تحفل سجلات الشرطة في كل من مدن العالم تقريباً ببلاغات عن حالات اختفاء أشخاص في ظروف غامضة، وتخرج الصحف وعلى صفحاتها الأولى، خبر يحمل عنواناً غريباً هو «خرج ولم يعد». وعادة ما يتضمن هذا الخبر أوصاف الشخص الذي اختفى وسنه والجهة التي يتعين على من يتعرف عليه الاتصال بها. وقد لا يعود ذلك الذي خرج ولم يعد مطلقاً وتظل أسباب الاختفاء مجهولة مما يدفع الشرطة لاغلاق ملف القضية. فقد شهدت استراليا حادثة اختفاء مجموعة من طالبات كلية أبيل يارد بقرية وود ايند القريبة من ملبورن، وذلك في الرابع عشر من فبراير عام 1900، حين استأجرت الكلية عربة حملت مجموعة من الطالبات في رحلة الى منطقة جبلية يانعة الخضرة لا تبعد عن القرية سوى بضعة كيلومترات أطلق عليها السكان اسم «الصخرة المعلقة». وكانت الصخرة التي شكلتها الحمم البركانية منذ أكثر من مليون سنة ترتفع في شموخ نحو 500 قدم على الوادي المسطح. وكانت المجموعة تتكون من عشرين طالبة معظمهن في سن المراهقة، بالاضافة الى معلمتين هما ديانا دو بويترز معلمة الرقص واللغة الفرنسية والمعلمة جريدا ماكرو الاسكتلندية معلمة الرياضيات وبنجامين هيسي سائق العربة التي استأجرتها الكلية من اسطبلات ليفري. وصلت المجموعة التي كانت تمني النفس بقضاء وقت ممتع يسوده المرح في تلك المنطقة الساحرة فوجدن الطقس حاراً، لذا توزعن تحت ظلال الاشجار وبينما تهيأت المجموعة لتناول وجبة الغداء وقع فجأة حدث غريب، حيث توقفت ساعة المعلمة ماكرو وكف العقربان عن الدوران، والساعة كانت من ماركة جيدة ولم يمض على شرائها سوى شهر واحد. دهشت المجموعة للأمر، حيث كانت مفاجأة أخرى في انتظارهن إذ توقفت ساعة هيسي سائق العربة ايضاً وتسمر العقربان في مكانهما بلا حراك. لم تعر المجموعة أمر الساعتين أي اهتمام، فربما توقفتا لأسباب فنية لا علاقة لها بالمكان وواصلن تناول وجباتهن في جو من المرح. وفي الوقت نفسه كانت هناك مجموعة أخرى من المتنزهين بالجانب الآخر من الصخرة تتكون من مايكل فيتز هيبورت ضابط الجيش المتقاعد ذو الأصول الهندية وزوجته وابن أخيه مايكل واليوت جراندال سائس الخيل والمسئول عن اسطبلات العائلة. وقبيل الساعة الثالثة بعد الظهر استأذنت مجموعة من الطالبات هن اريما ليوبولد وماريسون كواد وميرندا جرايسون وجميعهن ذوات السبعة عشر ربيعاً من المعلمة بويترز للتجول في المكان واستكشاف الصخرة المعلقة. وافقت المعلمة بعد ان اشترطت عليهن اتخاذ جانب الحذر والابتعاد قدر المستطاع عن الكهوف والتيقظ من الثعابين السامة والعناكب والعقارب التي ربما تتواجد في الصخرة. زيارة الصخرة وانطلقت الفتيات وهن يتقافزن من الفرح والسعادة واتجهن نحو الصخرة، وبعد قليل تبعتهن طالبة تدعى ايديث هورتون والتي لم تتجاوز الرابعة عشرة من العمر، عبرت مجموعة الطالبات نهراً صغيراً وغبن عن الأنظار عند الثالثة والنصف، وكان في الجانب الآخر من المجرى المائي مايكل فيتز هيبورت واليوت جراندال، وكانا يراقبان الفتيات وهن يرفعن تنانيرهن قبل ان يخضن في مياه النهر. نهض اليوت وأطلق صرخة الذئب بينما قفز مايكل وبدأ في متابعة الفتيات، إلا انه عاد أدراجه