بيان 2: كانت مجموعة صغيرة من كلاب الجر تعدو مهرولة في مرح على طريق موحلة في غابات الصنوبر السيبيرية الغربية المعروفة باسم «التايجا» مبشرة بوجود عائلة مولدانوف، وخلف الكلاب، كان هناك رجلان يحمل احدهما بندقية صيد، وتلتهما ثلاث نساء يضعن اوشحة مطبوعة بالزهور، ويرتدين اثواباً ملونة ذات اهداب من اشرطة مطرزة من القماش، وكانوا جميعاً محنيي الظهور، يئنون من ثقل احمالهم، المؤلفة من خيرات الغابة الشمالية في روسيا كالسمك وثمر العليق ولحم غزال الرنة. كان ذلك يوما لطيفا من ايام اوائل شهر سبتمبر، وكان اوليج مولدانوف وعائلته ـ وهم افراد مجموعة من السكان الاصليين تعرف باسم «خانتي» قد غادروا منزلهم الكائن في اعماق الغابة لقطف التوت البري الذي ينمو بكثرة في تلك الاراضي، وكانت تقارير تفيد بأن ابناء قبيلة «خانتي» مازالوا يحاولون العيش في هذه المنطقة، التي باتت مسرحاً للمشروعات التطويرية المرتبطة بالنفط والغاز. واثناء بحث عالمين روسيين اثنين عن هؤلاء القوم في اقصى الحدود الشمالية لمناطق التنقيب عن النفط في منطقة سورجوت عثرا على عائلة مولدانوف. دعت العائلة العالمين لمشاهدتها وهي تقيم مخيمها الخريفي المؤقت الذي يبعد بضعة اميال عن منزلهما الدائم. كان منزل العائلة عبارة عن مجموعة من المباني الخشبية ذات اللون الرمادي وزريبة لغزلان الرنة، ويقع هذا المجمع بجوار بحيرة صغيرة على بعد اميال من اقرب بئر نفطي، وهو مكان يسوده سكون مطبق. كانت تلك المنطقة عبارة عن جزيرة وسط بحر متعاظم من المشروعات التطويرية ومع حصر عائلة مولدانوف و23 الف فرد آخر من قبيلة «خانتي» في مساحات متقابلة من التايجا، فإن اسلوب حياتهم التقليدي يتلاشى تدريجيا. يقول اوليج: ولدت في مكان بعيد في نويابرسك وكان هناك جيولوجيون من حولنا، ولهذا قدمنا الى هنا قبل 30 عاماً، في الوقت الذي لم يكن هناك روس. والآن ليس هناك مكان آخر نذهب اليه، فالجيولوجيون في كل مكان. تضم الغابات الشمالية ثلث اراضي الغابات في الكرة الارضية نصفها يقع في روسيا وثلثها في كندا والباقي في ألاسكا واسكندنافيا، وتبدأ هذه الغابات من حيث تختفي غابات الطقس المعتدلة المؤلفة من اشجار البلوط والقيقب وتتجه شمالاً مروراً بالدائرة القطبية حتى تتوقف الاشجار وتظهر سهول التندرة الجرداء. وفي ظل فصول الشتاء الباردة الطويلة والصيف البارد القصير، فإن الغابات الشمالية تمتاز بتنوع احيائي اقل من الغابات الاستوائية، فعلى سبيل المثال تضم كندا 3 آلاف و270 فصيلة نباتية بينما تضم اندونيسيا 29 الفاً و375 فصيلة. واذا كانت الغابات الاستوائية التي تضم نصف مساحة الغابات على الارض، احدى رئتي الارض، فإن الغابات الشمالية هي الرئة الاخرى، وكلتاهما تلعبان دوراً حيوياً في ضبط المناخ، حيث انها تقومان ـ الى جانب المحيط، الذي يعتبر اضخم مستودع للكربون على الارض. بترشيح مليارات الاطنان من ثاني اكسيد الكربون والغازات الدفيئة الاخرى اثناء عملية التمثيل الضوئي، حيث تخزن الكربون في الاشجار والجذور والتربة. ولكن من نواح عدة، فإن الغابات الشمالية هي الغابات التي نسيها العالم، فخلال العقدين الماضيين، وفي الوقت الذي ركز الرأي العام على تدمير الغابات الاستوائية، لم ينظر كثيرون الى الغابات الشمالية التي لا تقل عنها اتساعاً، وهذا مرده الى حقيقة ان الغابات الاستوائية كانت تتعرض لهجوم واسع النطاق، حيث تخسر تلك الغابات مساحة تعادل ضعف حجم فلوريدا كل عام للزراعة او لاغراض اخرى، بينما لاتزال الغابات الشمالية سليمة نسبيا. ولكونها نائية وغير مأهولة بكثافة، فإن اكثر من نصف الغابات الشمالية في روسيا وكندا لاتزال على طبيعتها دون ان تمس. غير ان النشاطات المتعلقة بقطع الاشجار والتنقيب عن النفط والغاز والفيضانات التي تسببها السدود المقامة على الانهار بغرض توليد الطاقة الكهربائية، تؤدي جميعها الى انحسار الغابات الشمالية، وفي الواقع ان مثل هذه النشاطات يؤدي الى ابادة الغابات الاقدم والى الاضرار بالطيور والحياة البرية واضمحلال نمط الحياة التقليدي لاقوام مثل «خانتي» كما ان غابة مدمرة ومنحسرة تعتبر اقل قدرة على تحمل التغيرات التي تجلبها ظاهرة الاحتباس الحراري، ومن شأن الزيادة في الحرائق ان تزعزع استقرار الغابات، مما يدفع الغابات الشمالية الى انتاج غازات الدفيئات بصورة اكبر مما تمتص، الامر الذي سيؤدي بدوره الى تسريع عملية الاحتباس الحراري. لقد دفع الاستغلال المكثف للغابات الشمالية الى جانب المخاوف المتعلقة بآثار الاحتباس الحراري ـ دفع بدعاة الحفاظ على البيئة الى توحيد صفوفهم والمطالبة بتخصيص مساحات واسعة من الغابات كمحميات طبيعية لحماية نظامها البيئي المهم جداً لمستقبل الحياة على الارض. ضرار عمير