عبر قرابة خمسة عشر عملاً مسرحياً اخراجا وكتابة او اعداداً شكل نادر عمران المخرج المسرحي ومدير ايام عمان المسرحية حالة فنية استفزازية مرت بمراحل وتقلبت على امزجة ورؤى مختلفة وربما متباينة. حالته الاستفزازية تعمقت منذ اقامت فرقة مسرح الفوانيس مهرجان ايام عمان المسرحية في عمان في 27 مارس من كل سنة بدءاً من العام 1994 سواء على صعيد عمله المسرحي بما هو تعبير فني أو على صعيد آليات ادارة المهرجان وتمويله ومستقبله الامر الذي حدثنا عنه في الحوار التالي: ـ هل ترى معي بأن عملك «حياة لاجل الموت» الذي قدمته لمرة واحدة عام 1995 يشكل علامة فارقة في مسيرتك المسرحية؟ ـ المسرح وسيلة للتعبير عن الآمال او شيء منها وكذلك عن الافكار والقناعات والطموحات.. وفي الفترة التي ظهرت فيها «حياة لاجل الموت» كنت اشعر انها «ولا تزال» بداية احساسي بالاشياء تنهار من حولنا وان الحياة لم تعد اكثر من أكل و«شغل مسرح» وحكي في السياسة بانتظار الموت.. شباك تفاؤل كان موجوداً في حياتي في تلك الفترة غطته ستارة سوداء، لقد تغيرت «الباقة اللونية» التي اعمل من خلالها في المسرح فاتجهت نحو «النيلي» لانني «تنيلت» كما يقول اهل مصر. ـ لكن ما جاء لاحقاً من اعمال مسرحية لم يكن افضل مما سبق.. «حياة لاجل الموت» او «طيبة تصعد الى السماء» مثلا لا حصراً؟ ـ حدث ذلك لاننا دخلنا في الموضوعات «النيلة» فلم يعد ممكنا الآن الذي كان ممكنا في السابق، ان عملاً مسرحياً يستغرق اربعة او خمسة اشهر في التدريبات لم يعد متاحاً.. الممثل لديه هموم يومية وظروف اقتصادية جعلت من الصعب ان يقدم اعمالا في المستوى السابق نفسه. اذكر عندما قدمنا «حياة لاجل الموت» اننا اشتغلنا يوميا لخمسة او ستة اشهر بواقع 5 ـ 6 ساعات.. في المسرحية الاخيرة «جسر العودة» لم نتمكن من اقامة التدريبات سوى في الايام الواحدة والعشرين السابقة على موعد عرضها، ولك ان تتخيل الفرق اذا قلت بأن «حياة لاجل الموت» كانت اقل زمنا واقل عدد من الممثلين. الممثل المسرحي مرتبط الآن بأكثر من قصة وانا كذلك في حين ان العمل المسرحي في العادة يستوعب وقتا اطول لانجازه ويحتاج مكانا متوفراً للتدريبات ودائما وهو امر بات اشكاليا لان قاعات المسارح محجوزة للمؤتمرات والاجتماعات «وأي حد جاي على باله يحكي كلمتين لعشر اشخاص صار بده مسرح».. كل الاشياء ضاقت.. كل الارواح ضاقت والاعمار والارزاق والاوطان والحريات. ـ خلال هذه الفترة هل قمت بمراجعات لاسلوبك المسرحي؟ ـ لقد انقطعت عن العمل المسرحي خلال الفترة الماضية، وتطوير الادوات يحتاج الى ان تكون دائما على المسرح، لا يستطيع الفنان ان يطور عمله وادواته وافكاره عن مسرحه بعيداً عن الخشبة.. ادوات الابداع في العمل المسرحي غير متوفرة إلا على الخشبة والوصول الى شيء آخر.. الى مفارقة اخرى في الرؤية يحتم على المرء التواجد والشغل على خشبة المسرح.. وللاسف مر وقت طويل ولم اصعد الى الخشبة. ـ «ماشي الحال».. وماذا بعد على هذا الصعيد؟ ـ حالياً افكر ان اشرع في عمل اختبر من خلاله مجموعة من التهيؤات والاحلام المسرحية على خشبة المسرح وسيكون جزءاً تاليا من «جسر العودة» اي اعكس تجربتي وقناعاتي في القضية الاساسية التي هي قضية فلسطين. ـ على مسيرة القضية.. فلحلحول التي غادرتها يافعاً عام 1982 لآخر مرة كيف تتخيلها الآن؟ ـ مش حابب اتخيلها حابب اشوفها لانه ممكن تتخيل بنت على بالك تحبها، بس حبيبتك ما بتحب تتخيلها، بتحب تشوفها. ـ ايام عمان المسرحية: مثلما تحقق حلم فقد انكسرت اشياء اخرى. ـ هناك عيب بغيض وعل احد ما يحمله.. ينبغي ان يصير للفرق المسرحية المستقلة مهرجان مسرحي يخطط له وينفذه ويشارك فيه الفرق المستقلة. راودني هذا الحلم مثلما رواد زملاء آخرين نعمل سوياً بعدما اكتشفنا من التجربة الاولى في مهرجان رسمي ورأينا ما يحدث من الداخل اردنا مهرجاناً يكون رداً عمليا على مجمل مهرجانات مسرحية.. مهرجان للذين لا يحد من ابداعهم خوف او وظيفة او مصلحة. وكان ذلك في العام 84 وفي العام 86 كانت المحاولة الاولى كنا صغاراً، في تلك الايام ولا نعرف «جحور الثعابين» ففشلت المحاولة ولم نستطع ان نقيم المهرجان. عدنا الى الفكرة عام 1993 كانت خبرتنا قد تراكمت وعودنا بات اصلب وصرنا في الضوء الى حد ان من الصعب جرنا ثانية الى العتمة واغتيالنا بالصمت فسرقنا على حين غرة من الثعابين الدورة الاولى عام 1994 والثانية عام 1995.. في الثالثة ظهرت قوة المهرجان واهميته وتساقطت الرهانات على عدم استمراريته فبدأ الهجوم الذي كسر اشياء في داخلنا اولها انني لم ابدأ اشعر باللاجدوى من اي مشروع بل شعرت بجدوى الانسحاب لحين من الوقت وتمنيت لو انني اعمل في الطبيخ وليس في الفن.. ذلك ان السياسة عندما تتدخل الى هذا الحد في الثقافة فإن كماً هائلاً من الاشياء يخرج ليفسد كل شيء حتى الطبيخ. ـ ما الذي يجعلك الآن واثقا من استمرار ايام عمان المسرحية؟ ـ تجيء ثقتي من ان المهرجان صار مشروعا راسخاً لا يسهل اقتلاعه على احد فضلاً عن ان مؤسسات عديدة رسمية وشبه رسمية تثق به مثل امانة عمان التي هي شريكنا منذ الدورة الثالثة وحتى الآن.. ووزارة الثقافة ومؤسسات دولية عديدة تعمل في حقل الثقافة وفرق مسرحية عربية وغير عربية فضلا عن افراد من الفنانين والاعلاميين وجمهور.. بات للأيام جمهورها. الجانب الآخر ان كل هؤلاء يتعاملون مع الايام كمشروع ناجز وبالتالي فهم جميعا مثلما حدث سوف يكلفون انفسهم عناء الدفاع عنه واخيراً فإننا وشركاءنا نصر على استمراريته وتطويره الى اقصى مدى ممكن. ـ لا دعم تقدمه مؤسسة فورد فونديشن لهذا العام.. هل تظن ان ما اثير حول المهرجان من «تطبيع» وسواه سوف يتوقف؟ ـ هذا صحيح لكننا كنا قد اقمنا الدورات الثلاث الاول دون دعم هذه المؤسسة مع ذلك تشكلت «سرية» من مجموعة من الفنانين في اول مشاركة مع امانة عمان الكبرى وذهبت الى الأمين وهوجم المهرجان على اعتبار ان «الفوانيس» فرقة صغيرة ليس من حقها ان تقيم مهرجانا في حين ان هناك اكثر من جهة تعمل في مجال الثقافة والاعلام والفنون وتمولت من مؤسسة فورد فونديشن ومن سواها وبعضها تمولت من مؤسسات تعلن عن توجهها الصهيوني في منشوراتها وتمول مؤسسات يقودها مقاومون للتطبيع غير ان احداً لم يهاجمها.. نحن لا ندافع عن احد لكن الذي يعرف ان هذه المؤسسة حقيقة يعلم انها تمول مشاريع لم تتأثر وطنيتها بهذا التمويل ولم تقم برنامجاً بناء على توجيه من التمويل ومن بينها مشاريع فلسطينية مهمة مثل جامعة بيرزيت ومركز خليل السكاكيني وفرقة