية قد بلغت اعلى ذراها في القرن الثامن عشر هذا الى جانب فترة حكم لويس الرابع عشر هذا الى جانب فترات اخرى متراجعة في الزمن كما في اهتمامات البشر وذلك فكل الحضارات القديمة التي اصبحت تلقى الترحيب بها في كتب الاثار ـ الاركيولوجيا ـ وفي أروقة المتاحف وصالاتها، هذا ما تشهد عليه حضارة بلاد الغال الرومانية ـ فرنسا حاليا ـ القديمة. هذا كتاب عن عصر التنوير الاوروبي خلال القرن الثامن العشر الذي كان فرنسي الفكر واللغة اساسا لكن لاشك اليوم بان اللغة الفرنسية تتراجع وتتقهقر امام تعاظم الاجتياح اللغوي «الاميركي» الانكلوسكسوني وكأن دورة تاريخية جديدة تتأصل بكل تعبيراتها ولاشك بان عشرات اللغات ـ من بين الآلاف المتواجدة ـ تسير نحو انقراضها» ولكن لاشك ايضا بان اللغة الفرنسية ليست من بين اوائل المرشحين لذلك. كتاب عن فترة التنوير الفرنسي ـ الاوروبي من منظور «هيمنة» اللغة الفرنسية اوروبيا في الامس.. فاليوم حكاية اخرى