بيان الكتب: ساهم في تأليف هذا الكتاب مجموعة من الباحثين العالميين نذكر من بينهم الباحثة المغربية الاصل اميرة ك. بنيسون وهي استاذة في كلية الدراسات الشرقية في جامعة كمبردج كما انها باحثة متخصصة في الدراسات الاسلامية والدراسات الشرق اوسطية، وقد ركزت بحوثها على دراسة تاريخ منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا منذ عام 1750 وحتى الآن كما ونشرت مقالات عديدة عن الثقافة السياسية المغربية في القرن التاسع عشر وسوف يصدر لها كتاب بعنوان: الجهاد وتأويلاته في مغرب ما قبل الاستعمار واما أ.ج. هوبكنز المشرف على الكتاب ككل فهو استاذ تاريخ الكومنولث في جامعة كمبردج سابقاً، واستاذ التاريخ العام في جامعة تكساس بأميركا حالياً من اهم كتبه: الامبريالية البريطانية: التجديد والتوسع ما بين عامي 1688-1914 ثم الامبريالية البريطانية ما بين عامي 1914-1990. الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب هي ان العولمة مصطلح جديد ملأ الدنيا وشغل الناس بدءاً من عام 1990 وحتى الآن ومن المنتظر ان يشغل الناس اكثر ويتخذ اهمية اكبر في العقد المقبل من القرن الجديد ويوجد الآن سيل من الكتابات عن الابعاد الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية للعولمة كما وتوجد مقالات وتعليقات مستمرة في الصحف والمجلات حول نفس الموضوع ومعظم هذه الدراسات تتحدث عن العولمة وكأنها ظاهرة جديدة كلياً ولم يشهدها العالم من قبل ابداً انهم يعتقدون بأنها ظاهرة لا يتجاوز عمرها العشرين عاماً على أكثر تقدير ولكن هناك وجهة نظر اخرى تقول بأن العولمة ذات تاريخ طويل يعود الى القرن التاسع عشر وربما اكثر، ان اهمية هذه الموضوعات لا تحتاج الى دليل ولذا فقد راح المؤرخون يهتمون بها مؤخراً لكي يوضحوها ويكشفوا عن حقيقتها وهذا الكتاب هو عبارة عن محاولة اولى لانجاز ذلك وقد ساهم في تأليفه فريق كامل من المؤرخين والاختصاصيين. يفتتح الكتاب بدراستين مهمتين للاستاذ المشرف عليه أ.ج.هوبكنز الاولى بعنوان: مقدمة عامة. العولمة: جدول اعمال من اجل المؤرخين ويرى فيها ان العولمة اصبحت الكلمة المفتاحية اليوم فلا أحد يستطيع ان يطرق اي موضوع من الموضوعات ان لم يموضعه داخل منظور العولمة وقد انبثقت الكلمة في التسعينيات لكي تدل على تعددية القول المتجاوزة للحدود القومية الضيقة او التي اصبحت ضيقة حالياً وهي قوى فرضت نفسها على العالم المعاصر وهناك امثلة على العولمة كظاهرة نذكر من بينها تدفق الرساميل عبر العالم مع اختراق كل الحدود القومية والقطرية وذلك لان المال لا وطن له ونذكر ايضاً انتشار ثقافة كدنية شعبية عبر العالم من خلال التلفزيون، والسينما، والفيديو، ومختلف وسائل الاعلام الحديثة بل ان كأس العالم لكرة القدم اصبح اكبر ظاهرة تجسد العولمة وذلك لان العالم كله يشاهد مبارياته في نفس اللحظة بمعنى ان العالم بملياراته الستة توحد لأول مرة في التاريخ حول احدى ظواهر العولمة ولكن العولمة قسمت البشرية الى قسمين: قسم مؤيد، وقسم معارض فالقسم المؤيد للعولمة الرأسمالية شعر بفرحة الانتصار بعد سقوط الشيوعية وجدار برلين عام 1989 واعتقد بأن النظام الرأسمالي قد اصبح سيد الساحة بدون