بيان الكتب: هذا كتاب ساهم فيه عدد من الصحفيين والكتاب الفرنسيين العاملين في حقل الادب.. كانوا قد ساهموا في صيف عام 2001 بدراسة لكل منهم عن «ادب الرحلات» كما بدا في كتابة احد كبار ادباء العالم وذلك في اطار سلسلة من «التحقيقات» كانت صحيفة «لوفيجارو» الباريسية قد نشرتها.. وهي تصدر اليوم في كتاب.. اما الادباء الذين تم التحقيق بـ «رحلاتهم» فهم من بين الاكثر شهرة، بل الاكثر شهرة، في العالم، من امثال ارنست همنجواي وشارل بودلير ومارسيل بروست وارثر رامبو ولورنس العرب وجاك لندن.. وغيرهم. عندما يضجر الكاتب يأخذ طريق السفر نحو عوالم جديدة كانت لسبب ما قد اثارت اهتمامه.. فليس صدفة ان يسافر هونوريه دوبلزاك الى اوكرانيا وبودلير الى جزيرة موريس ورامبو الى عدن وستندال الى روسيا وهمنجواي الى البندقية.. الخ، ان هؤلاء جميعاً وكما يبدو نتيجة التحقيقات التي اجراها اولئك الذين كتبوا عنهم في هذا الكتاب كانوا قد «هربوا» من اسرهم أو وسطهم او حياتهم.. وفي اغلب الحالات من انفسهم لكن في كثير من الاحيان بدا ان هذا الهروب لم يكن طوق النجاة المطلوب بل كان بالاحرى مثل البحث عن السراب.. ذلك ان اغلبية هؤلاء الشعراء والكتاب الذين حاولوا الهرب من ضيقهم وسط محيطهم اي قد حملوا معهم حيثما ذهبوا قلقهم العميق. وبحثهم عما لا يمكن تحقيقه، وخاصة هدوءهم الداخلي.. ثم يبدو ان خيبة الامل كانت تنتظر في الطرف الآخر من الرحلة «خيبة الامل» هذه وكقاسم مشترك تقريباً توصل اليه المساهمون في هذا الكتاب، انتهت باصحابها الى نوع من «الهروب الى الامام» عبر اللجوء الى الكحول او المخدرات.. أو الكسل.. هكذا نرى ان «مسكوت فيتزجيرالد» صاحب العمل الرائع «رحيم هو الليل» قد غرق بعد ان قصد الشاطيء المتوسطي الكوت دازور الفرنسي بغية تجديد النشاط في الكحول وكدس فضيحة فوق فضيحة.. وها هو ارنست همنجواي في البندقية بجنوب ايطاليا يقع وهو الذي تجاوز الخمسين من العمر بحب فتاة شابة «دوقة» في الثامنة عشرة من عمرها ليهرب منه الاحساس بالطمأنينة التي كان يبحث عنها.. اما شارل بودلير فقد امضى الكثير من وقته في جزيرة موريس وهو يبحث عن المتع الصغيرة بين احضان العاهرات.. ان مثل هذه الحالات تتكرر كثيراً بالنسبة للادباء الذين يتم التعرض لـ «رحلاتهم» في هذا الكتاب. لكن لاشك بأنه كان لهذه الرحلات وجهاً آخر مضيئاً وزاخراً بالخصوبة. ذلك ان جميع هؤلاء الادباء «المتسكعين» في مناحي هذا العالم انما جعلوا من الامكنة التي زاروها ومعها كان نمط الحياة الذي عاشوه في اماكن للخيال والحلم وابدعوا فيها شيئا عنها، وهكذا تنطبق عليهم القاعدة التي كان الكاتب الفرنسي الكبير لافونتين قد قال بها منذ القرن السادس عشر عندما زار ايطاليا «التي لم تعد ايطاليا، بل اصبحت كل العالم الذي اتواجد فيه» حسب تعبيره: اوربما تنطبق عليها بشكل افضل جملة للكاتب الفرنسي سيلين في مقال له من حوالي عشرين صفحة عن رحلة له للولايات المتحدة الاميركية عندما كتب: «ان ارتحالنا هو ابن الخيال تماماً، وهذا هو مكمن قوته.. فهل هو «الخيال» ام «الحلم».. الحلم بمشاهد اخرى وعوالم اخرى وسماوات اخرى كان الشاعر الكبير مالارميه قد دعا وهو الراحل دائما في خياله الى الذهاب اليها في «ارفع صواريك نحو العالم الغريب» كما يقول. ثم هل الكتابة هي شيء آخر غير «اغتراف» المبدع ما يسمو به الى ما هو كوني «يونيفرسال» عبر ارتحاله في اعماق ذاته؟ لاشك بأن الكتابة الابداعية هي شيء من هذا لكنها ايضا مواجهة ابدية بين المبدع وذاته ومهما كانت الاقنعة التي يختبيء وراءها او يخترعها.. ولعل الميل الى الارتحال والسفر هو محاولة للهروب من هذه المواجهة ومن «سجن الذات» نحو «الحياة الحقيقية» ونحو آفاق جديدة وفضاءات اوسع وارحب بعيداً عن تفاهات الوسط المحيط.. ان هذا وراء الجملة التي قالها الكاتب الفرنسي جورج برنانوس عندما قصد البرازيل هربا من فرنسا حيث اصبح الهواء نادراً الى درجة انه لم يعد يحمل في حناياه الكلمة الحرة. كان برنانوس يريد ان يشيد فرنسا اخرى تحت المدارات الاستوائية البرازيلية، ثم لعل رغبة السفر اليوم تبرعم في جميع النفوس بحثاً عن الافضل والاجمل من واقع المجتمعات القائمة اليوم بكل ما فيها من مثالب ومظالم واشكال للقمع.. ولعل هذا ايضا سر النجاح الكبير الذي عرفته رواية الكاتب البرازيلي باولو كويلهو التي تحمل عنوان «الخيميائي» والتي يجوب بطلها الفيافي ويقطع الجبال والوديان بحثا عن اسطورته الشخصية.. اسطورته التي يفهم القاريء في النهاية انما هي موجودة في اعماق نفسه. وفي رحلة البحث عن الحلم لم يجد الكاتب جاك لندن وهو الذي بدأ كتاباته للاطفال اولاً سوى ان يذهب الى اوكلاندا بحثا مع المتطلعين الى الثروة عن الذهب.. لكنه امضى اوقاته هناك متنقلا من حانة الى اخرى.. لقد كان بصيغة ما صورة لبطل وروايته التي صنعت شهرته الادبية والتي تحمل عنوان «نداء الغابة» بكل الاحوال كان »لندن» يردد دائما جملة شهيرة له تقول: «لقد اثبت مبكراً جداً الى العالم».. وقد احب طيلة حياته «البحارة» واصبح هو نفسه في سن السابعة عشرة بحاراً وعاش متنقلا من مرفأ الى آخر وهذا ما رواه بشكل رائع في عمله: «ذئب البحار». اما ستندال هنري بيل ستندال احد اكبر كتاب فرنسا في القرن التاسع عشر وفي كل العصور.. وصاحب «الاحمر والاسود» احد اشهر الاعمال الادبية، فقد امضى شطراً كبيراً من حياته يبحث عن المجد وهكذا كانت رحلته الى روسيا كأحد المشاركين في الحملة على روسيا عام 1812 ولكنه كان مسكونا باستمرار بـ «رغبة الانتقال من مكان الى آخر» كما يقول اريك زيمور صاحب المساهمة عنه في هذا الكتاب التي خص بها رحلته الى موسكو والتي كتب صفحات جميلة عن شوارعها وقصورها ومسارحها لقد كانت موسكو الخيال وموسكو الحلم، بالنسبة وستندال الذي رأى بسكانها نوعاً من الايطاليين الذين يعيشون في مناطق الشمال الباردة الجليدية وهذا ما كانت قد عبرت عنه بامتياز الكاتبة «مدام دو ستايل» عندما زارت روسيا لاول مرة وكتب بعدها: «ان الروس هم اناس من اهل الجنوب ولكن تم اجبارهم للعيش في الشمال». لكن اجمل ما رآه ستندال في موسكو كانت الموسيقى والتي كانت احد اكبر متع حياته والتي قال عنها ذات يوم: «ليس هناك ما ينقي روحي من مجتمع الحمقى مثل الموسيقى، وكل يوم يمر تصبح عزيزة على نفسي اكثر»، تجدر الاشارة اخير الى ان ستندال لم يشارك في حملة نابليون على روسيا كـ «جندي» وانما التحق بها بحثا عن مغامرة اكتشاف عالم جديد.. وما كتبه اثناء تلك الرحلة اصبح احد اجمل نصوص «ادب الرحلات» هذا وقد قدم كاتب الدراسة مقتطفات من مراسلات ستندال التي بعث بها لعدد من افراد اسرته والقريبين من موسكو. ويبقى ارثور رامبو الشاعر الكبير عاشقاً ابدياً لليمن «عدن» التي قصدها وعاش بها شطراً من حياته. ولكن كاتب الدراسة الخاصة بـ «رامبو في عدن» الصحفي والناقد الادبي هيرفي دو سانت هيلير فإنه يرى بأن رامبو عندما وصل اليمن كان الشاعر قد مات في اعماقه واصبح البحث عن المال والثروة هو همه الرئيسي.. وكان رامبو قد كتب اول اشعاره في سن مبكرة جدا، وهو من مواليد عام 1854 وفي سن الثانية والعشرين قام برحلته الاولى الى جبل طارق وقبرص وسومطرة والسويس ليعود بعدها الى اوروبا ليؤكد بعد فترة وجيزة بأنه لم يعد مهتماً بالادب وبأنه لن يكتب بل سيسافر. في عام 1880 اي عندما كان عمره خمسة وعشرين