يضع كل من طرفي الحرب الاسرائيلية ـ الفلسطينية نصب عينيه اهدافا عديدة، ليس الرأي العام اقلها. وقد انتهت قمة كامب ديفيد الثانية قبل عامين تقريبا وتم التخلي عن مفاوضات طابا في يناير 2001، ولم يخف ارييل شارون عن احد رفضه لعملية اوسلو، دع جانبا المواقف التي تبنتها اسرائيل في كامب ديفيد الثانية او في طابا، وقد ترتبت على المواجهة بين الجانبين نتائج كارثية، ومع ذلك فانه في وسط هذا كله تواصل التفسيرات لما جرى في كامب ديفيد الثانية وما اعقبها استقطاب اهتمام استثنائي في كل من اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية. توضح مقابلة ايهود باراك التي اجراها معه بيني موريس، والتي نشرت في «نيويورك ريفيو اوف بوكس» ان ذلك هو ما انتهت اليه الحال، فتقويم باراك القائل ان المحادثات قد وصلت الى طريق مسدود لان ياسر عرفات لا يستطيع اقرار السلام مع اسرائيل وان رده على عرض اسرائيل الذي لم يسبق له مثيل كان اللجوء الى العنف الارهابي قد اصبح جزءا محوريا من الطرح القائل ان اسرائيل تخوض غمار قتال من اجل بقائها ضد من ينكرون حقها ذاته في الوجود، هكذا فان جانبا كبيرا مما يقال ويجري القيام اليوم به مستمد من ذلك التقويم الاولي ويجري تبريره من خلاله، فأولا يتعين احلال آخرين محل عرفات وباقي القادة الفلسطينيين الاخرين قبل ان يتم استئناف عملية سلام لها معناها حيث انهم هم الذين قاموا برفض العرض الذي طرح عليهم، وثانيا لا علاقة بين استخدام الفلسطينيين للعنف وبين انهاء الاحتلال حيث انهم انسحبوا من امام احتمال الوصول الى ذلك الهدف على مائدة المفاوضات منذ وقت ليس بالبعيد، واخيرا فان اسرائيل يتعين عليها القيام بسحق الفلسطينيين «وضربهم على نحو موجع» على تعبير رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي اذا ما اريد التوصل الى اتفاق على الاطلاق. لقد ترتبت اثار مدمرة على الصورة احادية الجانب التي تم اطلاقها من عقالها في اعقاب كامب ديفيد، على صعيد الرأي العام الاسرائيلي وكذلك على مستوى السياسة الخارجية الاميركية، وقد كان ذلك واضحا بما فيه الكفاية قبل عام وقد غدا اكثر وضوحا منذ ذلك الحين، واصلاحها لا يعني ان شئنا استخدام تعبير ايهود باراك الانغماس في «الدعاية الفلسطينية» وانما يعني القاء نظرة فاحصة على ما جرى بالفعل. فكرة باراك الاساسية تتمثل فكرة باراك الاساسية في ان القيادة الفلسطينية الحالية تريد «انشاء دولة فلسطينية في فلسطين التاريخية بأسرها. وما ننظر اليه باعتباره واضحا بذاته، اي اقامة دولتين لشعبين، يلقى الرفض منها» وهو يخلص الى ان عرفات يسعى الى القضاء على اسرائيل. وقد ادلى باراك بهذا الزعم مرارا وتكرارا في الولايات المتحدة وغيرها، وهو الزعم الذي يشكل حقا جوهر طرحه، ومن هنا فان زعمه هذا تنبغي مناقشته قضية فأخرى. في ما يتعلق بمسألة حدود الدولة المستقبلية فان الموقف الفلسطيني الذي تم تبنيه في وقت مبكر يعود الى عام 1988 وكرره المفاوضون الفلسطينيون غالبا على امتداد المحادثات يتمثل في اقامة دولة فلسطينية على اساس حدود الرابع من يونيو 1967 والعيش جنبا الى جنب مع اسرائيل. وفي قمة كامب ديفيد (التي كان احد كاتبي هذا المقال خلالها عضوا في وفد الادارة الاميركية) اعلن مفاوضو عرفات قبولهم لمفهوم الضم الاسرائيلي لاراض من الضفة الغربية لاستيعاب المستوطنات وذلك على