بيان الكتب: يشارك في تأليف هذا الكتاب مجموعة من الباحثين المختصين بأوروبا الوسطى عامة وبتاريخها الحديث بشكل خاص. وهم «يقرأون» في هذا العمل كل من زاوية اهتمامه ما شكلّ اهم محاور تاريخ البلقان خلال عقد التسعينيات الماضي. ان الجميع يتفقون بأن المسلمين في البلقان كانوا في «قلب الاحداث» اثناء النزاع في البوسنة ثم ازمة وحرب كوسوفو بعد ذلك، ويتفقون ايضاً على ان المسلمين في البلقان كانوا يعانون من درجة كبيرة من التهميش خلال العقود التي سيطرت فيها الايديولوجية الشيوعية ببلدان المعسكر الاشتراكي المختلفة. وما يلفت المساهمون الانتباه اليه في هذا الكتاب تأكيدهم على النظرة «الحدّية» التي انقسمت الآراء حسبها الى موقفين متطرفين، رأي احدهما بمسلمي البلقان مجرد «طابور خامس» يعمل ضمن اطار مخططات استراتيجية «خارجية» بينما رأى الموقف الآخر انهم مواطنون اوروبيون» يطمحون إلى تحقيق «دولة القانون» وممارسة «حق المواطنة».ويؤكد المؤلفون بشكل عام على ان هذه النظرة الحدية الخاطئة تعود بالدرجة الاولى إلى جهل الاوروبيين الغربيين بحقيقة المسلمين وأوضاعهم في البلقان. ولعله من المفيد هنا التذكير باحدى امهات الكتب التي صدرت في الغرب عام 1986 لمؤلفه «الكسندر بوبوفيتش» احد اهم ان لم يكن اهم الباحثين المعاصرين في الشئون الاسلامية بوسط اوروبا وشرقها. ان العديد من المساهمين في هذا العمل الجماعي يجدون في اعمال «بوبوفيتش» احد مصادرهم الاساسية من اجل فهم دور الاسلام في البلقان خاصة بعد نهاية الحقبة الشيوعية حيث بدأ المسلمون يعيشون اوضاعاً معقدة في ظل الصراعات القائمة على انقاض الفيدرالية اليوغسلافية السابقة. ان مسلمي البلقان ينتمون «حسب التحليلات المقدمة» باغلبيتهم الساحقة إلى اثنيات اوروبية، واعتنقوا الاسلام قبل الوجود العثماني في منطقتهم حيث تركزوا في البوسنة ومقدونيا وبلغاريا والبانيا. ويشير المساهمون في هذا العمل إلى وجود تنوع لغوي بين مسلمي البلقان اذ بالاضافة إلى اللغات السلافية تتحدث مجموعات منهم التركية، كما يوجد هناك غجر مسلمون يتحدثون بالطبع اللغة الغجرية: كما تتم الاشارة ايضاً إلى وجود تعددية مذهبية: ويشكل المسلمون اغلبية ساحقة في البانيا، هذا وقد حافظت البانيا والى حد كبير على هويتها الاسلامية على الرغم من الخطر المطلق والصارم لممارسة الطقوس والعبادات في هذه البلاد ما بين عام 1967 وعام 1990.. اما في البوسنة والهرسك فإنهم يشكلون 4.6% من مجموع السكان مقابل 33% في مقدونيا و12.5% في بلغاريا و1.5 في اليونان.. تجدر الاشارة هنا الى ان العديد من المحللين يرون ان اليونان تشكل جزءاً من منطقة البلقان. ان احدى النقاط الاساسية التي تعرض لها المساهمون في هذا الكتاب تتمثل في تحليل موقف مسلمي البلقان من الحداثة وحيث يتم التأكيد هنا بأنهم يمثلون مختلف انماط المواقف من اكثرها «حداثة» بالمعنى السائد «الغربي» للكلمة الى اكثرها تطرفا في اظهار بعض الحركات السياسية مع كل ما بين هذين الموقفين من اشكال الممارسات المعتدلة. ونقطة اخرى تجد مكانها في التحليلات المقدمة بهذا الكتاب، وتخص مسألة البحث بـ «اعادة بناء الهوية» والتي بدت موازية لـ «اعادة تأكيد السمة الاسلامية» لدى المعنيين بحيث اعتبر القائلون بمثل هذه التوجه بأن التعاليم الاسلامية تشكل المرجعية الايديولوجية الوحيدة التي يمكن ان تقدم «الهوية» و«اعادة بناء الهوية» على اساسها، هذا ما وجد تعبيره لدى بعض القيادات السياسية مثل عزت بيجوفيتش وعدد آخر من قيادات حركته، وخاصة من بينهم المنظر الايديولوجي «حسن كونجيك» لكن هنا يتم التأكيد في التحليلات على بعض التباينات بين المشاريع السياسية التي أعلن القائمون عليها بأنها «اسلامية» وبين المسألة الايمانية لدى مسلمي البلقان. ويؤكد اكثر من مساهم في هذا الكتاب بأن «الحالة البوسنية» من حيث واقع المسلمين وتطورهم في السياق الراهن، سياق ما بعد الشيوعية والحرب الباردة هي الحالة الاكثر تعقيداً وتؤكد الباحثة ناتالي كلايير احد المشرفين على انجاز هذا العمل، بأن دور «الشرائح الثقافية المسلمة» هو في مقدونيا الحالة التي تركز على دراستها اقل فاعلية في الحياة العامة للبلاد وتؤكد المؤلفة في هذا السياق بأن الجامعات في ظل النظام الشيوعي لعبت دوراً كبيراً في العمل المنهجي من اجل الحد من البعد الاسلامي في تكوين طلبتها. في القسم الثاني من هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «الاسلام في البلقان والاسلام في العالم» يتعرض المساهمون لـ «وزن الارث العثماني» في منطقة البلقان وعلاقة هذا الارث بـ «أزمات الهوية» الراهنة؟ هذا لا سيما وان النظرة السائدة للاسلام في البلقان هي انه اسلام «تركي» بمعنى الانتماء الى الماضي العثماني وتبدو هذه الفكرة اكثر تجذراً عند ملاحظته ان المسلمين اليونانيين، المتواجدين بشكل خاص في شمالي اليونان، والمناطق القريبة من تركيا، انما يتحدثون حتى الآن اللغة التركية» وكانت الحكومة البلغارية الشيوعية السابقة قد تبنت ما بين عام 1983 و1989 حجة الارث الشرعي من اجل «الدمج القسري» للمسلمين البلغاريين في «النسيج الوطني» لغوياً وتعليمياً وايديولوجياً.. الامر الذي ادى إلى نزوح عدد كبير منهم نحو تركيا. لكن وبكل الحالات لا تزال عملية الانجذاب والنفور حيال الماضي العثماني من قبل المسلمين في البلقان، ومن قبل غير المسلمين (النفور) دليل، بهذا الاتجاه، وذاك، على حضور المرجعية العثمانية في منطقة البلقان. وعلى اساس ما تقدم يمكن القول بان هذا الكتاب يشكل «قراءة تاريخية» للواقع في البلقان بمتطلباته الراهنة.. «قراءة تاريخية» وسوسيولوجية ايضاً