في الوقت الذي تمثل فيه المنشآت النووية التي تملكها اي دولة مجرد هامش تفوق ملموس ويعطي لها نفوذاً قد يحميها من تجرؤ البعض عليها، فإن تلك المنشآت نفسها تمثل عامل تهديد قوي للدول التي تستضيفها في حال عدم الاهتمام بها بشكل خاص والعمل على التخلص من آثار التلوث التي تتسبب فيها والتي يمكن ان تودي بحياة الألوف من الابرياء اذا لم يتم التعامل مع النفايات النووية التي تنجم عن انشطة تلك المصانع بشكل صحيح. وتأتي قلعة الدرماستون البريطانية المسئولة عن الترسانة النووية الانجليزية لتعطي مثالاً صارخاً عن الاضرار العكسية التي يمكن ان تسببها القوة النووية للدولة التي تملكها. فبعد ان كانت تلك القلعة مثالاً للفخار النووي في اوروبا قاطبة منذ قيامها بتفجير اول قنبلة نووية انشطارية بريطانية في جزر مونتيبيلو قبالة السواحل الاسترالية عام 1952، اضحى وجودها الآن مثاراً للقلق والتوتر للباحثين والعلماء البريطانيين الذين يرونها مصدراً خطيراً للتلوث بسبب ذلك القدر الهائل من النفايات والقذارة الذي لا يتم تداركه، حتى اصبح موقع القلعة اقرب لأن يكون مكاناً لتلقي القاذورات. فالقلعة غارقة في بحر من الطين والاعشاب محاطاً بأسوار يملؤها الصدى وماسورات يتسرب منها الغاز والبخار، الامر الذي يؤدي الى تلوث التربة والمياه الجوفية الموجودة حولها، فضلاً عن وجود ألوف البراميل من البلوتونيوم المتناثرة حول الموقع، وكميات كبيرة من النفايات المشعة التي تحيط بمواسير المياه الارضية المؤدية الى نهر التايمز. موجة من الخوف وفي الوقت الذي يثير فيه هذا المشهد المأساوي الذي يراه اي شخص عند وصوله للقلعة موجة من الخوف والقلق عند المهتمين بالبيئة، يأتي جوناثان براون، احد افراد الفريق المسئول عن برنامج التنظيف والعناية بتلك القلعة النووية، ليعبر عن ثقته وعدم تخوفه من اي آثار يمكن ان تحدث نتيجة الوضع الحالي للقلعة ويقول براون: «بشكل عام، تعتبر قلعة الدرماستون مكاناً نظيفاً للغاية» ولكن الرجل يستدرك بقوله ان عملية تنظيف القلعة ستتكلف نحو ملياري جنيه استرليني، والأهم من ذلك ان البرنامج الخاص بتنظيفها وتنظيف مصنع الأسلحة المجاور لها في بيرغفيلد سوف يستغرق 70 عاماً!! وعلى الرغم من ضخامة هذا المبلغ وطول الفترة الزمنية التي يتطلبها البرنامج الاصلاحي فإن تنفيذ البرنامج في حد ذاته لا يمثل الا جزءاً بسيطاً من المشكلة فواقع الامر يشير الى ان بريطانيا عليها ان تعالج وتخزن ألوف الاطنان من النفايات المشعة وتخلص أكثر من 50 موقعاً عسكرياً من النفايات الذرية والتلوث النووي بشكل عام وبجانب هذا يجب العثور على وسيلة للتعامل مع المفاعلات النووية الموجودة في 27 غواصة عفى عليها الزمن واصبحت خارج الخدمة وتقدر مصادر حكومية تكلفة القيام بهذا الامر بـ 30 مليار جنيه استرلينيني، وهو الامر الذي يعني ان تكلفة اصلاح المنشآت النووية الانجليزية تعادل برنامج الطاقة النووي الذي تتبناه الحكومة والذي وصلت تكلفته الى 34 مليار جنيه استرليني! غير ان الواقع يشير الى الأسوأ. فالتكلفة المتوقعة لاصلاح تلك المنشآت، حسب مصادر مطلعة، تعتبر مبدأية فقط وقابلة للزيادة علاوة على ان هناك العديد من المعوقات الادارية والأمور التي تؤجل القيام بعملية الترميم والتنظيف بسبب الانشطة التي تقوم بها القلعة في الوقت الحالي فالقلعة الآن مسئولة عن خدمة 200 رأس نووية خاصة بغواصات تريدنت الأربع التي تملكها بريطانيا وعليها ايضاً الاستعداد لتطوير رؤوس نووية بديلة في حال طلب الحكومة الانجليزية استبدال الرؤوس الحالية. وخلال العامين الماضيين، كان على القلعة ان تقوم بمهمة اخرى تتمثل في تنظيف والتخلص من ذلك القدر الهائل من النفايات الكيميائية التي تسببت فيها تلك الانشطة الذرية والنووية. مستويات التلوث ويقول اعضاء فريق العمل المسئول عن تنظيف القلعة: «مستويات التلوث البيئي منخفضة للغاية ونحن الآن نركز على عدد صغير من المواقع التي يمكن ان تتم فيها عمليات التنظيف». غير ان هناك اطرافاً اخرى ليست على نفس مستوى الثقة التي يتمتع بها اعضاء فريق التنظيف، يقول كريستين بروس، مستشار وزير الدفاع الانجليزي للحماية الاشعاعية: «انهم يعانون مشكلة ضخمة بالفعل فالمكان كبير وقذر للغاية». وفي الفترة الاخيرة حصلت مصادر صحفية مطلعة على وثائق سرية صورت بشكل ما حجم المشكلة التي يعانيها فريق العلماء المسئول عن برنامج التنظيف حيث تبين من خلال رسائل بالبريد الالكتروني تبادلها عدد من اعضاء هذا الفريق انهم يعانون مأزقاً محيراً يتمثل في ان هناك خمس خزانات فولاذية يعتقد انها تحتوي على محاليل يورانيوم لا احد يعرف الكود الخاص بفتحها وقد تم تخزين الخزانات بجانب مجموعة من الادوات البالية في منطقة تدعى ستيلز يارد ويؤكد المقربون من المشكلة انه في حال عدم التوصل الى حل لفتح تلك الخزانات فإن الامر سيمثل مشكلة كبيرة لفريق التنظيف غير ان القائمين على ادارة القلعة ينفون تلك المشكلة يقول جورج وال مدير قسم التنمية بمؤسسة الاسلحة الذرية الانجليزية: «لا أعلم بوجود أي شيء لا نملك تاريخه او معلومات عنه وليس هناك كميات كبيرة من النفايات غير المتعارف عليها». وفي ظل المعلومات المتضاربة بين المسئولين عن تلك القضية، يبقى الجدل دائراً حول الخطر الذي تمثله هذه القلعة التي تقع على مساحة 2.7 كيلومتر بين مدينتي ريدنج وباسينجستوك، والتي وجد البريطانيون ان عملية تنظيفها عمل لا يقل خطورة وصعوبة عن عملية الاقدام على بنائها اثناء الحرب الباردة. حاتم حسين عن «نيوساينتست»