اثبات ان المعماري البرتغالي الشهير انطوني جاودي لم يكن عبقرياً معزولاً عن سياقه التاريخي ولا شخصية، متوحدة ولا معمارياً منسياً ومبهما هو الهدف الذي يصبو اليه خوان خوسيه لاهويرتا مستشار معرض «عالم جاودي» الذي تم افتتاحه مؤخرا في مركز الثقافة المعاصرة في مدينة برشلونة الاسبانية. ويقترح لاهويرتا من خلال مجموعة مثقلة من أكثر من 400 قطعة فنية من بينها رسوم ولوحات ومنحوتات وصور وكتب ومجلات، تحليلاً لجماليات جاودي والعناصر المختلفة المكونة لحالته الابداعية، التي أثرت وفتنت العديد من الفنانين على امتداد القرن العشرين. وقال مستشار المعرض: «انني لا أنفي التأويلات الأخرى لأعماله، فجميعها ممكنة، لكنها أظهرت عموماً جاودي مجزأ ونحت جانباً الهيكل العظمي لأعماله. ومن جانبنا حاولنا ان نكسو هذا الهيكل العظمي لحماً وان نجعل الدم يتدفق في عروقه. ومن بوشكين ووليام موريس وصولاً الى انطونيو سابييس مروراً بالفنان فيوليت لي دوك وروبين ويورديلي وفورتيني ولو كوربوازييه ودالي وبراساي ومان ري، يكتشف الزائر العالم الذي أحاط جاودي والمنابع التي غذت عالمه الشخصي ومناهج العمل التي يبدو انها لم تكن مغايرة لفنانين آخرين ينتمون الى عصر مثل أوجست رودان والبصمات التي خلفها في فنانين ذوي اتجاهات متناقضة تقريباً مثل المعماريين العقلانيين والسيرياليين. والنتيجة هي معرض لم يتردد جوسيب راميونيدا مدير مركز الثقافة المعاصرة في برشلونة في وصفه بأنه «غير مألوف ولا يتكرر» وانه من الممكن مقارنة بنيته بأحجية ذلك انه «بمجرد الانتهاء منه، يطفو الى السطح فجأة ذلك التعقيد الذي ميز عالم جاودي». الى ذلك يعد هذا المعرض من التظاهرات الرئيسية لاحياء الذكرى الـ 150 للمعماري العبقري، فبالنسبة لدانييل جيرالت ميراكلي المستشار العالم لسنة جاودي العالمية «تحول مركز الثقافة المعاصرة في برشلونة، بهذا المعرض، الى محور الاحتفالات لأنه يسمح بفهم المفاتيح الأساسية للسياق الثقافي عند جاودي». أما العلاقة مع فنون وعمارة زمنه فإنها تتركز في أولى القاعات الثلاث التي تكون الجولة، حيث يكون مشاهدة بعض رسوماته المعمارية الأولى مثل ذلك الرسم الذي أنجزه من أجل نافورة «ساحة اسبانيا» عام 1877 وبهدف اظهار كيف كان العالم الذي خطا فيه جاودي خطواته الأولى كطالب ومحترف معماري، فلقد جمعت بعض الأعمال التي تذكر بالتيارات الفنية الرئيسية لذلك العصر مثل حركة «الفنون والحرف الفنية» التي تم تمثيلها من خلال رسوم وكتب لجون بوشكين ووليام موريس. كما يمكن ان تشاهد في هذه القاعة أعمال ماريانو فورتوني وهنري فانتين لوتور ورسومات وتصميمات لمعارض عالمية ورسومات مشاهد لريتشارد ووجنر (المبدع القريب من جاودي بسبب مفهومه للعمل الفني الشامل) بالاضافة الى طبعات عدة لكتب حول فن العمارة شكلت الخلفية الثقافية عند جاودي. ومن ثم يكتشف الزائر ما عناه المشغل بالنسبة لفنان بهذا القدر من التعقيد مثل جاودي ولوحة النسيج «كاتدرائية الفقراء» التي أنجزها هواكين مير عام 1889 والتي أعيد ترميمها مؤخرا. ويعرض الى جانبها بعض رسومات نونيل وريكارد أوبيسو وبابلو بيكاسو وجميعها على صلة بكاتدرائية جاودي أو بموضوع الفقر. وفي الجزء الأخير من المعرض الذي حمل عنوان «نصيب جاودي» نتذكر اللحظات الرئيسية التي بدأت فيها أعمال المعماري الكبير تشق طريقها الى عالم الشهرة واعتراف مبدعين آخرين بها مثل الانطباعيين الألمان والسيرياليين والعقلانيين. ويمكننا ان نتأمل هناك ثلاثة رسوم ولوحة زيتية لسلفادور دالي وصوراً لمان ري وبراساي ودورا مار ورسومات للفنان لو كوربوازيه بالاضافة الى سلسلة مشاهد لعمل لوباليه اديال للفنان فيكتور شيفال. ويذكرنا المعرض ايضاً بتاريخين مهمين في مسيرة الاعتراف العالمي بأعمال جاودي الأول هو معرض الفن الرائع الدادية والسيريالية الذي أقيم في مدينة نيويورك عام 1936 واعتمد على صور لأعمال جاودي وكورت سشويترس فيكتور شيفال وهكتور جيمارد من بين آخرين، ومعرض آخر احادي الموضوع كرس خصيصاً لأعمال جاودي في عام 1956. باسل أبو حمدة