بيان الكتب: هذا اللقاء المطول اجراه معهد التاريخ للدراسات الدولية في الولايات المتحدة مع الروائى والكاتب الياباني كينزابورو اوي، الحائز على جائزة نوبل في الادب عام 1994، وذلك اثناء زيارته مركز الدراسات اليابانية ومركز تاونسند للعلوم الانسانية لالقاء احدى محاضراته. واشتمل اللقاء على عدة محاور تدور حول خلفية الروائى الثقافية وادب الهامش الذي تمثله اعماله في مواجهة ادب المركز، اي طوكيو، وتوجهاته السياسية التي شهدت تطور كبيراً منذ انطلاقه في بداية العمر مع حركة الاحتجاج الطلابي التي شملت العالم بأسره، ولم تكن اليابان استثناء في هذا الصدد. ـ في مقابلة اجريت معك قلت ان الفعل المتعلق بالسعي الى التذكر والفعل المتعلق بالابداع لديك كانا قد بدآ بالتداخل وان هذا هو ما جعلك تبدأ بكتابة الرواية. ـ نعم، قلت ذلك، واريد ان اضيف شيئاً اخر، اذا سمحت لي بذلك وهو اني كذلك ابدأ حسب منهج الخيال، على اساس من الخيال وبالتوجه نحوه. ـ ما هي الكتب التي قرأتها في مقتبل العمر؟ ـ لم اقرأ الكثير من الكتب قبل بلوغي التاسعة. كنت مفتوناً بحكايات جدتي، كانت تتحدث عن كل شيء تقريباً، عن عائلتي وعن المنطقة التي نقيم فيها، وهكذا فقد كان ذلك كافياً بالنسبة لي، لم اكن بحاجة الى الكتب في ذلك الوقت. لكن ذات يوم عادت جدتي الى البيت في وقت متأخر من الليل، واعطت اختي عروسة صغيرة، واخي الصغير بعض الكعك، ثم اخرجت من جيبها كتابين من الكتب المعروفة باسم كتب الجيب، واعطتني اياهما، وكان مكتوباً عليهما اسم مارك توين. لم اكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل او اسم توم سوير او هكلبري فن، لكن امي اخبرتني بها، وكان ذلك هو الحوار الاول بيني وبينها عن الادب، كما كان الاخير تقريباً قالت: «هذه الرواية تناسب طفلاً في سنك وتناسب من هو اكبر منك سناً، هكذا يقول والدك، لذا اشتريتها لك». الا ان جدتي اسرعت الى القول: «كن حذراً وعليك أن تعرف ان مؤلفها امريكي. وكما ترى فإن الحرب بيننا وبين الامريكيين مستمرة. وربما لن يسمح لك المعلم بقراءتها لكن اذا سأل عن مؤلفها فيجب ان تقول له ان مارك توين هو الاسم المستعار لكاتب الماني». ـ اطلقت على نفسك لقب «كاتب الارخبيل». ومن جهة فإن هذه اشارة الى جذورك ولكن من جهة اخرى فأنت تعني اكثر من ذلك. هلا اوضحت لنا ما تعنيه بعبارة «اني كاتب الارخبيل». ـ لقد ولدت في جزيرة صغيرة. واليابان كما تعرف هي نفسها تقع على ارخبيل اسيا. هذا شيء بالغ الاهمية، فاصحابنا المتنفذون يتصورون ان اليابان هي مركز اسيا. وبينهم وبين انفسهم يخيل لهم ان اليابان هي مركز الكون. لكنني اقول باستمرار انني كاتب من الارخبيل من منطقة تقع على الارخبيل من اليابان التي تقع على ارخبيل اسيا من بلد يقع على ارخبيل كوكب الارض. اقول هذا بفخر. ان الادب يجب ان ينطلق من الارخبيل باتجاه المركز، ويحق لنا ان نوجه الانتقاد للمركز. كما ان عقيدتنا وافكارنا وخيالنا كلها ارخبيلية. والانسان الذي يعيش في المركز ليس لديه ما يكتبه. من الارخبيل نستطيع ان نكتب قصة الانسان وهذه القصة يمكنها ان تشتمل على ما يعبر عن الطبيعة الانسانية للمركز، وبالتالي عندما استعمل هذه الكلمة ـ الارخبيل فانها ستكون بمثابة التعبير عن أهم عقيدة لي. ـ ولادة ابنك كانت بمثابة نقطة التحول التي ساعدت على تكوينك ككاتب، ومرة كتبت «قبل خمسة وعشرين سنة، ولد اول ابن لي وكان يعاني من تلف في الدماغ كانت تلك صفعة لي هذا اقل ما يمكنني ان اقوله، لكن الرغم من ذلك فان الامر يتطلب مني ان اشير الى حقيقة هامة هي ان الفكرة الرئيسية التي تتمحور حولها اعمالي طوال فترة عملي في الكتابة كانت تدور حول موضوع