قرابة الساعتين والمتعة لم تتوقف دقيقة واحدة، ورغم وجود بعض المشاهد التي اتسمت بالبطء والرتابة، إلا انها تعد بمثابة نقطة في بحر زاخر، بكل صنوف السينما لم تنل من حيوية المتابعة واحتشاد العيون المشاهدة لفيلم أراد كاتبه ومخرجه ان يخفضا من جرعة الاثارة والحركة، فالتجأا الى لمس الجوانب العاطفية والانسانية والنفسية لابطالهما. وذلك عبر ابراز حالة من الحب المربك والمرتبك وسط خضم من الكوكتيل المبهر من قسوة الحركة وصناعة الضحكات غير المجانية، أما الجريمة فهي أقل بكثير من معنى الحياة المشتهاة. تدور قصة الفيلم حول «جو» الذي يلعب دوره الممثل بروس ويليس و«تيري» الذي يجسد دوره بيلي بوب ثورنتون، وهما سجينان يهربان من السجن عن طريق سرقة شاحنة يقودها «جو» المليء بالقوة والحركة والاصرار على تغيير نمط حياته عن طريق سرقة البنوك، فهو يحلم بشراء قصر عمه وتحويله الى ملهى يضيء به الليل بالنساء والشراب والمأكولات الفاخرة. وصيغة تحقيق هذا الحلم أسالت لعاب «تيري» الخائف المرتعب دائماً من جرأة «جو». وتبدأ رحلة سرقة البنوك عبر طريقة مبتكرة وفرت على الرجلين الكثير من معضلات السطو المسلح على بنوك محاطة بأجهزة انذار الكترونية، فضلاً عن الخزائن الرقمية، وتواجد الموظفين والمراجعين، خاصة بعد تعرضهما لكثير من المتاعب والمطاردات حين لجأا الى الاقتحام المباشر لأحد البنوك. ولقد نجح المخرج في انتزاع الضحكات رغم اننا أمام جريمة سطو. تتلخص هذه الطريقة المبتكرة في زيارة مدير المصرف الذي يبغيان السطو عليه في منزله قبل العملية بيوم واحد، فيقدمان نفسيهما كلصين يريدان سرقة مصرفه، فيتناولان العشاء مع عائلته ويداعبان أولاده وزوجته، ثم ينامان في منزله حتى صبيحة اليوم التالي، موعد العملية، فيتجهان معه الى البنك قبل وصول الموظفين، فيفتح لهما الخزائن تحت تهديد السلاح لتتم العملية بكل هدوء ويهربان. وينجح هذا الاسلوب الساحر في تحقيق حلمهما في الحياة، لكن الأمور تتعقد عندما تصدم كيتي التي تلعب دورها «كيت بلانشيت» بسيارتها تيري، فتصر على توصيله الى مخبأ مع «جو». وكيتي ربة بيت عادية سئمت من حياتها المخيبة للآمال، فهي تعاني من اهمال زوجها، وتشعر بالملل والضجر، فتجد ضالتها في هذين الرجلين اللذين نالا اعجاب الناس لجرأتهما التي امتدت شهرتها من «اوريجون» حتى كاليفورنيا. ومع تصاعد الاحداث وكثرة عمليات السطو ترفض كيتي ان تترك هذا الجو المثير الذي حرك حياتها الراكدة، لكن المشكلة العويصة التي حركت الرأي العام والشرطة ضد «جو» و«تيري» هي اعتقاد زوج كيتي بأنها محجوزة كرهينة لدى اللصين. ورغم خطورة الموقف بسبب وجود كيتي، إلا ان الرجلين اعتادا عليها، وتحرك قلباهما تجاهها. ولقد امتعنا المخرج بعرض هذه المشكلة العاطفية بشكل رومانسي وكوميدي راق يذكرنا بقصص الحب العربية في فترة الستينيات من حيث المقالب الطريفة ومحاولة كل منهما الاستئثار بقلبها عبر خفة ظل جميلة. ويضعنا المخرج أمام سؤال كبير وهو الى أي الرجلين يميل قلب كيتي؟ فكل تصرفاتها ومواقفها العاطفية متساوية تماماً تجاه الطرفين، حتى ان المشاهد نفسه فشل في استشعار وجهة مشاعرها الحقيقية الى ان تكشف المواقف عن أحاسيسها الموزعة على رجل يتمتع بالقوة والجرأة والاقتحام «جو»، وآخر يمتليء بالجاذبية الانسانية والمشاعر المرهفة. وهنا يضعنا الفيلم أمام أجمل معادلة يمكن ان يراها الانسان وهي ان «كيتي» وجدت حلمها باكتمال الحياة في عقلها وليس في قلبها، الأمر الذي يدفعها الى الانخراط النهائي في هذه العصابة الظريفة، دون ان تمني أحد بامكانية حبها. وينتهي الفيلم بمطاردات الشرطة، ثم ايهامهم بأن اللصين قتل كل منهما الآخر لاختلاف وجهة نظرهما بخصوص رهائن احدى عمليات السطو، فنراهما مضرجين في دمائهما، لنكتشف انها حيلة تعلماها من صديق «جو» الموهوب في الحيل السينمائية، ويهربان بسيارة الاسعاف البوليسية ليحطا رحالهما ومعهما كيتي على حضن الأمل المنشود ببناء ملهى ليلي يمتصوا من خلاله رحيق الحياة. ومن المستحيل هنا ان تفوتنا تلك الموسيقى التي تضج بكل منمنمات الجسد، والأغاني التي تفوح بالشاعرية وزخم الروح حين تبحث عن طوق القرنفل. يبقى المأخذ الوحيد على الفيلم هو حشر المخرج لمشهد يظهر فيه مذيع تلفزيوني يجري لقاءات مع الثلاثي الظريف ليتحدثوا عن بطولاتهم الاجرامية، فقد كان المشهد طويلاً ورتيباً لا تسنده أية ضرورة فنية. لكن يبقى اننا أمام فيلم يموج بالحركة والجريمة والكوميديا والرغبة الحميمية في صنع الحياة المنشودة. مجدي أبوزيد