من أرييل شارون كوزير للأمن، وحتى شارون كرئيس للحكومة، يتواصل انتهاج الجهل والعربدة والاستهتار والتعالي في كل ما يتعلق بالجانب الثاني... في أغسطس 1982، هبطت قوات المارينز في بيروت، واستقبلهم اللبنانيون كما استقبلوا الجيش الاسرائيلي، قبل شهرين من ذلك التاريخ، بل أكثر من ذلك، ففي نهاية الأمر، يعتبر الأميركيون اصحاب بشرى الجينز وماكدونالدز، وسلاح فرسان العالم. ويكتب توم فريدمان في كتابه «من بيروت الى القدس» ان قرابة 100 من جنود المارينز أودعوا بزاتهم العسكرية بأيدي لبناني، عرض نفسه أمامهم كصاحب مغسلة وصالون للتنظيف الجاف. فأخذ الرجل حزمة الملابس الضخمة، واختفى. بعد مرور أقل من عامين، وبعد مقتل 240 من رفاقهم نتيجة تفجير مقر القيادة الأميركية، غادر المارينز بيروت، كما خرج منها الاسرائيليون في مايو 2000، يجرون ذيول الهزيمة. في ذلك الوقت تماماً، وفي ذلك المكان تماماً، جلس عدة آلاف من جنود الجيش الاسرائيلي. بعضهم كانوا من الجيش النظامي، وبعضهم تم تجنيدهم للخدمة الاحتياطية، في المرة الاولى (من أجل ابعاد خطر الكاتيوشا لمسافة 40 كيلومترا) وفي المرة الثانية (من أجل تعزيز الحكومة اللبنانية المنتخبة، التي وقعت اتفاقية مع اسرائيل)، وفي المرة الثالثة (من أجل الحفاظ على أمن بلدات الجليل). لم يكن هؤلاء ضيوفا للحظة، ولم يعرفوا تماماً، بل لم يهمهم ما اذا كان لبنان يقع في الشرق الأوسط أو في الغرب الأوسط. لقد وقفت خلفهم أجهزة المخابرات (الأفضل في العالم) التي انشغلت بلبنان طيلة عشرات السنوات، وعقدت تحالفات داخلها، ودربت قوات صديقة وكانت تعرف الى أي مطعم في جونية يمكن الذهاب. هؤلاء الجنود وقادتهم، والقيادة المسئولة عنهم، كانوا يعرفون ما الذي يحدث، تماما مثلما كان يعرف الأميركيون، بل ربما أقل منهم، لأن تخيل المعرفة هو أسوأ من عدم المعرفة التامة. ان الـ 18 عاما التي أمضيناها في لبنان، تشكل حكاية كبيرة من الجهل الحضاري. ذلك أن محاولة بناء نظرية اقليمية شاملة اعتماداً على التحالف مع الكتائب، والتدخل في حرب العصابات وتتويج عائلة واحدة بقوة الدبابات الأجنبية، تشكل دليلاً واحداً على طريقة الجهل والانغلاق التي تنتهجها اسرائيل في ادارة شئونها. ولم يتغير أي شيء منذ ذلك الوقت وحتى الآن: فمن شارون كوزير للأمن، وحتى شارون كرئيس للحكومة، يتواصل انتهاج الجهل والعربدة والاستهتار والتعالي في كل ما يتعلق بالجانب الثاني (الذي يملك ثقافة الكذب، على حد قول ايهود باراك، الذي كان متورطا في لبنان منذ البداية وحتى النهاية) وهذا هو التعامل الذي يغذي كل قرارات وفعاليات اسرائيل فيما يتعلق بجيرانها. 54 عاما مضت، وما زال كل شيء بالنسبة لنا ـ منذ الاجتياح وحتى الانسحاب ـ مجرد مسألة أحادية الجانب. في المجمل العام يتوزع عمل جهاز المخابرات بين جمع المعلومات وتقييم الأمور. ويعتبر جمع المعلومات بمثابة العمل اليومي في احصاء عدد الأشجار والحصول على المعلومات ونقلها الى الجبهة الخلفية. أما التقويم فهو بمثابة النظر الى الغابة. ويعتبر جهاز المخابرات الاسرائيلي بطل العالم في احصاء عدد الأشجار. انه يعرف التركيبة الكيماوية للبول الذي يتبوله الأسد، ويعرف ما تناوله عرفات في وجبة الافطار، وكيف تجاوبت معدته مع الطعام. أما رؤية الغابة، فتتأثر، بشكل غير متعذر، بالموقف الأساسي للناظر. فالميول الطبيعية للناس وللأجهزة تسعى الى ايجاد مبررات للمواقف التي انتهجوها مرة، أو تلك التي نشأوا عليها في بيوتهم، والى تأبيد أهميتهم الشخصية. وهكذا فوتت أجهزة المخابرات الغربية، التي أجاد خبرائها تفسير كل تحرك قام به قادة الكرملين على منصة الأول من مايو، التنبؤ بسقوط الاتحاد السوفييتي. ويضاف الى ذلك، ما يسميه أحد المسئولين الأمنيين الكبار، العبودية للتفاصيل: فحقيقة مقدرتنا على احصاء الكثير من الأشجار تتسبب لنا بالعمى الذي يجعلنا لا نرى الغابة كلها، حتى لو كانت موجودة أمامنا. وقد قال لي أحد قادة الشاباك مرة: انني أتعلم من مقالة واحدة تكتبها عميرة هس (صحافية اسرائيلية تكتب في صحيفة «هآرتس» وتعيش في