منازع والقسم المعارض راح يكشف عن الجوانب القمعية، واللاإنسانية للعولمة التي لا تعبأ بمصير الفقراء والمهمشين والشعوب المستغلة في بلدان الجنوب فالعولمة الرأسمالية تؤدي في الواقع الى نقل الثروات من البلدان الفقيرة الى البلدان الغنية وهكذا يزداد الفقير فقراً والغني غنى ولذلك راحت القوى المضادة للعولمة تنظم نفسها وتقوم بمظاهرات شعبية ضخمة في سياتل عام 1999، وفي براغ عام 2000 وفي لندن عام 2002، والمعركة اصبحت مفتوحة في بداية هذا القرن الواحد والعشرين بين القوى المؤيدة للعولمة الرأسمالية والقوى المضادة لها والداعية الى عولمة جديدة انسانية وعادلة هذه هي معركة المستقبل ولذلك اصبحت المسألة تشغل الفلاسفة والباحثين والمؤرخين اي المثقفين بشكل عام وراحوا يقدمون التحليلات العميقة حول اصل العولمة وطبيعتها، ونتائجها او انعكاساتها على حياة كل واحد منا وقد ظهرت بحوث غزيرة ومضيئة عن العولمة كظاهرة اقتصادية او سياسية، وقل انهم درسوا ابعادها الاقتصادية والسياسية ولكن لم يظهر حتى الآن اي كتاب يدرس العولمة من الناحية التاريخية ولذا يتخذ هذا الكتاب الذي بين أيدينا اهمية استثنائية بالفعل فالسؤال الأساسي المطروح هو التالي: هل العولمة ظاهرة خاصة بالعالم المعاصر فقط، ام ان لها جذوراً في الماضي؟ في الواقع ان الجواب عن هذا السؤال يعتمد على نوعية التعريف الذي نقدمه للعولمة فإذا كنا نقصد بها تحول العالم الى قرية كبيرة عن طريق وسائل الاتصال الحديثة من سلكية ولاسلكية من طائرات وصواريخ عابرة للقارات من تلفزيون وانترنت وفاكس وهاتف نقال وسوى ذلك، فمن الواضح ان العصور القديمة لم تعرف العولمة فهم كانوا يحتاجون الى ايام عديدة او شهور لكي ينتقلوا من باريس الى الرباط او القاهرة في حين اننا لا نحتاج حالياً الى اكثر من ثلاث او اربع ساعات ولكن اذا كنا نقصد بالعولمة رغبة الحضارات القديمة في نشر افكارها ومعتقداتها عبر العالم كله لكي يتبناها او يعتنقها فمن الواضح ان العولمة وجدت سابقاً فالحضارة الصينية، او العربية الاسلامية، او الرومانية كانت تنحو في هذا الاتجاه. كل حضارة كبرى من الحضارات السابقة كانت تنحو باتجاه الكونية اي العالمية او العولمة هذا شيء مؤكد ولكن الشيء المؤكد ايضاً هو ان أياً منها لم يستطع ان يتوصل الى ذلك على الرغم من توسعها او انتشارها الواسع في مناطق عديدة من العالم في هذه الناحية تبدو الحداثة الاوروبية ـ الاميركية وكأنها اول حضارة تستطيع الانتشار في العالم كله وان بدرجات متفاوتة وربما كان ذلك عائداً الى وسائل الاتصالات الحديثة التي لم تعرفها الحضارات السابقة فوسائل الاتصالات هذه تستطيع ان تربط العالم كله ببعضه البعض في لحظات معدودات هذا هو الشيء الجديد فعلاً في ظاهرة العولمة الحالية والذي ستنبني عليه انعكاسات ضخمة لا يعرف الا الله مداها. فهناك شيء سحري تقريباً في ظاهرة العولمة، نضرب على ذلك مثلاً الهاتف النقال الذي يستطيع ان يربطك بأي شخص في العالم في اي لحظة وفي اي مكان كان.. وقل الامر ذاته على الانترنت او الفاكس او الايميل الذي يستطيع ان يربطك بأي شخص في الهند او الصين او اقصى العالم في ثوان معدودات ولهذا السبب راحوا يعرفون