الرغم من تشديدهم على اساس التبادل المتساوي للارض «ذات المساحة والقيمة المتساويين» وذهب الفلسطينيون الى القول ان الارض التي سيجري ضمها لا ينبغي ان تؤثر على استمرارية ارضهم ولا ان تؤدي الى وقوع فلسطينيين تحت السيطرة الاسرائيلية. ولم تصل الافكار التي طرحها الرئيس كلينتون في كامب ديفيد الى مستوى تلبية هذه المطالب، فهو لاستيعاب المستوطنات الاسرائيلية اقترح صفقة تقوم اسرائيل بمقتضاها بضم 9% من الضفة الغربية لقاء تسليم الفلسطينيين اراضي كانت تابعة لها قبل 4 يونيو 1967 تعادل 1% من الضفة الغربية. وكان من شأن هذا الاقتراح ان يترتب عليه ادراج عشرات الالوف من الفلسطينيين تحت السيطرة الاسرائيلية قرب المستوطنات التي سيجري ضمها، وفي مقترحاته المقدمة في 23 ديسمبر 2000 ـ والتي اسمتها كل الاطراف بـ «المقاييس» ـ اقترح كلينتون ضما اسرائيليا لما يتراوح بين 4 و6% من الضفة الغربية لقاء تبادل ارض تتراوح مساحتها بين 1 و3% من مساحة الضفة الغربية، وفي الشهر التالي في طابا طرح الفلسطينيون خريطتهم على المائدة اوضحت وجود 3.1% من الضفة الغربية تحت السيادة الاسرائيلية مع تبادل ارض معادلة في مناطق تتاخم الضفة الغربية وقطاع غزة. فيما يتعلق بالقدس، قبل الفلسطينيون في كامب ديفيد مبدأ السيادة الاسرائيلية على حائط المبكى، الحي اليهودي من المدينة العتيقة، الاحياء اليهودية في القدس الشرقية ـ وهي احياء لم تكن جزءا من اسرائيل قبل حرب يونيو 1967 ـ وذلك على الرغم من انهم تمسكوا بالرؤية القائلة ان القدس الشرقية العربية بأسرها ينبغي ان تكون فلسطينية. معضلة اللاجئين خلافا لقضايا الاراضي والقدس فليس هناك موقف فلسطيني فيما يتعلق بالكيفية التي يجب من خلالها معالجة مسألة اللاجئين كمسألة عملية، ذلك ان الفلسطينيين قدموا بالاحرى مجموعة من المباديء فهم اولا شددوا على ضرورة الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى بلادهم والا فان الاتفاق الذي سيتم التوصل اليه سيفقد كل مشروعية بالنسبة للاغلبية الكاسحة من اللاجئين الذين يشكلون نصف السكان الفلسطينيين تقريبا وهم ثانيا يقرون بأن المصالح الديموغرافية الاسرائيلية ينبغي الاعتراف بها ووضعها موضع الاعتبار، ويستنتج باراك من هذه النتيجة ان اللاجئين هم «الاداة الديموغرافية السياسية الرئيسية لتخريب الدولة اليهودية»، وفي اطار الصورة التي يرسمها باراك فان اصرار القيادة الفلسطينية على حق عودة اللاجئين يوضح ان مفهومها عن الحل الذي يقوم على اساس دولتين انما هو دولة للفلسطينيين في فلسطين ودولة اخرى لهم في اسرائيل ولكن الحقائق تشير الى ان الفلسطينيين يحاولون (من دون ان يكللوا بالنجاح اليوم) المواءمة بين هذه الضرورات المتنافسة ـ اي البعد الديموغرافي وحق العودة، بل ان عرفات طلب من الرئيس كلينتون في احد اجتماعاتهما السابقة على كامب ديفيد ان «يقدم صفقة معقولة (حول مسألة اللاجئين) ثم يرى كيف يمكن تقديمها للشعب الفلسطيني باعتبارها لا تشكل خيانة لحق العودة». وقد اقترح بعض المفاوضين الفلسطينيين وضع اسقف عليا سنوية لعدد العائدين (وذلك على الرغم من انهم قدروها باعداد تتجاوز كثيرا ما كان من الممكن ان يقبله نظراؤهم الاسرائيليون) واراد آخرون ايجاد حوافز تدفع اللاجئين الى الاستقرار في اماكن اخرى ولا تحفزهم على الرجوع الى اراضي الـ 1948 لكن الجميع اقر بانه