يغيب عن أذهان الكثير من عامة الناس المخاطر الصحية لاستنشاق ذرات الغبار والتراب التي يحملهما الهواء الجوي. ويدخل الغبار مع هواء الشهيق الى الرئتين، كما يلوث الطعام والشراب نتيجة سقوطه بفعل الجاذبية الارضية عليهما، ويكون الغبار اكثر ضرراً على صحة الاطفال لصغر احجام اجسامهم وتأثرهم أكثر بما يحتويه من مركبات كيماوية او يحملها معه. كما يؤدي ترسيب كميات كبيرة من ذرات الغبار والتراب على أوراق النباتات الى انسداد مساماتها التي يحدث خلالها عمليات التبادل الغازي لها، ويزداد خطر تعرض الانسان لذرات الغبار في المدن المزدحمة بوسائل النقل والقريبة من الاراضي الصحراوية والمناطق الصناعية والاحياء التي تنشط فيها عمليات البناء وتسبب ثورات البراكين اندفاع كميات كبيرة من الاتربة والدخان يحملها الهواء، كما ينطلق نتيجة الانفجارات الطارئة في المفاعلات النووية سحابة ضخمة من الغبار ملوثة بالاشعاعات، ويتعرض العاملون بصناعة البناء ومقالع الاحجار بدرجة اكبر لدخول ذرات التراب والاسمنت الى رئاتهم وحدوث تأثيراته الضارة على صحتهم، ولقد اعتاد القدماء اهمال جمع مياه الامطار في بداية موسم هطولها اعتقاداً بضررها على الصحة، ويعزى ذلك الى ارتفاع نسبة تلوثها بما يحمله الهواء من ذرات الغبار والجزيئات الكيماوية التي تمتزج مع قطرات المطر الاولى عند سقوطها على الأرض. يختلف تركيب ذرات الغبار التي يحملها الهواء حسب مصادرها، فقد تكون عبارة عن جزيئات السيلكا ومصدرها التراب والرمال اللذان تحملهما الرياح والعواصف من الاراضي الصحراوية، او بلورات الاسبستوس عند استخدام منتجاته، كالصوف الصخري في صنع العوازل الحرارية في المباني وفي أقمشة فرامل السيارات وكلاتش الفرامل وسواها، أو ذرات الاسمنت من مصانع انتاجه او عند استعماله في تشييد المباني، او من عنصر الرصاص الموجود في ذرات الغبار التي يحملها الهواء او نواتج حرق البنزين الممتاز المحتوي عليه. وقد تحمل ذرات الغبار عوامل حيوية مثل حبوب اللقاح، والبذور الدقيقة لبعض النباتات، كما تحمل ذرات الغبار والتراب الخلايا البكتيرية على شكل ابواغ في حالة ساكنة تتحول الى حالتها النشطة عند توفر الرطوبة والحرارة المناسبين لنموها، كما تختلط ذرات الغبار بالأبخرة ودقائق المركبات الناتجة عن بعض الصناعات الكيماوية مثل مواد عضوية حلقية او مذيبات عضوية، وهي تمتزج ايضاً مع نواتج حرق وقود السيارات المحترق جزئياً او غير المحترق كلياً على شكل دخان وهباب، وكذلك دقائق طحن الحجارة وغيرها. وقد اظهرت احدى التجارب العلمية احتواء الهواء العادي على 57 ميكروغراماً من الجزيئات الصلبة لكل متر مكعب منه، ويزداد عند زيادة درجة تلوثه بالأتربة الصناعية والغبار والتراب. يحمل الهواء ذرات السيلكا في مناطق تعدينها، وكذلك ما تحتويه ذرات العواصف الرملية منها والناتج منها في عمليات سبك المعادن، وتوجد السيلكا ايضاً على شكل شوائب في فحم الجرافيت، كما يتلوث الهواء بها في مناطق تفجير الصخور المحتوية عليها، ويؤدي طول فترة دخول كميات كبيرة منها الى الرئتين الى حدوث تليف وقصور تنفسي، فلا تذوب جزيئات السيلكا في إفرازات الرئتين، وإنما تسبب تهيجاً في أنسجتها ويحدث ما يسمى داء السيلكا. يمكن دخول الرصاص الى أجسام الأطفال عند بلعهم ذرات الغبار التي يحملها هواء الشارع لاحتواء كل غرام من التراب على تركيزات قد تزيد على 2000 ميكروغرام من هذا العنصر. فمثلاً يؤدي حصول طفل صغير وزنه 10 كغم بشكل يومي على 041 غم من الغبار الى إصابته بالتسمم بالرصاص. واشارت احدى الدراسات العلمية الى احتواء هواء المدن الأميركية الكبيرة على 1-3 ميكروغرام من الرصاص/م3 من الهواء، وكان أعلاها في مدينة لوس انجلوس بأميركا وهو 64 ميكروغرام/م3، وحصل فيها الساكن على 114 ميكروغرام من الرصاص كل يوم، ولا يسبب وجود تركيزات تقل عن 3 ميكروغرام منه في الهواء ارتفاعاً بمستواه في