بيان 2: عرف الحرير الطبيعي منذ أقدم الأزمان من خلال تربية دودة القز، وكانت هذه التربية تقتصر على الطبقات النبيلة الحاكمة التي اهتمت كثيراً بهذه التربية اذ كانت تقوم بها في أزقة قصور الحكام في الصين التي تعتبر المنشأ الحقيقي لتربية دودة الحرير، وذلك خوفا من تسربها الى طبقات الشعب، والى البلدان الأخرى، لكنها بعد قرون انتقلت الى دول حوض المتوسط وفي مقدمتها سوريا ولبنان، ومن هناك انتقلت الى الشرق الأقصى حتى اعتبر انتاج الحرير الطبيعي في اليابان خلال القرن الثامن عشر المصدر الأساسي للثروة القومية. وبعد ان اعتمدت هذه الصناعة على الوسائل التقليدية، دخلت الثروة التكنولوجية اليها، فماذا عن تاريخ هذه الصناعة؟ عرفت هذه الصناعة في الصين منذ الالف الثالث ق. م وانتقلت منها الى اليابان وباقي دول اسيا، وكانت لفائف الحرير «الشلل» تستخدم مكان أوراق النقد الحالية في التبادل التجاري في الصين حتى القرن التاسع الميلادي. ويعود النشاط التجاري بين شرق وغرب اسيا الى القرن الثاني قبل الميلاد وهو التاريخ الذي نشأ فيه طريق الحرير الذي دام استخدامه حتى القرن الثامن الميلادي، وقد كان هناك ثلاثة طرق لقوافل الحرير يربط الاول الصين بالهند وجنوب اسيا. والثاني يربط الدول الاسيوية القديمة بأوروبا، كما يربط الثالث بين الصين وغرب اسيا، كما كانت هناك طرق فرعية، وكانت مدينة تدمر مركزا تجارياً مهماً على طريق الحرير بالنسبة للطرق الفرعية. كما كانت نقطة التقاء جميع القوافل. وعرفت تربية دودة القز في سوريا وانتاج الحرير وتصنيعه منذ القرن الاول الميلادي، من خلال القوافل التي كانت تنقل منتجات الحرير من الصين الى أوروبا، وانتشرت هذه الصناعة في دول حوض المتوسط والبحر الأسود خلال القرنين الاول والثاني الميلاديين، وقام العرب بنقل هذه الصناعة الى أوروبا عبر الاندلس، ويذكر ان الخليفة معاوية بن ابي سفيان أقام معملا لنسيج الحرير في قصره بدمشق عام 665م، وأثناء العصر العباسي كان هناك معملان في حلب وصور بالاضافة الى معمل دمشق، وفي نهاية العهد الايوبي، والعهد المملوكي اصبحت المدن السورية تنتج اكثر من اربعين نوعا من نسيج الحرير، كالحرير المقصب والبروكار والدامسكو. وفي القرن التاسع عشر كان عدد الأنوال اليدوية 3000 نول في دمشق و6000 نول في حلب، وبلغ عدد العاملين في هذه الصناعة حوالي 20 الفا في دمشق و30 الفا في حلب، وقد تراجع هذا العدد خاصة في القرن العشرين بسبب دخول الملابس الاوروبية، الا ان الصناع السوريين لم يقفوا مكتوفي الايدي فأدخلوا الانوال اليدوية الى هذه الصناعة لتطويرها ثم قاموا بانتاج انواع من الاقمشة الحريرية المبسطة، رخيصة الثمن فازداد الطلب عليها فانتعشت الصناعة حتى بلغ عدد الأنوال قبل الحرب العالمية الاولى 22 الفا وبلغ عدد الذين يشتغلون بها 66 الف عامل، وبلغ عدد المشتغلين فيها أكثر من مئة الف نسمة. لقد تفوق الصناع السوريون في هذه الصناعة، خاصة خلال النصف الاول من القرن العشرين، وأدخل الصناع السوريون الذهب والفضة مما أعطى الحرير رونقا وجمالا وكانت الرسوم تعلو قماش البروكار، وهي مستمدة من الحياة الدمشقية اليومية، والزخارف الاسلامية، والتاريخ العربي، وقد اختارت ملكة بريطانيا الحالية اليزابيث الثانية ان تصنع منه ثوب زفافها عام 1947، ويطلق تجار البروكار في دمشق اسم الملكة اليزابيث على البروكار. الدامسكو اسم اخر لقماش يصنع من الحرير الطبيعي، اشتهرت به دمشق، وحمل اسمها وهو يوشى برسوم الفرسان والصيادين والأشجار والنباتات، وهناك الأغباني الذي عرفت به حلب وحمص ويتم تطريزه بخيط الحرير يدويا، وله نوعان الاطلس والرش، وتطرز عليه حب البندق والزيتونة وعرق الاس والفلة واللوزة.. كانت مساحة الارض المزروعة بأشجار التوت تزداد على مر السنين، وقد بلغ عددها في الساحل السوري واللبناني بأكثر من 28 مليون شجرة في القرن التاسع عشر، وفي عهد الانتداب الفرنسي بلغ في ولاية دمشق حوالي 3.5 ملايين شجرة. ان كلمة توت هندية ونقلت الى الفارسية ومنها الى العربية، وتعتبر اوراق التوت هي الغذاء الوحيد لديدان الحرير، وعلى الرغم من أهمية هذه الشجرة فانها لم تلق الاهتمام المطلوب من الجهات الرسمية، وهذا ينذر ان زراعة هذه الأشجار تنحسر الى ان تنتهي خلال ثلاث الى اربع سنوات ما لم يتم إعادة النظر بوضعها الحالي. لقد بلغ انتاج الشرانق في سوريا مع بداية القرن العشرين 60000 طن، وعدد الأنوال 22000 نول، واشتغل فيها 5% من سكان القطر، لكنه بعد ظهور الخيط الصناعي بدأ الانتاج بالتراجع فبلغ في عام 1970 حوالي 360 طنا من الشرانق، وفي عام 2000 هبط الانتاج الى 35 طنا. الان يجري الاهتمام بإنتاج الحرير ففي الموسم الزراعي الماضي تم تسليم الفلاحين 800 كرتونة ياباني، و100 كرتونة كوري، وبلغ انتاج البيوض اليابانية في القطر 25.5 طنا، وقد بلغ الحرير الناتج للعام نفسه 1658 كغ، لكنه مع عام 2002 تراجع الاكتتاب على البيوض الى 600 كرتونة، لكن الحل برأي الجهات المسئولة هو ايجاد مشروع متكامل لانتاج شرانق الحرير بالمواصفات والكميات المناسبة اذ سيكون من الممكن الاستفادة من الطاقة الانتاجية المتاحة، وبالتالي سوف تنخفض كلفة الأجور الداخلة، في انتاج كغ حرير الى أقل من 200 ليرة سورية وعلى مستوى النوعية فسيتاح للشركة تخفيض المادة الاولية الى 1200 ليرة سورية وتعتبر قرية دير ماما الواقعة في محافظة حماة هي البلدة الوحيدة في سوريا التي حافظت على صناعة الحرير الطبيعي يدوياً.