صابرين. كان الهجوم الاول على الفوانيس ليس لانها تتمول من تلك المؤسسة بل بسبب مشاركة فرقة مسرح القصبة المقدسية في دورة المهرجان عام 1997 وقدمت رمزي ابو المجد، كان الهجوم من طرف مجموعة متنفذة في نقابة الفنانين قبل ذلك بشهرين فقط دعت «مسرح القصبة» الى فندق بشاطيء البحر الميت وقدمت لافرادها دروع تكريم على اعتبار انها فرقة فلسطينية.. مسرح القصبة فلسطيني في نقابة الفنانين بينما في ايام عمان المسرحية هويته اسرائيلية. الموضوع ليس «فورد فونديشن» بل المشروع في حد ذاته اولئك الذين ليسوا سوى مجموعة من اللاموهوبين والذين ليس لديهم انتاج ابداعي حتى ان مهنتهم الفنية ليست اكثر من توصيف مهني مكتوب في بطاقة عضوية النقابة. اما المطبعون فهاهم يمرحون في الارض جيئة وذهابا ويعرضون يوميا على مسارح عمان ولم يتحرك احد للقول فيهم ولو كلمة واحدة والذي حدث في حقنا: بيانات ومراسلات وفصل من العضوية وقضايا واتهامات شخصية واخلاقية وتهديد. ـ الى اين انتم تذهبون؟ ـ المشكلة الاساسية التي تثير التخوف حقاً هي ان اي مشروع ثقافي ولو كان غير مستهدف فإنه مكلف ماديا في مجتمع غير مثقف واستهلاكي.. المشكلة في جانب التمويل فهو يهدد مشروعات مثل ايام عمان المسرحية فهي تكبر وتتسع وتقع عليها مسئوليات اكبر وفي الوقت نفسه تقل الايرادات. في الفترة الاولى كانت الفرق المسرحية مثلا اقل كلفة في حضورها وفي مصاريف عرضها.. حاليا لان المهرجان اكبر صار من الضرورة العمل على استقطاب فرق ذات مستوى نوعي غير ان احضارها يتطلب امكانات مالية كبيرة وهنا الخطر وهو خطر واقعي الآن ولا نستطلعه في المستقبل فقط. ففي حين انه يجب ان تتوفر موارد اوسع من السابق لاستمرار المهرجان إلا ان هذه الموارد تقل.. بتنا كل سنة نعيش قلق هذا السؤال: هل نقدر ام لا نقدر ان نقيم المهرجان لهذا العام! ـ كنت اشير الى التعب من جراء هذا الموقف. ـ لا تستطيع العمل.. واقع كهذا دون تعب وما دمت معنيا بمشروع ذي طابع مغاير فيصير قدراً محتوما ان تتعب ما يعني ان على المرء ان يكون مستعداً فيحتمل اعباء حماقاته او ألا يتحامق من الاساس.. انا تحامقت وانتهى الامر! ـ هل احسست انك تعرضت لارهاب من نوع ما؟ ـ طبعا. ـ مثلا؟ كيف؟ ـ في سبيل هذا المشروع تعرضت لارهاب مادي احيانا.. وصل الامر الى محاولة الاعتداء الجسدي من طرف عاملين في الوسط الفني مثلما تعرضت لارهاب معنوي عبر اغتيال شخصيتي بواسطة المؤسسات الاعلامية المختلفة الى حد انها اورثتني المرض وصرت احمل عكازاً حدث ذلك في مجتمع متخلف لا يسمح لك ان تكون مختلفا. ـ لكنك تعمل لأجل هذاالمجتمع؟ ـ ينبغي عليك ان تقاوم التخلف وتنتزع مشروعك.. عموما كل المجتمعات كانت متخلفة لكن المغايرة هي التي خلقت التطور وليس في الفن وحده بل في حقول المعرفة كلها.. تخيل ان الطب لم يتطور بعد. كنت ستجد رؤوس الناس لاتزال تقطع بحثا عن الشيطان حتى الآن. ـ هل اخذت مسألة التخلف حيزاً؟ ـ انها تأخذ حيزاً ايجابياً.. لا اعبر عن وجهة نظر في هذاالمجتمع بل تساعدني مسألة التخلف في كيفية تناول العرض وتستفز في طاقات على قدر من الاهمية في مقاومة التخلف واعتقد انه احياناً يكون حافزاَ لمستوى معين في استفزاز جماليات معينة في التعبير المسرحي. عمان ـ جهاد هديب