واحد هو الوسيلة التي تمكنت بواسطتها اسرتي من التعايش مع فكرة وجود طفل معاق فيها. ـ نعم، باختصار شديد كتبت هذا في الثامنة والعشرين من عمري ولد ابني وكنت حينها كاتبا معروفا الى حد ما في اليابان وكنت ادرس الادب الفرنسي ايضا في ذلك الوقت وكنت اتحدث بلغة جان بول سارتر او ميرلو بونتي وكنت اتحدث باستمرار عن كل شيء في هذا العمل لكن عندما ولد طفلي بهذه الاعاقة الشديدة لم اعد قادرا حتى على قراءة ما كتبته عندها قلت لنفسي: «انني لاشيء، وكتابي هو ايضا لا شيء». وهكذا انتابني شعور بالحزن الشديد بعدها عرض علي صحافى كان يعمل في مجلة سياسية ان اسافر الى هيروشيما المكان الذي القيت فيه القنبلة الذرية وهناك في هيروشيما قد اجتمع باعضاء حركة السلام المناوئة لاستخدام القنبلة الذرية. وشهد الاجتماع خلافا حادا بين المجموعة الصينية والمجموعة الروسية، وكنت انا الشخصية المستقلة الوحيدة فأبديت انتقاداتي للجانبين. هناك شاهدت المستشفى التي يقيم بها الناجون من هيروشيما والتقيت د. فوميو شجيتو، وفي حواري معه ومع المرضى اكتشفت ان هناك ما يشجعني على الكتابة وهكذا فقد عدت ادراجي الى طوكيو وتوجهت الى المستشفى الذي يوجد فيه طفلي حديث الولادة وتحدثت الى الأطباء عن رغبتي في انقاذه ثم بدأت اكتب عن هيروشيما وكانت تلك هي نقطة تحول في حياتي تستطيع ان تقول انها ولادة ثانية. ـ يقول ليونيل ترلنج ان الاعتراف هو احد الامور الاكثر جرأة واهمية التي يستطيع الكاتب ان يفعلها وهذا ما فعلته انت في رواية «مسألة شخصية». ـ نعم، اردت ان افعل ذلك، في مرحلة مبكرة لم افكر في اهمية ان اكون انسانا ملتزما، كنت افكر في نفسي وفي الكتابة عنها، لكنني فكرت في ابي وقررت ان انقذه ولهذا كتبت هذه الرواية كما اعتقد. ـ باعتقادك، هل يختار الكاتب موضوعاته ام ان هذه الموضوعات هي التي تختاره؟ ـ تقول نادين جورديمير اننا لا نختار موضوعاتنا او اوضاعنا او قصصنا. الموضوعات هي التي تختارنا، هذا ما يهدف اليه الكاتب، ان الزمان هو الذي يختارنا ككتاب وكل ما يتوجب علينا فعله هو الاستجابة لذلك ومن تجربتي الشخصية يمكنني ان اقول الشيء ذاته، انا لم اختر قصة الابن المعاق وبمعنى آخر فنحن لم نختر فكرة الابن المعاق الذي يعيش بيننا في الاسرة ولو ان احدا خبرني في هذا لرفضته لكن شيئا اختارني لكي اكتب عنه ابني هو الذي اختارني وهو احد الاسباب الواضحة التي تحملنى على الاستمرار في الكتابة. ـ في مقالة اخرى كتبت: لقد كان المبدأ الاساسي في كتابتي هو البدء بقضاياي الشخصية ثم ابدأ بربطها بالمجتمع بعد ذلك ثم الدولة ثم العالم». ـ ما اتصوره هو انني اقوم بعملي هذا لربط نفسي وعائلتي بالمجتمع وبالعالم وكوني اسعى الى ربط نفسي وعائلتي بالعالم هذا امر سهل لان الادب كله ينزع الى الاشتمال على بعض الخصائص الغامضة وبالتالي فعندما نكتب عن عائلاتنا فاننا نستطيع ان نربط انفسنا بالعالم لكنني اردت ان اربط نفسي وعائلتي بالمجتمع وعندما نربط انفسنا بالمجتمع ففي ذلك الوقت نحن لا نكتب عن اشياء شخصية وانما نكتب رواية مستقلة. ـ في روايتك «عائلة شافية» تقول بان الدروس التي تعلمتها في كيفية تحويل طفل من طفل معاق الى فاعل في اسرتك كانت على نحو اشمل نموذجا للكيفية التي يجب ان يتعامل بها المجتمع مع هذا المعاق، وكيف انه يجب ان يتعلم منها، والخلاصة انه من الممكن للمرء ان يوجد مجتمعا شافيا بايجاده عائلة شافية. ـ نعم، آمل في ذلك لكنني لا أرمي هنا الى التأكيد على الدور الذي يجب ان تقوم به اسرة الطفل المعاق. لا أرمي الى التأكيد على الفردية لأننا باستمرار عندما نربط اسرنا بشكل فردي بالمجتمع فإن ذلك لابد ان تكون له قيمته الاجتماعية. أتصور انني عرفت الشيء الأهم، ليست هناك قضية شخصية، ويجب علينا ان نطمح الى ايجاد العلاقة بين أنفسنا، وبين قضايانا الشخصية والمجتمع. ـ ما هو الدور الذي يجب على الكاتب ان يلعبه على صعيد الوضع السياسي الراهن؟ ـ ان نقدم خدماتنا الى المجتمع هذه هي السياسة وأنا لا أطمح الى لعب دور كصانع سياسة. ـ لا تريد ان تكون هنري كيسنجر مثلاً؟ ـ شهدت ذات مرة مؤتمرا حضره كيسنجر، وفي أثناء وداعه قال كيسنجر بابتسامة خبيثة: «ان ابتسامة اوي تشبه ابتسامة الأرنب الشرير الذي يظهر في أفلام الرسوم المتحركة». إنني لست شريراً، لكنني أفتعل هذه الابتسامة في وجه صناع السياسة، لكن على الرغم من انني لست رجل سياسة، إلا انني اريد ان أصنع شيئا يتعلق بالسياسة من خلال الناس الذين أعبر عن حياتهم من خلال كتاباتي. ـ ما الذي يحتاج اليه الكاتب الياباني لكي يضيف الى الخطاب الثقافي في اليابان، الخطاب يبدو لنا مادياً الى أبعد الحدود ومفتقراً الى القيم الانسانية في ظاهره؟ ـ انتقدت مواقف اليابان تجاه آسيا والعالم قبل الأزمة الاقتصادية التي شهدتها اليابان، كما فعلت الشيء نفسه قبل ذلك عندما كنا فقراء، وكنت قد بدأت بانتقاد مواقفنا تجاه آسيا. واستمر ذلك في اثناء مرحلة الرخاء الاقتصادي. وبعد ذلك رأيت ان من الافضل ان أستمر، خاصة واننا نمر الآن بأزمة اقتصادية. نحن في اليابان نريد ان نؤسس لموقف قومي حقيقي جديد بعد هزيمتنا في الحرب، ولسنوات كنا نريد ان نؤسس ديمقراطية، وانسان ديمقراطي وبلد ديمقراطي. لكنني أتصور اننا قد يئسنا والآن وبعد ان مرت خمسون عاما على ذلك هناك جو من العداء للديمقراطية في اليابان، وهكذا فهم يطالبون بعودة حالة المغالاة في القومية، إلا انني أشعر بأن الامور قد بدأت تلتبس عليّ، فهناك جو خطير من القومية آت في طريقه الى مجتمعنا. وبالتالي فأنا الآن أرغب في توجيه النقد الى هذا التوجه. وأريد ان أفعل أي شيء للحيلولة دون نمو الفاشية في المجتمع الياباني. ـ هل تضيف لأعمالك الروائية وموضوعاتك الانسانية شيئا الى الجدل الفكري بحيث انها تسهم في جعل هذه الفاشية أقل احتمالاً للنمو في المجتمع الياباني؟ ـ عندما كنت في هيروشيما سمعت د. شجيتو يقول: «عندما لا تكون قادراً على التفكير في أي شيء تفعله، فلابد ان تفعل شيئا، وبالتالي فأنا أتصور انني لو كنت أملك بعض القدرة على التأثير في المفكرين والمبدعين الشباب، لأمكنني ان أؤسس سلطة مختلفة، لأن الأزمة التي نمر بها الآن هي احدى النتائج المتمخضة عن الشعور غير الواعي بالمغالاة في المشاعر القومية. لو كنا نكتب عن هذا باختصار، لو كنا نهاجمه لاستعاد هؤلاء المفكرون الشباب وعيهم المتعلق بهذه المشاعر. هذا ضروري في البداية. ـ هؤلاء المبدعون المفكرون ربما تصدوا لهذه القضايا وساعدوا على اثراء المناظرة العلنية بالطريقة نفسها التي نراها تحدث في رواية «مسألة شخصية» عندما يواجه الشاب بيرد واقعه. ـ نعم أريد ان أطلب من شبابنا والمفكرين الشبان ان يواجهوا واقعهم. ـ الكثير من أعمالك تركز على الشباب وعلى سبيل المثال روايتي «اسمعوا البراعم» و«اقتلوا الاطفال» تقع الأحداث في معسكرات الشباب الاماكن التي لا توجد بها قيم البعيدة عن المدنية.. ما هو الدور الاستثنائي الذي يمكن ان يلعبه الشباب في صياغة وتطوير تفكيرنا في هذا العالم؟ ـ يتوجب علينا ان نخلع سترة الرجل العجوز يجب علينا ان نكون الانسان الجديد. وحده الشاب يستطيع ان يفعل شيئا. على الشباب ان يصبحوا بشرا جددا. وعلى الرجل العجوز ان يسعى الى حل الخلافات ليسهم في ايجاد انسان جديد. هذا هو مبدئي. انني أفكر باستمرار في الدور الذي يجب أن يلعبه الشباب في اليابان. مريم جمعة فرج