لايمكن ان تكون هناك عودة «هائلة الاعداد» من جانب اللاجئين الفلسطيني الى اسرائيل. وهكذا فان الاشارة التي يطرحها البعض بان قمة كامب ديفيد الثانية قد فشلت بسبب مطلب الفلسطينيين الخاص بحق العودة هي اشارة غير صحيحة، فهذه المسألة ناقشها الجانبان بالكاد، ولم تتناولها افكار الرئيس كلينتون الا بصورة عابرة (وفي مقال لعرفات نشر في «نيويورك تايمز» في فبراير الماضي دعا الى «حلول خلاقة لحق العودة في غمار احترام اهتمامات اسرائيل الديموغرافية»). لقد اصر الفلسطينيون على اعتراف اسرائيل بتحملها المسئولية عن ايجاد المشكلة الخاصة باللاجئين ولكن من قبيل المفارقة ان باراك قد اختار ان ينقل رفضه التام لأي من مثل هذه المسئوليات التاريخية في حواره مع بيني موريس، وهو مؤرخ اسرائيلي يوصف طرد الفلسطينيين ولخلوصه الى القول انه بينما هناك اسباب عديدة لمغادرة اللاجئين الفلسطينيين لبلادهم فان الهجمات العسكرية الاسرائيلية وعمليات الطرد الاسرائيلية تعد من ابرز هذه الاسباب.ان الفلسطينيين يمكن ان يوجه النقد اليهم لعدم تقديم مقترحات مفصلة في كامب ديفيد، ولكن كما تم الايضاح فسيكون من غير الصحيح القول انهم لم تكن لهم مواقف. وصحيح كذلك ان باراك قد انتهك عددا من المحرمات الاسرائيلية وتحرك بشكل ملموس متجاوزا المواقف الاسرائيلية السابقة بينما اعتقد الفلسطينيون انهم قدموا تنازلاتهم التاريخية في أوسلو عندما وافقوا على التنازل عن 78% من أراضي فلسطين كما كانت تحت الانتداب البريطاني الإسرائيلي، وهم لم يقصدوا ان تتجه المفاوضات بصورة اكبر نحو تقزيم ما نظروا إليه بالفعل على انه موقف يشكل حلاً وسطاً. ولكن أياً من ثبات التصور الفلسطيني والطبيعة المتحولة والتي لم يسبق لها مثيل للتصور الاسرائيلي لا ينبغي ان تؤثر على مسألة ما اذا كانت القيادة الفلسطينية قد اعترفت بحق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية أم لم تعترف به، فالأمر المهم هو جوهر المواقف الفلسطينية. تلك هي المسألة ربما كانت هذه المواقف الفلسطينية متجاوزة لما كان بمقدور الاسرائيليين القبول به، وبصفة خاصة فيما يتعلق بمسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين ولكن هذا ليس جوهر الأمر على نحو يتجاوز ما إذا كانت المواقف الاسرائيلية متجاوزة لما يمكن للفلسطينيين قبوله. وليس هو بالمسألة التي يوهم باراك بأنه يتصدى لها في المقابلة التي أجراها معه بيني موريس. وإنما المسألة هي ما اذا كان الموقف الفلسطيني، كما يزعم باراك، يرقى الى انكار حق اسرائيل في الوجود والسعي للقضاء عليها. إن الحقائق لا تؤيد هذا الزعم. صحيح ان الفلسطينيين قد رفضوا صيغة الحل القائم على دولتين التي طرحت عليهم، ولكن يمكن ان يقال كذلك ان اسرائيل قد رفضت بدورها الحلم القائم على دولتين الذي لم يسبق له مثيل الذي طرحه الفلسطينيون عليها منذ كامب ديفيد الثانية، بما في ذلك البنود التالية: قيام دولة اسرائيل بدمج بعض الاراضي التي استولت عليها في 1967 والتي تشمل غالبية كاسحة من مستوطنيها، أكبر قدس يهودية في تاريخ المدينة، الحفاظ على توازن اسرائيل الديموغرافي بين اليهود والعرب، أمن يضمنه وجود دولي بقيادة أميركية.