بيان الكتب: تأتي أهمية هذا الكتاب من أنه مبحث لغوي ومعجمي عن مصطلح «السفينة»، في اللغة العربية، حيث جمع مؤلفه هانس كندرمان نحو أربعمئة اسم لأنواع السفن المختلفة، التي كانت تجوب البحار والمحيطات تجارة وحرباً وأداء مهمات خاصة، وهو إلى ذلك معجم مهم يضاف إلى المكتبة العربية، سيما وأن الكتب التي تعرضت لتسميات السفن هي إما تراثية قديمة، أو استشراقية منقوصة دونت في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. وبذلك فإنه يفيد الباحثين العرب في الوقوف على جملة من الدلالات التاريخية والحضارية المهمة، وخصوصاً في علاقة العربي بالبحر وعلوم الملاحة، التي ظلت مجهولة لدينا، أو إنها لم تدخل في إطار الثقافة العامة التي أسس لها شعر صحراوي نمطي، الأمر الذي دفع بالكثير من الباحثين الغربيين والعرب مع الأسف إلى استنتاجات مغلوطة حول علاقة العرب بعلوم الملاحة والبحار، وإلصاق صفة البداوة بهم، بينما كانوا في السابق يوصفون بـ «شعوب البحر»، ودليلنا على ذلك أن الناظر اليوم إلى خريطة شبه الجزيرة العربية، والشرق الأوسط عموماً، سيجد أن المدن والأمصار تمركزت على الشواطئ والأنهار، وليس من المعقول أن أمة تمتلك كل هذه الأنهار والبحار والمحيطات، تظل على عداء مع البحر، فلا تجانبه أو تغامر في تدشين دروب من خلاله، والباحثون في مجالات الملاحة العربية أكدوا منذ أزمان أن أحد خطوط الملاحة بين شبه الجزيرة العربية والهند بدأ منذ عصر موغل في القدم، لتتطور فيما بعد علوم البحر بفضل المعرفة العلمية لحسابات النجوم والتيارات المائية وقياسات الأعماق وغير ذلك. يعتمد المؤلف في مبحثه هذا على جملة من المراجع والمصادر التي درست هذا المصطلح من قبل، ومنها مبحث «فوستنفيلد» عام 1880 بعنوان «أسماء السفن العربية» الذي قدم فيه اقتباساً من كتاب «قوانين الدواوين» لابن مماتي (544 هـ ـ 606 ه)، بالإضافة إلى متابعته الدؤوبة للمعاجم العربية والأجنبية المعروفة من مثل: القاموس المحيط للفيروز آبادي، والصحاح للجوهري وبعض القوائم لأسماء السفن التي ذكرها المقدسي في كتابه «ذكر الأسامي واختلافها»، وما جاء في حكاية أبي القاسم البغدادي بتحقيق آدم ميتز، و غيرها، هذا بالإضافة إلى الكثير من المعجمات الأجنبية المشهورة لـ دي غويه، واللورد مونستر، ودوزي، ولين وغيرهم. ويؤكد الباحث في معرض تقديمه للكتاب أن أحسن عرض لأنواع السفن جاء في أخبار الرحالة الأوربيين الذين ذكروا أوصاف السفن اللافتة للنظر بين آونة وأخرى، مؤكدين تنوعها ومقارنين إياها مع السفن الغربية، كما أنه نوه إلى مقدار استفادته من المؤلفات الغربية لما تحتويه على فهارس الكلمات، نظراً لأن المراجع العربية تخلو من هذه الفهارس. ويؤكد الباحث في مطلع دراسته اللغوية هذه أن قابلية العرب المثيرة التي تدعو للعجب بأخذ الكلمات وضمها إلى لغتهم ضماً يجعل من الصعب التعرف على شكلها الأصلي، وهي إلى ذلك تجعل من الصعب القيام بأية محاولة دراسية اشتقاقية، وهذا أمر يؤكد إلى أي مدى كان العربي ملماً بالكلمة المعنية ضمن نطاق ثروته اللغوية. أما منهجه في البحث، فإنه يعتمد أولاً على تصنيف أسماء السفن بحسب التسلسل الهجائي، حيث يتناول المفردة وجمعها، والمعاجم التي تناولتها، وإن كانت عربية أو معربة، واشتقاقاتها المختلفة، والبحار التي كانت موجودة فيها، وآليات استخدامها وغير ذلك من أمور تعني الباحثين، وعلى سبيل المثال سنورد بعض المصطلحات التي أوردها، لتتبع منهجيته في البحث: أسطول: وجمعها أساطيل Flotte وفي الإغريقية (انظر ZDMG عدد 51 ص 294 و ML ص 8267) وهي ليست مذكورة في صحاح الجوهري، ولا في قاموس الفيروز آبادي، وأما المقريزي فلا يحسب هذا اللفظ عربياً، وبعض مؤلفي المعاجم يعتبرونه من العربية (قارن تاج العروس ج 7 ص 375 سطر 29). وبجانب معنى أسطول Flotte لها معنى«باخرة» و«باخرة قتال» (للقتال ضد الكفرة في