بعد ان سار لعدة ياردات فقط باتجاه الطالبات وغابت الفتيات خلف ستارة كثيفة من الأشجار. قرر هيسي سائق العربة التي أقلت الطالبات تجميع الفتيات نحو الساعة الرابعة والنصف عندما اكتشف هو ومعلمة اللغة الفرنسية الاختفاء المفاجيء للمعلمة ماكرو. استغربا الأمر، ووقعا في حيرة من أمرهما إذ لم يشاهدها أحد وهي تغادر المكان. اعتقد هيسي ان المعلمة قد لحقت بالطالبات عند الصخرة المعلقة. مضت ساعة كاملة ولم تعد المعلمة أو الطالبات، وقرر هيسي وبويترز البحث عن الطالبات الأربع والمعلمة. لاحظ هيسي وجود شجيرات طرية العود مبعثرة وكأن شخص قد اقتلعها وبعثرها في طريقه نحو الطرف الجنوبي من الصخرة المعلقة. وفجأة سمعت مجموعة البحث صراخ الطالبة ايديث هورتون وهي تعدو نحوهم من مكان ما جنوب غرب الصخرة. كانت الطالبة تصرخ بهستيرية وكأن مس من الجنون قد أصابها. ولم تكن في حالة تسمح لها بأن تخبر المجموعة عن مصير الطالبات الثلاث ومعلمة الرياضيات. عملية البحث أرخى الليل سدوله وعم الظلام الدامس ولا أثر للغائبات. قرر هيسي وبويترز وبقية الطالبات العودة الى كلية ابيل يارد حيث اتجه هيسي نحو مكتب الشرطة ونقل للضابط بومفر واقعة اختفاء الفتيات والمعلمة. وبدأت عملية البحث فجر اليوم التالي، وتم فحص الطالبة ايديث هورتون ولم تكن تعاني إلا من خدوش وكدمات بسبب عدوها وسط الحشائش، إلا انها كانت تعاني من حالة عصبية حادة. وذكرت الفتاة خلال استجوابها حدثاً أثار حيرة الضابط، فقد قالت انه وخلال جريها من الصخرة المعلقة باتجاه هيسي شاهدت المعلمة ماكرو لم تكن ترتدي تنورتها بل كانت تسير بسروالها الطويل فقط. واتجهت شكوك الشرطة نحو مايكل فيتز هيبورت الذي كان ضمن المجموعة الأخرى من المتنزهين بالجانب الآخر من الصخرة المعلقة. تم استدعاء مايكل الذي خضع للاستجواب، إلا انه أنكر الاتهام الذي وجه اليه وأقسم بأنه لم يتعرض لأي من الفتيات أو معلمتهن. وبعد عدة أيام تم اطلاق سراح مايكل واتجه الرأي نحو الاستعانة بقصاص أثر للبحث عن الغائبات اللاتي وصلت قصة اختفائهن الى العاصمة سيدني وتناقلتها الصحف. استعانت الشرطة بواحد من أكثر قصاصي الأثر شهرة وسط قبيلة الأبورجيني. اتجه الرجل ومعه كلب كان يستعين به نحو الصخرة المعلقة وبدأت عملية بحث واسعة، إلا ان الكلب عندما وصل الى مكان معين انتابته نوبة من العرق الذي بدأ يتصبب من جسمه ورفض التقدم قيد أنملة. وبعد عدة أيام عثرت الشرطة على الطالبة ايرما ليوبولد التي كانت ضمن المجموعة التي اختفت وهي في حالة نفسية سيئة للغاية وغائبة عن الوعي. وبعد ان أفاقت من تلك الغيبوبة كانت قد فقدت ذاكرتها ولم تستطع الادلاء بأي معلومات عن الفتاتين أو المعلمة. وهكذا اختفت الطالبتان ميوندا جيريسون وماريون كواد وجريتا ماكرو معلمة الرياضيات، في ظروف غامضة وأسباب لاتزال مجهولة، إلا ان هناك لغزاً لايزال يحير المهتمين بهذه الحادثة الغريبة، ففي اللحظة التي توقفت فيها عقارب ساعتي هيسي وماكرو شاهدت المجموعة سحابة داكنة الاحمرار فوق سماء الصخرة المعلقة، فهل يعني ذلك ان هناك قوى غامضة تسببت في اختفاء الطالبتين والمعلمة؟ مأمون الباقر