هكذا فإن ملاحظات باراك حول القادة العرب الآخرين هي، في هذا الصدد، في غير موضعها. حقاً ان عرفات لم يمد يده للشعب الاسرائيلي على نحو ما فعل الرئيس المصري السابق أنور السادات. ولكنه خلافاً للسادات وافق على التنازل عن أجزاء من أراض فقدت في 1967، في كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية. والاشارة الى الرئيس الأسد، الذي اتسمت جهوده في اقرار السلام بأنها «أصيلة ومخلصة» هي بصفة خاصة اشارة غريبة، حيث ان الأسد رفض على وجه الدقة ما كان عرفات يطلبه، أي اقرار حدود على أساس خط الرابع من يونيو 1967 مع تبادلات لمساحات من الأرض مقابل ما يعادلها مساحة وسكاناً. إن باراك يزعم ان «اسرائيل في الوقت الراهن أقوى من أن تهزم، ولذا فإن (الفلسطينيين) يعترفون بها رسمياً. لكن الخطة المتضمنة للعبتهم هي اقامة دولة فلسطينية، بينما يتركون على الدوام المجال مفتوحاً للمزيد من المطالب «المشروعة مستقبلاً». لكن باراك يناقض نفسه هنا، لأنه لو كان الأمر كذلك، فإن أسلوب الحركة المنطقي بالنسبة لعرفات سيكون قبول مقترحات كلينتون في كامب ديفيد، والأكثر من ذلك القبول بالمقترحات التي عرضت عليه في 23 ديسمبر. وعندئذ كان سيحصل على أكثر من 90% من الأرض وجانب كبير من القدس الشرقية، بينما ينتظر، على نحو ما يزعم باراك، الفرصة لانتهاك الاتفاق وطرح مطلب بالحصول على المزيد. وأياً كانت التفسيرات الأخرى التي قد تراود ذهن المرء فيما يتعلق بسلوك عرفات على امتداد المحادثات، فإن من الجلي أنها لا تقدم ما يدعم نظرية باراك. لماذا فشلت القمة؟ يركز باراك في الصورة التي رسمها عن السر في أن المفاوضات قد منيت بالفشل على العيوب الفلسطينية وحدها، وينحي جانباً كأمور ثانوية قرارات سياسية بارزة تعد جوهرية بالنسبة لفهم ذلك الفشل. فهو عندما تولى منصبه كرئيس لوزراء اسرائيل اختار التفاوض على اتفاف حول سحب القوات الاسرائيلية من الضفة الغربية كان قد وقعه سلفه بنيامين نتانياهو بدلاً من أن يقوم بتنفيذ ذلك الاتفاق. وواصل، بل وكثف، عملية بناء المستوطنات، وعطل إجراء محادثات حول المسار الفلسطيني، بينما ركز على سوريا، وهو لم يطلق سراح الأسرى الفلسطينيين المعتقلين لقيامهم بأعمال سابقة على اتفاق أوسلو. وهو لم يف بالتزاماته المتعلقة بإعادة النشر الثالثة للقوات الاسرائيلية، ونقل القرى الثلاث القريبة من القدس لتصبح تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.وينكر باراك، بالقدر نفسه، أهمية عقده اجتماعاً موضوعياً مطولاً مع عرفات في كامب ديفيد، وإن كان المرء هنا لا يملك إلا الشعور بالذهول حيال التناقض بين تبرير باراك لذلك القرار (أي أن «الوقت المناسب لعقد اجتماع بيننا هو عندما تكون الأمور جاهزة لاتخاذ قرار من قبل القادة») واعتقاده ان عقد قمة للقادة هو أمر ضروري، فإذا كان قد شعر بأن الأمور ليست جاهزة لاتخاذ قرار في اجتماع للقادة معاً فلماذا أصر على عقد قمة في المقام الأول؟ وعلى نطاق أوسع، ومن المنظور الفلسطيني، فإن القضايا المتعلقة بتوقيت المباحثات تم التعامل معها بطرق تلحق الضرر وتستنفد الطاقات، في الوقت نفسه، فقد دعا القادة الفلسطينيون إلى اجراء مفاوضات حول تسوية سلمية بين الجانبين في وقت مبكر يعود الى خريف 1999. وطالبوا بجولة محادثات تعقد سراً بين الإسرائيليين والفلسطينيين من دون أن يكون ذلك على المستوى الرسمي لإرساء أرضية المفاوضات بشكل أفضل، وذهبوا الى معارضة عقد قمة كامب ديفيد في التوقيت المقترح، قائلين ان هذا التوقيت سابق لأوانه، ولن