«باب الحديد» المسلسل الذي كتبه الروائي فيصل خرتش واخرجه رضوان شاهين والذي تناول فيه حقبة عربية مهمة، هي زمن جرح وانكسار يونيو 1967 وصدى هذه النكسة المؤلمة على الانسان العربي البسيط الفاعل الحقيقي، والمنكسر الحقيقي في الواقع. عرض مؤخراً على محطتي ابوظبي والمستقبل ولاقى استقطاباً جماهيريا لافتا. وقد عودنا الروائي فيصل خرتش على تناول القاع الشعبي روائياً في الشمال السوري وفي مدينة حلب تحديدا، الذي يمثل الضمير الحقيقي بكل تجلياته الانسانية وقسوته غير المتناهية، حيث يجري اهدار الدم لأتفه الاسباب، ولكن بنفس الوقت يجري التضامن العجيب والانساني ومفهوم الجيرة والتآخي لدى ناس القاع عندما يدهمهم اي عدو خارجي، خاصة اذا كان هذا العدو من النوع الذي يهدد ليس الحارة ـ المدينة فقط وانما الوطن ـ الامة بكاملها. ولقد تعامل فيصل خرتش مع السينما ايضا من خلال روايته التي كتبها عن النهضوي السوري الكبير عبدالرحمن الكواكبي بعنوان «تراب الغرباء» والتي اخرجها للسينما المخرج سمير ذكرى. حول هذا المسلسل «باب الحديد» وعرضه الاخير التقينا خرتش في الحوار التالي: ـ هل تعتبر الاحتفالية الحميمية والشغف الحار ببيئة معينة هو نوع من الوفاء لتصوير هذه البيئة ـ هنا الحلبية ـ ام هو نوع من الغرائبية التي تلفت انظار متفرجي القاع الشعبي والسائحين الاوروبيين فقط؟ ـ انا اعيش في هذه المدينة ومهنتي هي الكتابة وهذه المهنة تفرض علي ان اغمس اصابعي في مشاكلها، وابراز عيوبها ليرى الناس انفسهم على حقيقتها، انا لست سائحا في هذه المدينة، ولا يمكنني ان اصور جماليات المكان، والعادات والتقاليد الفاضلة، لان هذه ليست بحاجة الى تغيير اريد ان يرى الناس عيوبهم لينفروا منها ولا يكرروها في اجيال لاحقة، واعتقد ان هذه هي رسالة الاديب ورسالة الكاتب التي يريدها في حياته. ـ غالبا ما يتهم مسلسل «باب الحديد» بالبطء هل يرجع هذا الى المادة الدرامية التي كتبتها، او الى اسلوب المخرج السوري رضوان شاهين؟ ـ عادة لا يتدخل الكاتب بحركة الكاميرا ومعروف عن المخرج رضوان شاهين انه مولع بالتصوير الخارجي في فضاءات المدينة القديمة، ليبرز جمالياتها، وهذه فضيلة تسجل له، اما عن الحركة البطيئة والمشاهد المجانية التي لا حوار فيها فهي اجتهاد شخصي من المخرج ربما له اسبابه المبررة لديه. ـ هل هناك تقاطع ما بين رواياتك وقصصك التي تكتبها وهذا المسلسل التلفزيوني الدرامي «باب الحديد» اذكر لك روايتك «موجز تاريخ الباشا الصغير» والتي صدرت في لندن عن رياض الريس للطباعة والنشر، والتي تناولت فيها نفس المكان الحلبي؟ ـ ها انت تعود للموضوع ذاته، فأهم الشخصيات الموجودة في باب الحديد مسحوبة من رواياتي، ومن يقرأ رواية «تراب الغرباء» اعدت صياغته في «باب الحديد». ـ لكي ادلل على ذلك اقول ان شخصية غادة لقيت مصرعها على يد شقيقتها بدافع الشرف، وفي هذه الحالات غالباً ما تكون الفتاة بريئة غير ان تمردها على الواقع البالي يودي بها الى التهلكة، هل غادة من لحم ودم ام انها رمز مجسد؟ ـ عندما كنت صغيراً شاهدت او سمعت عن بعض الحالات التي تذبح فيها الفتاة انتقاما للشرف المهدور وقد تركت هذه الاحداث اثرها في نفسي، وفي شخصية غادة ادين مجتمعا كاملا، تعشش فيه الخرافة والجهل، انها لم تحب احدا، كانت معجبة بشخصية «المعلم» تنظر اليه ببراءة لانها لا ترى غيره ، لقد حبستها العادات والتقاليد ووضعتها امام هذا الرجل ثم جاء الجهل والطيش والرعونة ليسبب في مأساتها ولعبت الصدفة دورها لتموت وتكون ضحية هذا المجتمع ولا تحمل غادة وحدها صفة الرمز بل كل العمل مع شخصياته من تخيلي، ولا توجد صورة في الواقع. ـ هل ننتظر منكم اعمالا درامية مقبلة تعالج مشاكل وهموم الانسان العربي؟ ـ انني اعمل بشكل دائم وارتاح في كتابة الرواية بسبب الحرية المتاحة في كتابتها، اتمنى ان نتطور قليلاً، لنعالج مشكلاتنا على الشاشة الصغيرة لانها سلاح قوي نستطيع ان نصل من خلاله الى جميع الناس، بكافة مستوياتهم ولكننا الى الآن نرتدي ثوباً شفافاً من الفضيلة لنظهر امام بعضنا بشكل جميل، وهذا يعود الى النفاق الذي نمارسه على انفسنا، نحن بحاجة الى المواجهة مع الذات والنقد الذي نمارسه الى حد التجريح لنتطور. اعتقد انني اعد نفسي لكتابة عمل افضل.. بسبب الجرأة التي اكتسبتها بعد ان شاهدت كتابتي وقد تحولت الى بشر من لحم ودم، يحبون ويفرحون ويحزنون ويغيرون مصائرهم. ـ مثلا نحن نعرف شخصية «الشحاذ» في مسلسل «باب الحديد» وهو شخصية شحاذ حقيقي يعيش في حلب نعرفه جميعا يظل يردد دائما «جوعان.. والله جوعان» ما هو المدى الذي استفدت فيه من الشخصيات الحلبية الحقيقية؟ ـ عادة لا ارغب في التدخل في عمل غيري لذلك تركت المخرج يقوم بعمله دون ان اعرف شيئا، مما يفعله ولم اشاهد العمل من قبل بل رأيته مع الناس، على الشاشة الصغيرة، وكنت قد وضعت بعض الشخصيات للطرافة ولكونها موجودة في السوق، وفي كل مدينة عربية وغير عربية، بالنسبة للشخصيات العاجزة او البلهاء او الشحاذ فلا دخل لي فيها، إلا بعض المشاهد البسيطة، وضمن سوق، او حبي لا اكثر لكن المخرج زج بها وطورها، ولا اعرف ما هو مقصده من ذلك، انا ببساطة لا احمّل وعي الشعب لمجموعة من العجزة أو المشوهين.