العولمة على اساس انها الغاء للزمن والمسافات او تقليص لهما على الأقل وهذا شيء عجيب وجديد كلياً في تاريخ البشرية ولم يتح للأجيال السابقة ان تعرفه ولكن يمكن ان نتحدث عن عدة مراحل للعولمة عبر التاريخ وكل هذه المراحل كانت تنمو باتجاه عولمتنا الحالية التي تعتبر تتويجاً لكل «العولمات» السابقة اذا جاز التعبير فالعولمات السابقة كانت نسبية او محدودة في نطاقها على عكس عولمتنا الحالية التي اصبحت واسعة بحجم العالم ولهذا السبب فإن المؤرخين الذين ساهموا في تأليف هذا الكتاب يتحدثون عن عدة انماط ومراحل للعولمة عبر التاريخ فهناك اولاً العولمة القديمة او العتيقة وهي تدل على مرحلة ما قبل التصنيع وظهور الدولة القومية بالمعنى الحديث للكلمة وقد عاشت البشرية كلها مدة ازمان طويلة داخل هذه المرحلة حتى القرن التاسع عشر او العشرين وكانت شبكات العولمة في تلك المرحلة قد صنعت من قبل الملوك العظام والابطال المحاربين الذين راحوا يبحثون عن الثروة والمقامات العظيمة والشرف في البلدان الرائعة والاراضي البعيدة كما وصنعت من قبل المتصوفين المتدينين والرحالة المهاجرين الذين يبحثون عن الايمان وينشرونه في الممالك النائية وكذلك صنعت من قبل التجار والمغامرين الذين كانوا يبحثون عن الربح والفائدة مغامرين بأنفسهم عبر الحدود والقارات.. واما الدراسة الثانية التي كتبها الباحث الانجليزي المشرف على الكتاب أ.ج.هوبكنز فتحمل العنوان التالي: «تاريخ العولمة او عولمة التاريخ» وهو عنوان ناجح وشديد الدلالة ويبتدئها بدراسة موضوع العولمة والتاريخ الكوني ويقول بما معناه: على الرغم من ان مصطلح العولمة حديث العهد الا ان فلاسفة الماضي كانوا يحلمون بتشكيل تاريخ كوني للبشرية ولا نستطيع ان نفهم السمات المميزة للعولمة الحالية الا اذا رجعنا الى جذورها في الماضي فهناك تراث تاريخي كبير يمتد من ابن خلدون الى ارنولد توينبي وما بعده وهذا التراث كان يدرس تاريخ البشرية كلها او يحلم بدراسته على الاقل بهذا المعنى فإن ابن خلدون كان احد الاوائل الذين فكروا بكتابة التاريخ الكوني للبشرية وان كان قد ركز اهتمامه على دار الاسلام ومنطقة المغرب بشكل خاص واذا ما حصرنا اهتمامنا بالتاريخ الاوروبي لاحظنا ان فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر كانوا اول من فكر بالتاريخ الكوني وليس بتاريخ اوروبا وقد شكلوا ايديولوجيا كوسموبوليتية «اي كونية» تنطبق على جميع البشر او ينبغي ان تنطبق وهي ما يدعى بفلسفة التنوير فالفيلسوف الفرنسي فولتير مثلاً لم يهتم فقط بكتابة تاريخ فرنسا وانما ألف كتاباً ضخماً بعنوان: مقالة حول التاريخ العام وحول عادات الأمم وروحها (1756) وهو كتاب لا يبتدئ بالتحدث عن عادات اوروبا وتقاليدها في ذلك العصر وانما عن عادات وتقاليد الصين وهكذا راح المفكرون لأول مرة يتجاوزون انتماءاتهم الدينية والعرقية لكي يفكروا بالجنس البشري كله وكان ذلك بداية العولمة واما المفكر الالماني في هيردر فقد طرح عام (1774) اسئلة جريئة لا تختلف كثيراً عن الاسئلة التي نطرحها حالياً في سياق العولمة المعاصرة يقول مثلاً: حتى كانت الارض كلها مرتبطة ببعضها البعض من قبل بعض الخيوط الناظمة كما هو حاصل اليوم؟ او: حتى كان البشر يمتلكون كل هذه القوة والآلات التي نمتلكها اليوم والتي تجعلنا نهز امم الارض كلها عن طريق نقفة الاصبع او تحريك آلة واحدة بواسطة الاصبع؟ ثم جاء بعدئذ الفيلسوف الكبير ايمانويل كانط وراح يفكر بمستقبل البشرية كلها وليس فقط بمستقبل بلده المانيا او حتى اوروبا وألف كتاباً مهماً عام (1748) تحت عنوان: أفكار من اجل التاريخ الكوني ضمن مقصد كوسموبوليتي، وقد بلور فيه الفكرة الأساسية التالية: وهي ان الوازع الاخلاقي اذا ما اجتمع مع العقل سوف يشكلان الصيغة الافضل لهداية البشر والسير على طريق الحكمة والتقدم والسعادة وعندئذ تصبح هذه الصيغة المتوازنة قابلة للتطبيق كونياً على جميع المجتمعات البشرية ثم ألف بعدئذ كتاباً آخر يمشي في ذات الاتجاه تحت عنوان: السلام الأبدي بين الامم وفيه شرح خطة لنشر النظام الليبرالي الكوسموبوليتي بين البشر من اجل منع اندلاع الحرب بين الامم وعندئذ يمكن للبشرية ان تعيش في سلام دائم وتتخلص من دمار الحروب ومآسيها فالعقل والاخلاق المستقيمة هما وحدهما القادران على حكم البشر بطريقة صحيحة هكذا نلاحظ ان فكرة العولمة الكونية كانت موجودة قبل عصرنا الراهن ولها جذور في الماضي البعيد ولكن مسيرة التاريخ لم تصدق نبوءة كانط فقد تشكلت الدولة القومية الأنانية في القرن التاسع عشر ولم يتشكل ذلك النظام الكوسموبوليتي الليبرالي الذي كان يحلم به ثم اندلعت الحروب بين هذه الدول القومية الاوروبية المتنافسة على المستعمرات والثروات ومناطق النفوذ في العالم ودمرت بعضها البعض في حروب عالمية وغير عالمية واخيراً فهمت نصيحة كانط فراحت تشكل الوحدة الاوروبية لكي تمنع اندلاع الحروب بينها مرة اخرى وظهر مؤخراً فيلسوف الماني جديد يمشي على خطى كانط ويعيد الاعتبار لنظريته الداعية الى احلال السلام الدائم بين الأمم هذا الفيلسوف الذي يعتبر من اشهر فلاسفة العولمة الكونية حالياً هو يورغين هابرماس فقد دعا الى تأسيس برلمان كوني يعاقب الدول التي تنتهك حقوق الانسان ضد مواطنيها ويحل النزاعات التي قد تنشب هنا او هناك بطريقة سلمية وهذه هي العولمة السياسية مجسدة، حية.. ولكن تنفيذها يتطلب بعض الوقت وان كان السير في اتجاهها قد ابتدأ فلم تعد الانظمة الديكتاتورية بقادرة على فعل كل ما تريد كما كان يحصل سابقاً لانها تخشى من مراقبة منظمة العفو الدولية لها، او البرلمان الاوروبي، او هيئات حقوق الانسان العديدة. صحيح ان التعذيب والسجن التعسفي وقمع الحريات، كلها اشياء لا تزال تمثل ممارسات شائعة في بعض الدول ولكن ممارستها اصبحت صعبة اكثر فأكثر في عصرنا الراهن بفضل هذه العولمة السياسية التي نتحدث عنها فلم يعد اي نظام ديكتاتوري قادراً على اغلاق بيته كلياً ومنع الآخرين من رؤية ما يحدث داخله.. وهذا شيء ايجابي بحد ذاته وواعد بالمستقبل واذن فإن للعولمة جوانب ايجابية لا تنكر ولا يمكن لأحد ان يستهين بها. اما الباحثة اميرة ك. بنيسون فقد ركزت دراستها على مسار العولمة في العالم الاسلامي منذ اقدم العصور وحتى اليوم مروراً بمرحلة الاستعمار ثم مرحلة الاستقلال التي تلتها مباشرة وكان عنوان دراستها شديد الايحاء والدلالة: الكونية الاسلامية والعولمة الغربية