تنطلق سيارة زيغولي مسرعة عبر مشهد طبيعي من تلال خضراء داكنة يلفها الضباب ولم تبق سوى بضعة كيلومترات فقط لنصل الى الشرق ونكون في غروزني، عاصمة اقليم الشيشان، كان اللاجئون الشيشان في انجوشيا المجاورة قد انذرونا بأن غروزني مدينة محفوفة بالخطر، تدخلها وانت تخاطر بنفسك. الخوف يقرأ على كل الوجوه، رجلان في منتصف العمر، احدهما يعتمر قبعة باباخا، القبعة القوقازية التقليدية المصنوعة من جلد الغنم، والآخر يرتدي بذلة غامقة، وعلى المقاعد الخلفية تجلس ثلاث نساء يرتدين تنانير ويسدلن اغطية على الرؤوس وينتعلن احذية طويلة العنق الزي التقليدي للمرأة الشيشانية احدى اولئك النسوة ظلت صامتة طوال الرحلة، خشية ان تفضحها لهجتها الغريبة (وهي كاتبة هذا التقرير). اكثر ما كانت تخشاه اولئك النسوة هو نقاط التفتيش والتصرف الذي لا يمكن التكهن به على الاطلاق من قبل الجنود الروس، الذي يعني ان اي شخص يمكن القاء القبض عليه واخذه الى حيث لا يمكن لاحد ان يراه ثانية. هناك الكثير من الطرق للوصول الى الشيشان، اقامها الروس في المنطقة غير المسموح بعبورها لكي يسلكها الصحفيون الاجانب حيث يمكنك ان تذهب في جولة موجهة من تلك التي تنظمها آلة الدعاية التابعة للكرملين ويمكنك ايضاً ان تدفع نقوداً لاحدهم لكي يقوم بتهريبك عبر هذه الطرق عن طريق انجوشيا او شمال اوستيا، او يمكنك ان تتنكر في زي شيشاني وتذوب في افواج المهاجرين المغادرة او القادمة الى مناطق القتال. تقدمت السيارة من نقطة في وسط الاراضي الريفية ووقفت خلف صف من السيارات والشاحنات وكانت هذه هي اول نقطة تفتيش عسكرية من بين ست نقاط كان علينا ان نتفاوض معها قبل الوصول الى مشارف العاصمة غروزني وضج الجنود الذين كانوا يرتدون زي القتال ويحملون بنادق الكلاشينكوف بينما هم يمنعون كلبا اسود من مهاجمة مجموعة من الشيشانيين، كانوا ينتظرون السماح لهم بالعبور. كان الكلب يحمل لافتة خشبية موضوعة حول رقبته مكتوب عليها «عشرة روبلات للمرور». قالت احدى النساء الشيشانيات الجالسات في السيارة «انهم لا يستطيعون اخفاء حقيقة انهم يقفون هنا من اجل الحصول على المال». وبعدها تم تسليم النقود الورقية ومضت سيارة الزيغولي في طريقها. كان الجيش الروسي قد احتل غروزني لفترة تزيد على العامين وكانت القناة التلفزيونية الرسمية في موسكو تتحدث عن «جهود اعادة الاعمار» في كل ليلة تقريباً وعن «اعادة الحياة الى اوضاعها الطبيعية» التي تأخذ طريقها في الجمهورية الثائرة، التي اعلنت استقلالها في سنة 1991 ثم احتلتها القوات الروسية مرتين، مرة في سنة 1994 ومرة اخرى في سنة 1999. تقول موسكو انها تنفذ عملية «ضد الارهابيين» بينما يدعي فلاديمير بوتين ان «المرحلة العسكرية قد انتهت». وصلنا اخيراً الى غروزني الرقعة الفسيحة من الاطلال المهدمة المكسوة بآثار الخراب التي احدثتها القنابل حيث يعيش حوالي 100000 شخص هم كل من تبقى من 450000 قبل الحرب يناضلون من اجل العيش. ترى اين ذهبت الاموال المخصصة «لاعادة الاعمار»؟ ان المباني القليلة التي تعد على اصابع اليد والتي استطاعت ان تخرج من الرماد والتي تشاهد على شاشة التلفزيون الروسي، هي مبنى محطة السكة الحديدية، مبنى شركة الكهرباء المحلية الرئيسي، وطابقان من مبنى مكون من تسعة طوابق تمت اعادة تسكين بعض الاسر فيها. بجدرانها الوردية الشاحبة تبدو هذه المباني كما لو انها قرية بوتمكن، فيما يظهر كل شيء من حولها على امتداد البصر هناك مكوناً مشهداً تنخلع له القلوب مؤلفاً من اكوام من القاذورات، والاحجار والاسلاك الشائكة وحقول الالغام. ناقلات الجند المدرعة تجوب شوارع غروزني اذ ان التكتيك المفضل للمتمردين الشيشان هو عدم نصب الكمائن ومجموعة من الجنود الروس الذين يرتدون على رؤوسهم الخوذات تتقدم بحذر عبر الطرق المحفوفة بالالغام ترافقهم فرقة لازالة هذه المتفجرات، يقوم اعضائها بمسح الارض بأجهزتهم ذات الأيدي الحديدية الطويلة. وهنا وهناك ألسنة من الغاز المشتعل يمكن مشاهدتها وهي تحترق على مداخل المجمعات السكنية المبعثرة وبسبب عدم وجود الكهرباء فإن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يضيء بواسطتها السكان المناطق المحيطة بمساكنهم المؤقتة. في الليل يمكن مشاهدة الرجال المقنعين وهم يتحركون هناك في الضوء الخافت، الذين يطلق عليهم السكان المحليون اسم «فرقة الموت» وجوههم مغطاة بالسواد وعلى الرغم من ارتدائهم لملابس الحرب الا انه لا يمكن تمييزهم ومعرفة وحداتهم العسكرية اما سياراتهم فهي اما عربات مدرعة او شاحنات عسكرية لا تحمل ارقاماً ولا يعرف احد من اي جهة يأتون لكي يزرعوا الموت والخراب فهم يلقون القبض على الرجال والصبية في منازلهم ويقودونهم الى اماكن غير معروفة. وما ان تظهر اولى خيوط النهار ويرفع حظر التجول، حتى تبدأ زوجات المخطوفين رحلة البحث عن ازواجهن حيث يقمن بسلسلة الاعمال الروتينية التي يقوم بها العسكريون في العادة ينتظرن الى ما لا نهاية في مراكز الامن ف.س.ب، ومراكز المخابرات العسكرية والعديد من الوحدات الروسية العاملة في مجال مكافحة الارهاب كما يسجلون أسماءهم في مكاتب السجلات المدنية التي اقامتها حكومة موسكو والتي يديرها الشيشانيون الذين يعتبرهم السكان الآخرون عملاء للروس. في كل يوم يتم القبض على مجموعة من الرجال الذين يتم اقتيادهم الى اماكن بعيدة ليختفوا بعد ذلك دون ان يتم العثور عليهم ومن الصعب على المرء بمكان ان يعثر على أم او اخت او زوجة لا تبحث بائسة عن احد اقاربها المقربين. والواقع انه يتم العثور على جثث الرجال التي تحمل آثار التعذيب او مشوهة او مقطعة الى اشلاء بفعل المتفجرات في كل يوم حيث يصعب في اغلب الاحيان التعرف عليها. في العاشرة صباحا في احدى ضواحي شرق العاصمة الشيشانية غروزني تجمع عدد من الناس على جانب الطريق، كانت بقايا اشلاء رجل شاب مزقتها المتفجرات قد جمعت ووضعت على الحشائش الرطبة، كان هناك جلدة رأس بشعر بني «كل ما تبقى من رأسه» وامعاء ممدة خارجة وقطع واجزاء صغيرة من اطراف ممزقة مع قدمين بيضاويتين سليمتين. لم يتفوه احد بكلمة فيما كان مقاتل شيشاني تابع لاحدى وحدات الشرطة التي تديرها موسكو يقف لمواجهة حشد من الجماهير غير واضح المعالم، وكان يدلي ذراعيه على نحو ينم عن الشعور بالارتباك والاحراج، وعلى مسافة قريبة عثر رجل كبير في السن على اجزاء اخرى من جثة الرجل كانت مرمية على العشب التقطها ووضعها على قصاصة ورق مقوى، ثم جاء ورماها بحذر على الاشلاء الملطخة بالدماء، كان وجهه خاليا من اي تعبير، وكانت قطع ملابس مزقها الانفجار تتدلى من فوق اغصان شجرة