عاما وصل ارثر رامبو الى عدن حيث امضى في المنطقة قرابة عقد من الزمن تاجر فيها بكل انواع السلع بما فيها بل وخاصة الاسلحة.. واصيب عام 1891 بمرض الزهري ـ السفلس ثم بورم سرطاني في ركبته مما تطلب نقلة الى مرفأ مرسيليا الفرنسي حيث بتروا ساقه ليموت في العاشر من شهر نوفمبر بنفس السنة وهو في السابعة والثلاثين من العمر. كانت رحلة رامبو الحقيقية الاولى هي في اعماق ذاته بعد ان اطلق عليه صديقه الشاعر فيرلين النار وجرحه مما دفع به، اي بفيرلين الى السجن لكن رامبو هو الذي كتب سيرة حياته في عمله الشهير «فصل في السجن». ثم اعقبها بعد عام فقط اصدار الاشراقات التي يعتبرها النقاد احد اجمل النصوص في الادب الكوني، لكن هذا الشاعر الكبير تحول فجأة عن عبقرية الابداع نحو هم «الكسب» ليمضي سنوات من عمره بين البحر الاحمر والمحيط الهندي.. ومن عجب العجاب ان رامبو عاش بين قبيلة من الشعراء اشتهرت بهم تاريخيا ارض اليمن كـ «رجل اعمال» بالمعنى الحديث للكلمة.. وانما رجل اعمال متواضع في واقع الامر يقول كاتب الدراسة عن رامبو بأنه بعد وصوله لعدن في مطلع شهر اغسطس من عام 1880 امضى عشر سنوات من حياته بعد ان شغل في البداية منصبا صغيراً كرجل اعمال طموح ولكن دون تحقيق نجاحات تذكر متنقلا عبر البحر الاحمر الى الحبشة وممالك افريقيا الشرقية الاخرى. وكانت اليمن في تلك الفترة قد بدت له والكثيرين غيره.. بمثابة «الدورادو من الرمال والبحار وكانت عدن مرفأ مزدهراً للتجارة.. وعبر نقطة الانطلاق هذه يقوم كاتب الدراسة بمقارنة بما كانت عليه عدن آنذاك.. وما اصبحت عليه الآن. لكن رامبو عاش لحظات من الضجر في عدن.. وقد كتب في احدى رسائله لاسرته بعد اسابيع قليلة من وصوله اليها وربما سأذهب الى زنجبار حيث الاعمال مزدهرة هناك... والمؤسسة التي اعمل بهاـ فياني باردي وشركاه.. تمتلك ايضا قوافل في افريقيا. وبالتالي ربما سأذهب الى هناك حيث استطيع ان احقق ارباحاً كبيرة وحيث يمكن ان يكون ضجري اقل مما هو في عدن المكان الاكثر اثارة للضجر في العالم وبكل الاحوال بعد البلد الذي تسكنه لقد كان مؤلف الاشراقات يحمل اذناً قلقة انى حل وارتحل، وبعد عامين فقط من هذه الرسالة يؤكد رامبو في رسالة اخرى لاسرته: مازال اعمل في المؤسسة نفسها واكد كالحمار في بلد تثير في داخلي رعباً متأصلاً.. واتمنى بهذه الطريقة في العيش ان تنتهي قبل ان اصبح ابلهاً حقيقياَ. هكذا كتب صاحب «الاشراقات» التي وصل الشعر فيها درجة من السمو الشعري دفعت الشعراء الفرنسيين المعاصرين الى القول: ماذا يمكن للشعر ان يقول بعد رامبو. وهناك اديب آخر من نوع خاص هو «لورنس العرب» ذلك الجندي الشاب في الجيش البريطاني والذي بحث عن المطلق في رمال العقبة، ما تقول ارينا دو شيكوف التي كتبت عن مغامرته وكان لورنس من مواليد عام 1888 قد قام برحلته الاولى الى الشرق الاوسط عندما كان عمره 21 سنة بغية زيارة القصور التي خلفها الصليبيون وراءهم.. وخلال الحرب العالمية الاولى عاد الى المنطقة من جديد بصفة ضابط يقاتل مع العرب ضد الاتراك ويتعرف على العقبة ودمشق والعديد من مناطق الصحراء العربية تحت اسم مستعار هو «روس» وحيث انجز عام 1925 كتابه الشهير بصيغته الرابعة ـ الاخيرة ـ اي «اعمدة الحكمة السبعة». لقد كان لورنس اسطورة يلفها الكثير من الغموض وكان الشرق هو البداية التي سعى من خلالها بلوغ المطلق، ولربما انه اراد تحقيق حلم رامبو بعيدا عن اعماله التجارية وبكل الحالات تصفه كاتبة الدراسة بأنه قد بقى لغزاً.. سراباً مثل تلك التي نراها في صحراء الاردن. وكتاب دعوة للقاريء الى مرافقة كبار مبدعي كل العصور في رحلاتهم مع الرجاء بـ «السلامة والتوفيق»