الدم، وقد اصدرت ولاية كاليفورنيا ما سمي قانون الهواء النظيف لحماية البيئة من التلوث يمنع زيادة مستوى الرصاص في الهواء عن 15 ميكروغرام/م3، واظهرت احدى التجارب العلمية احتواء الهواء الداخل الى احد انفاق مدينة بوسطن على 11 ميكروغرام من الرصاص/م3 منه، ثم اصبحت نسبته 445 ميكروغرام/م3 في الهواء الخارج منه. وكانت نسبة الرصاص في دم المشتغلين في ذلك النفق 30 ميكروغرام 100/غم من الدم، ويحتوي الهواء العادي على 15 ميكروغرام الرصاص/م3 منه، ويذوب عنصر الرصاص الذي يلوث هواء الشهيق في افرازات الرئتين ويسبب امتصاص كمية كبيرة منه ارتفاعاً في مستواه في الدم. الإسمنت يعاني سكان المناطق السكنية المحيطة بمصانع انتاج الإسمنت من ارتفاع تركيز ذرات الإسمنت في الهواء، كما في منطقة المسلمية القريبة من مدينة حلب في سوريا، حيث تتساقط ذرات الاسمنت بتأثير الجاذبية الارضية على الارض والنباتات، فيؤدي سقوطها على أوراق النباتات ـ مع وجود الرطوبة ـ الى تكوين قشرة منه، فمثلاً يسبب وجود 047 ميكروغرام من الإسمنت/سم3 لمدة يومين تلفاً للنباتات البقولية. وكذلك ضرراً لفروع الاشجار عند ارتفاع مستواه في الهواء عن 01 ميكروغرام/سم3 كل يوم، فيؤدي ذلك الى قصور في نمو النباتات نتيجة حدوث انسداد مسامات اوراقها التي يحدث خلالها عملية التبادل الغازي، كما يؤدي ترسيب ذرات الاسمنت على التربة الزراعية الى حدوث تغير في رقم حموضتها، PH فيصبح مناسباً لنمو نباتات معينة ويضاد نمو نباتات اخرى فيه. عوامل حيوية تتنوع المركبات الحيوية التي يحملها الهواء وهي تشمل الجراثيم وغبار الطلع وفيروسات وفطوراً مرضية وبذور نباتات وغيرها، فقد يؤدي دخولها الى الرئتين مع الهواء الى حدوث حالة الحساسية منها في الجسم، ويكون تأثيرها اكثر عند دخول غبار الطلع والفطور والغبار الى رئات الحساسين لها، وتنتقل بعض الاحياء الدقيقة المرضية بواسطة الهواء مثل الجراثيم المسببة لحمى (كيو) والمسببة لمرض الجمرة الخبيثة وغيرها، ويكون الهواء وذرات الغبار التي يحملها وسيلة لانتقال العدوى بهذه العوامل المرضية من المصابين الى الاصحاء. وتتنوع الطرائق التي تنتقل بها ذرات الغبار التي يحملها الهواء لجسم الانسان، فيسبب دخول الذرات الكبيرة الى العيون حدوث تهيج فيها، وهذا يحدث عند هبوب العواصف الرملية وغيرها، وتدخل الجزيئات الصغيرة مع هواء الشهيق الى الرئتين، والتي تتمكن بواسطة عملية السعال اخراج جزء كبير منها، وتسبب بعض ملوثات الهواء وبخاصة الكيماوية منها تهيجاً في انسجة الرئتين وضيقاً في ممراتها الهوائية تؤدي الى مقاومة القصيبات الهوائية دخول المزيد من الهواء إليها، وحالة الربو القصبي هي احد انواع الحساسية نتيجة دخول مركبات معينة الى المجرى التنفسي للانسان، وتسبب هذه المواد احياناً التهاباً مزمناً في الشعب الهوائية عند وصول كميات كبيرة منها الى الغشاء المخاطي المبطن للقصيبات الهوائية مما يؤدي الى حدوث السعال المتكرر، ويرتبط حدوث حالة انتفاخ الرئة بحدوث التهاب مزمن في الشعب الهوائية بالرئتين، يصاحبها تلف في جدران الحويصلات الهوائية يؤدي الى قصر فترات تنفس للمصاب. نصائح وقائية: ـ عدم انشاء مصانع الاسمنت والاسبستوس بالقرب من التجمعات السكانية، لما يسببه من تلوث للهواء، وقد اوقفت المملكة لهذا السبب تشغيل مصنع الاسمنت الموجود في المدخل الشمالي لمدينة جدة. ـ تجنب تعريض الاطفال لغبار الشارع الذي يحتوي على الرصاص والاسبستوس وغازات احتراق السيارات وسواها. ـ وجوب استعمال كمامات خاصة لوقاية الأنف من دخول الجزيئات التي يحملها الهواء عند حدوث العواصف وعند اجتياز الصحارى، وفي حالات الازدحام الشديد كما في بعض المواسم الدينية وسواها. ـ ضرورة استخدام العاملين في صناعة الاسمنت والبناء ورجال المرور بالقرب من الانفاق كمامات وقائية من الغبار والجزيئات الكيماوية الضارة بالصحة. د. محيي الدين لبنية