قريبة. مثل هذه المشاهد المرعبة تحولت الى شيء مألوف في الحياة اليومية لاهالي مدينة غروزني ولان التقاليد تقضي بأن تؤخذ بقايا الجثة الى اقرب مسجد، فقد سعت النسوة اللاتي كن يبحثن عن احبائهن المقربين الى التعرف على هوية الرجل الميت. تحدثت امرأة من الحي الى الحشد انتظروا فقط فخلال هذا اليوم، سيقول الجنود الروس ان ارهابيا قام بتفجير نفسه بالمتفجرات التي كان ينوي استخدامها في هجوم مسلح، هذه هي الطريقة التي يخفون بواسطتها الجرائم التي يرتكبونها، لقد سمعت الانفجار كان ذلك قد وقع في حوالي الخامسة صباحا، عندما اقتادوا الشاب الى هنا، وربطوا المتفجرات حول جسمه، وقاموا بتفجيره، الله وحده الذي يعلم اين القوا القبض عليه. في ذلك المساء لم تتحدث القناة التلفزيونية الرسمية و. ر. ت. عن الرجل غير انها قالت ان عمليتين ارهابيتين نفذتا في غروزني، اكتشف المحققون مخبأ لزجاجات الفودكا المزيفة المملوءة بمواد مسممة تحتوي على السيانيد، كان الارهابيون على وشك ان يضعوها ضمن سلع للبيع هذا المساء، بناءً على اوامر من اصلان مسخادوف «الزعيم الانفصالي الشيشاني». يتكون حي ميكرورايون الغروزني في غالبيته من مساكن رخيصة نصف مهدمة ارضياتها مملوءة بالحطام واكوام الحجارة، يقول اوسان وهو الشاب الشيشاني الذي ظل جالسا في سيارتنا تجنبا للفت الانظار اليه لقد جاءوا الى هنا الليلة في الثالثة فجراً وفيما هو يتحدث كان يتلفت حوله بعصبية فهناك باستمرار الخوف من ان تتهم حتى وانت تقيم في هذا المكان المهجور. كانوا يضعون على وجوههم الاقنعة ويتحدثون باللغة الروسية من دون ان تكون هناك لهجة مميزة، ثم اخذوا يفتشون الشقق السكنية وبعد ذلك غادروا لحسن الحظ دون ان يأخذوا معهم احدا. واضاف وهو يشير الى احدى زوايا المبنى الذي كسى جدرانه السواد الناجم عن احد الانفجارات: «في المرة السابقة أتوا بشابين مراهقين الى هنا فقيدوهما مع بعض المتفجرات بالقرب من هذا الجدار، وفجروهما. احدى الجثث ثم التعرف عليها فقد كان شابا من احدى القرى التي تبعد مسافة 10 كيلومترات عن غروزني. قلت: لماذا يفجر الروس الناس بهذا الشكل؟ ـ انها السادية قال اوسام ولاخفاء آثار التعذيب الذي يوقعونه بالناس الذي يحتجزونهم ولكي يرهبوننا فبالنسبة لهم الشيشاني ليس انسانا، بل مجرد كلب تقتله وترميه في مدافن القمامة، كما انهم يعرفون جيدا انه من المكروه في تقاليدنا الشيشانية الا يتم التعرف على الجثة لان ذلك يمنع العائلة من اقامة العزاء. تجمع عدد قليل من الناس امام المقر العسكري لمحطة الحافلات سابقا التي تم تحويلها الى قلعة منيعة مملوءة باكياس الرمال والنوافذ التي تحيط بها الجدران الكثيفة والاسلاك الشائكة، فيما كان القناصة الروس ينتشرون على احد الاسقف القريبة، كانت النساء قد وصلن من قرية كيروفا القريبة من غروزني ليتوسلن من اجل عودة ازواجهن وابنائهن الذين تم اخذهم في غارة قريبة او كما يسمونها الروس عملية تطهير. قالت شابة ضعيفة محطمة كان وجهها الشاحب ملفوفا بالحجاب التقليدي ان شقيقها كان من بين من لم يتم الافراج عنهم، لقد جمع الجنود الرجال ووضعوهم في احد الحقول لكي يتسنى لهم تفتيشهم واحدا تلو الآخر في احدى الخيام بالاستعانة بجهاز كمبيوتر، فقد القي القبض على اخي وهو في طريقه لاقامة