البحار كما جاء في تاج العروس ج 10 القاهرة 1306 ه)، وتأتي الكلمة بمعنى «سفينة بحرية ذات مجاذيف Galeere في (المقدمة لابن خلدون، ج 1 أ ص 325 العمود 2 من الأسفل ذاكراً» الأساطيل التي تتحرك بالمجاذيف»). وترد الكلمة جمعاً في كتاب Quatrem. وإلى ذلك فإنه سوف يتابع المراجع التي تناولت كلمة اسطول كمجموعة من السفن الحربية، فيذكر ما جاء في كتاب المسعودي «التنبيه» ، ثم يتعرض للكلمات الأخرى التي تقابلها من مثل: أُفروطة، رمادة، عمارة، دوننما، متابعاً أصول الكلمة في اللغات المختلفة. أما بالنسبة لتسمية «بوم» وهي التسمية التي مازالت حية حتى يومنا الراهن في بلدان الخليج العربي، فإنه يقول: بوم، وجمعها أبوام، وقد سمع «هيس» من بعض الكويتيين تعريفه وهو: «سفينة أصغر من البغلة تحمل نحو خمسين ألف كيس من الرز، ولكنها لا تنقل الخيول». ونجد لدى «رتر» أن البوم اسم نوع من السفن الشراعية تعمل في البصرة والخليج العربي، وهي أكبر سعة من بقية السفن النهرية الشراعية.. وعلى هذا المنوال من البحث المنهجي يتابع المؤلف تسميات السفن في نحو 280 صفحة، ثم يختتم مبحثه بجملة من الملاحظات الختامية، فينوه إلى أن اقتفاء أثر كلمة ما مثير للاهتمام، وبالأخص عندما تدل ـ عبر العصور التي تمر بها ـ على تأريخها وتغيرها وتطورها شكلاً ومعنى، وإن مثل هذه النظرة تجعل الكلمة تحل نفسها من بين الخيوط المتنوعة التي تربطها مع اللغة كلها. فالكلمات على حد تعبيره تشكل اللغة، وهي إلى ذلك تكون جسداً حياً يشبه تمام الشبه الجسم الإنساني، حيث يخضع العضو الصغير لقوانين الجسم الحي لكي يعيش، أو عليها أن تتخلى عن وجودها لكلمة أصغر منها عمراً وأشد حيوية وذات أهلية وصلاحية قوية للبقاء، ومن هنا فإن مصطلح السفينة سترافقه مجموعة كبيرة من المرادفات التي يمكن النظر إليها من وجوه مختلفة ترتبط بالزمان والمكان، وذلك بأن يتساءل الباحث عن كيفية توزع تعبيرات السفينة جغرافياً، وأي المياه والبحار تختص بها هذه السفينة أو تلك، وأي السفن هي قديمة وما زالت على قيد الحياة، وأي السفن القديمة تزاحمها الجديدة؟ وأي السفن هي مرادفات في المعنى الضيق، وأي السفن تدل على الزورق وعلى مركب شراعي له ثلاثة صوار وسفينة حربية وباخرة، وما هي التأثيرات التي طرأت على المعنى، وما هي الظروف والأحوال التي تبعث الكلمة القديمة إلى الحياة من جديد، وأي تقدم ثقافي حضاري يؤدي إلى قيام كلمات جديدة ضرورة؟ أما عن رأيه حول تواجد الكلمات الأجنبية (الأعجمية) فإنه يرى أن مصطلح السفينة وفي كل اللغات هو الأكثر انتشاراً، وذلك لأن الكلمات تسافر مع الشيء (أي مع السفينة ذاتها) وليس للكلمات العربية أي استثناء في هذه الحالة، بل يمكن للمرء أن يقول: إن البحث في هذه المصطلحات أو التعبيرات هو دراسة مهمة للكلمات الأعجمية في العربية، وليس هناك مؤلف اشتقاقي إلا ونجد فيه لكلمات «السفينة» اهتماماً كبيراً. ويخلص المؤلف إلى أن الشعب الذي صاغ عشرات التعبيرات لوصف «سفينة الصحراء» أي الجمل، وهي الكلمة الأكثر استعمالاً والتي ما زالت حية في اللغات الأوربية، فقد أنتج بدوره وفرة مثيرة من الكلمات من خلال التطور الكبير الذي ترافق مع الدولة العربية على مختلف الصعد، ومنها علوم الملاحة والبحار، التي مكنت العرب من السيطرة على البحار في أجواء تنافسية حادة مع الدول والممالك الأخرى، الأمر الذي أدى إلى تحقيق تقدم نوعي على أيديهم في هذا المضمار إلى حد لم يسبق له مثيل. وينبغي أن ننوه في الختام أن هذا الجهد الكبير ما كان له أن يدري به القارئ العربي لولا جهود مترجمه نجم عبد الله مصطفى، الذي لا شك أنه عانى كثيراً في ضبط هذه المصطلحات جميعاً من خلال بحثه عنها المصادر والمراجع العربية التي عنت بهذا الشأن، وهو جهد فائق ويستحق الشكر، وذلك لأن كتابه هذا سيكون له أبلغ الفائدة لسائر المهتمين باللغة والبحث والإبداع. عزت عمر