يفضي الى الوصول لاتفاق بين الجانبين، وذلك في ضوء الهوة القائمة بين المواقف التي يتبناها كل منهما. وفي وقت لاحق عادوا فطلبوا عقد سلاسل من الاجتماعات في أعقاب كامب ديفيد لمواصلة المحادثات، وقد قوبل كل طلب من هذه الطلبات بالرفض. وفي خريف 1999، لم يكن باراك على استعداد لإجراء محادثات مع الفلسطينيين، واختار التركيز على سوريا، ولم يكن لديه اهتمام بإجراء مناقشات بين شخصيات من خارج نطاق المسئولين، وعندما كان على استعداد، بحلول صيف عام 2000 (حيث منيت المفاوضات مع سوريا بالفشل) أصر على المضي الى كامب ديفيد مباشرة. وفي كامب ديفيد أبدى رد فعل غاضباً حيال أي اقتراح يقضي بعقد المزيد من اللقاءات على مستوى القمة. وباراك اليوم ينحي هذه المطالب الفلسطينية جانباً باعتبارها مجرد حجج وذرائع. ولكن ليس من الواضح لماذا يتعين علينا أن نأخذها بقدر أقل من الجدية مما نأخذ المطالب التي طرحها والتي نجح في فرضها. في حقيقة الأمر، فإن كل هذه الأحداث والوقائع السياسية الخارجية المحيطة بالمفاوضات قد ترتبت عليها عواقب بالغة الأهمية بالنسبة للمفاوضين أنفسهم. فقد شعرت الإدارة الأميركية في ذلك الوقت بذلك، وهي تسعى مرات لا حصر لها قبل كامب ديفيد وخلالها وبعدها لاقناع باراك بتغيير منهاجه، وذلك على وجه الدقة لأنها تخوفت من ان تكتيكاته سوف تلحق الضرر بإمكانية ابرام صفقة مع الفلسطينيين. وكما غدا واضحاً منذ ذلك الحين فإن المناخ السائد بين الشرائح الفلسطينية المؤثرة في عملية صنع القرار قد غدا مناخاً تسوده المرارة، وهي نتيجة للبناء المتواصل للمستوطنات وعمليات الإغلاق المتكررة للأراضي التي حالت دون توجه الفلسطينيين للعمل في اسرائيل، وإذلالهم والتنكيل بهم على نقاط التفتيش والحواجز المقامة على الطرق. وهكذا تأثرت بشدة وعلى نحو سلبي الثقة بإمكانية التوصل الى تسوية عادلة عبر المفاوضات. والتصرفات الاسرائيلية التي أدت الى تقوية هذه التيارات ضيقت بصورة إضافية المجال المتاح أمام القادة الفلسطينيين للحركة والمناورة وزادت من تفاقم الشعور السائد بالشلل في صفوفهم. إخفاق باراك إن إخفاق باراك في إدراك ذلك كله يبدو غريباً، حيث يصدر عن زعيم كان حساساً لدور الرأي العام الاسرائيلي، فكما توضح أمثلة عديدة من المسارين السوري والفلسطيني كان باراك مقتنعاً بأن الإدارة السيئة للرأي العام الداخلي يمكن أن تؤدي الى القضاء على فرص التوصل الى ابرام صفقة. وهو في المنهاج الذي اتبعه حيال المفاوضات الاسرائيلية ـ السورية مضى الى حد نصح كلينتون بألا يتحرك على نحو سريع للغاية نحو التوصل الى اتفاق في قمة شيبردز تاون بين اسرائيل وأميركا وسوريا في يناير 2000، وذلك الى القول ان محادثات مطولة هي أمر مطلوب لكي يظهر للرأي العام الفلسطيني انه خاض غمار نضال صارم. وفي ديسمبر أثار بياناً صارماً من وزير الخارجية السوري باعتباره السر في عدم امكانية اظهار المرونة في وقت لاحق في المناقشات في بلير هاوس في واشنطن، وقال ان الرأي العام الاسرائيلي سيشعر بأنه قد أظهر ضعفاً. وشدد مراراً وتكراراً على ضرورة اتخاذ سوريا اجراءات لبناء الثقة مقدماً وقبل المفاوضات وذلك لمساعدته على اقناع الرأي العام الاسرائيلي بالمقترحات (وهي الاجراءات التي نادراً ما حصل عليها). بقلم: حسين اغا وروبرت مالي، ترجمة: كامل يوسف حسين عن « نيويورك ريفيو أوف بوكس »