صلاة الجنازة على روح احد الجيران. وهمست امرأة تقيم في ارغون البلدة التي تبعد مسافة 10 كيلومترات عن غروزني في كل يوم جمعة تتظاهر مجموعة من النساء امام مبنى الادارة المحلية، ولدينا لافتات تقول اعيدوا الينا اولادنا! لم يعد لدينا ما نخسره، ان الروس يقومون الآن بعملية ابادة لشعبنا. حدقت في عيني مباشرة واضافت: هذه مذبحة يغض عنها العالم النظر لقد تبين لنا اننا لا نستطيع الاعتماد على اي مساعدة هل تتصور اننا سنستطيع ان نشرح لابنائنا في النهاية الاسباب التي جعلت آباءهم يختفون في يوم من الايام هكذا بسهولة دون ان يتركوا أثرا. كان صوتها يزداد كآبة كلما استرسلت في الحديث. لقد قال الجنود انني لو واصلت عملية البحث عن زوجي فإنهم سيدرجون اسماء ابنائي الاثنين ضمن قائمة الارهابيين المسجلة على جهاز الكمبيوتر في ذلك المساء. لم يقل التلفزيون الروسي شيئاً عن المظاهرات وحتى وكالات الأنباء لم تقل عنها شيئا، ان الشيشان عالم منفصل يعيش لوحده. اضاف شاب شيشاني يعمل سراً لدى احدى منظمات حقوق الانسان كم يبلغ عدد الناس الذين ماتوا او اختفوا؟ كم يبلغ عدد المقابر الجماعية؟ من المستحيل ان تعرف ذلك، ومنذ ان بدأت الثلوج بالذوبان هذا الربيع اكتشفت العديد من الجثث، ان الرعاة يأخذون قطعانهم الى الحقول، فتشتم كلابهم رائحة الموتى لكن لا يوجد سجل منظم لهذا، كما ان المراكز العسكرية الروسية تطلق النار احيانا لتحول بين المواطنين وبين الوصول الى مواقع معينة. ويقدر احد الاطباء الغروزنيين من الذين قابلتهم في اثناء اقامتي وكانوا يفضلون الا يعرف عنهم احد العدد الاجمالي للوفيات في الشيشان منذ بداية العملية العسكرية الروسية الاخيرة في اكتوبر سنة 1999 بـ 150000 وعدد الذين مازالوا على قيد الحياة ممن يعيشون داخل حدود الجمهورية بـ 400000 فقط من اجمالي عدد السكان الذي يقدر بمليون نسمة في سنة 1989 اما البقية فهم من اللاجئين في الخارج. تتردد على سوق غروزني الشعبية اعداد مختلفة من المتسوقين بما في ذلك الجنود الروس الذين يحرصون على انفاق روبلاتهم في شراء ز جاجات المشروبات الروحية. كان اصلان مسعادوف يحتسي الشاي في الدور التحتاني لاحدى المقاهي القريبة التي كانت تسعى الى اظهار نفسها في صورة مرحة بهيجة بجدرانها الزرقاء الفاتحة والعاب الفيديوجيم»، قال هامسا «هناك شيء هام جدا في ثقافتنا الشيشانية. اننا امة الثأر والدم اكثر الثوار المنشقين الذين يعيشون في غروزني هم الآن هنا من اجل الثأر لقتلاهم هذه الحرب ستستمر طويلا، لمدة طويلة من الزمن». غالبية اهالي غروزني من الشباب يستمعون سرا لاشرطة احد المطربين الشيشانيين المعروف بصوته القوى الجميل الذي يوجه اللوم الى العملاء قائلا «هؤلاء الخونة الذين باعوا انفسهم للنفط او للوظيفة او من اجل الحصول على سيارة جيب». اضافة الى ان اغانيه تحتفي نجالا باراييفا المرأة الشيشانية الشابة التي تأرث لمقتل افراد عائلتها بتفجير نفسها بواسطة شاحنة محملة بالمتفجرات في احد معسكرات الجنود الروس في يونيو سنة 2000. قبل مغادرة غروزني لم يكن هناك وقت الا للوقوف امام مسجد كاتاياما حيث اخذت اشلاء الشاب التي تم تفجيرها في الشارع في اليوم السابق لكن احدا لم يتمكن من التعرف عليه. ترجمة : مريم جمعة فرج عن «جارديان ويكلي»