غزة بين الفلسطينيين) عن الفلسطينيين، أكثر مما أتعلمه من ألف تقرير تعتمد على التصنت والمراقبة. وهو يعتبر وحيداً في هذا الموقف. في الجهاز الاسرائيلي، على مستوى القيادة والجمهور، يرتبط هذا العمى بمرض الخوف الكياني. وينتج عن ذلك اننا نتعامل مع العالم المتلون الأطياف في الجانب الثاني، كما لو كان مصنوعا من جلدة واحدة. نحن، وباراك هو الاسرائيلي الأمثل في هذا المجال - نعتقد أن هناك «رغبة فلسطينية»، «طابع عربي»، و«طبيعة لبنانية». اننا نحاول تحليل هذا الرمز الجيني الخيالي، بواسطة «الجزرة او العصا». ولبالغ المفاجأة، لا ينفع هذا ولا ذاك. هكذا بنى شارون خطته الكبرى على الفوهة المهشمة للكتائب، بثمن كلف مئات الضحايا وبوصمة مجزرة صبرا وشاتيلا. هكذا ساعدنا على ارتقاء حزب الله في سبيل صد حركة أمل، وهكذا أقمنا روابط القرى، ونقيم اليوم، وفق ما تهواه أنفسنا، فقط، البديل القيادي لعرفات. حسب الاستطلاعات التي يعدها د. خليل الشقاقي، فان شعبية مروان البرغوثي، كزعيم للفلسطينيين، تضاعفت، تقريبا، منذ اعتقاله بأيدي اسرائيل، وارتفعت من 11%، قبل عدة اشهر، الى 19%، اليوم. ومن يتعامل مع الأمر هنا كما لو كانت اسرائيل قد قامت بمؤامرة، اعتقلت بموجبها البرغوثي في سبيل رفع شأنه، يمكنه أن يطمئن، فشعبية عرفات مستقرة، والشعور الفلسطيني بأنه لا بديل له يزداد قوة. هكذا استغرقنا الأمر عدة سنوات حتى فهمنا الجوهر الحقيقي لحزب الله، الذي تصرف حسب كل مبادئ تنظيمات العصابات، لكننا واصلنا تسميته بالتنظيم الارهابي، سيما أننا نعتبر كل محارب عربي غير نظامي ارهابيا. وهكذا نقوم اليوم، بشكل تدريجي، وتحت ستار تثقيف الفلسطينيين على أن الارهاب لن ينجح، بتصفية احتمال أن يكون الجيل الذي سيلي عرفات جيل أمل. في الاستطلاع الأخير الذي أعده الشقاقي، أعرب 70% من الفلسطينيين عن دعمهم للتوصل الى اتفاق مع اسرائيل على أساس المبادرة السعودية، لكن أكثر من نصفهم ما زالوا يدعمون العمليات الانتحارية. وارتفعت نسبة الذين يعتقدون أن الانتحاريين دفعوا الفلسطينيين نحو تحقيق أهدافهم. وفي مخيمات اللاجئين، تلك التي احتللناها ودمرناها في عملية «السور الواقي» سجل الاستطلاع ارتفاعا حادا في نسبة مؤيدي العمليات الانتحارية. وهكذا نفسر المطالبة الفلسطينية باجراء الاصلاحات، حسب مصطلحات تعزيز أو اضعاف مكانة عرفات كزعيم (وحسب ذلك، بما أن عرفات يعتبر شيطان الارهاب، فان المقصود هو تعزيز أو اضعاف دعم الارهاب). الفلسطينيون يريدون اجراء الاصلاحات من أجل تحسين ظروف حياتهم وجعلها أفضل، وليس من أجل اشباع رغبة اسرائيلية ما. وحسب نسبة الدعم التي يحظى بها عرفات والتي لم تتغير خلال النصف سنة الأخيرة، فانهم لا يربطون بين هذا المطلب وبين مكانة الرئيس. لكن الشقاقي هو عربي، ومن يصدق العرب. السيناريو اللبناني لا يناسب بنسبة 100% الواقع الحالي. ولا وجود لأي سيناريو تاريخي يتجاوب مع هذه المقاييس. لكن أجزاء منه ستعود الى الظهور خلال السنة القريبة: ان العمى الحضاري الاسرائيلي، والتحمس العسكري للخطوات العسكرية، خاصة عندما تستند الى مشاعر الخطر شبه الحقيقية (كما في عام 1982) أو الحقيقية تماما (كالآن)، تزداد تبخراً كلما مضى الوقت. لقد قام قائد أحد ألوية الجيش الاحتياطي التي تم تجنيدها في حملة «السور الواقي»، بفحص نسب التجنيد الاحتياطي في وحدته أثناء حرب لبنان. وتبين أن نسبة التجند في يونيو 1982، وصلت الى نسبة 100%، أما خلال عملية التجنيد التالية فقد وصلت الى 75%. أما حملة التجنيد الثالثة فقد ألغيت في نهاية الأمر، لكنه تبين أن نسبة التهرب منها كانت عالية جدا. وحسب هذا المفهوم، لم يتغير أي شيء منذ اجتازت أول المدرعات الحدود الدولية واستقبلت بسيل من الأرز في بلدة النبطية. في كتابه الخاص بلبنان، أطلق فريدمان على الفصل الخاص بالتواجد الأميركي في لبنان، عنوان «بيتي كروكر في جهنم دانتي». اسرائيل ليست بريئة وصاحبة نوايا حسنة مثل صورة الأمومة الأميركية تلك. ولكنها، بعد 20 عاما، ما زالت لا تفهم الحكاية. عوفير شيلح عن «يديعوت أحرونوت»