تبوأت قناة ابوظبي في السنوات الاخيرة مكانه مرموقة لدى المشاهدين العرب في شتى انحاء العالم وعلى اختلاف شرائحهم ومشاربهم واتجاهاتهم ومن اهم البرامج التي قدمتها خلال العامين الماضين، «مقص الرقيب» للاعلامي محمد سعيد الذي اعتبره الكثيرون نقلة نوعية متقدمة في مسيرة الاعلام المرئي الرسمي بتفوقه على كل القيود. ومحمد سعيد من مواليد مدينة الاسكندرية المصرية في العام 73 بدأ حياته الصحفية في جريدة الاهرام ثم نال جائزة مصطفى وعلي امين للصحافة سنة 96 وقدم العديد من البرامج التلفزيونية على قناة النيل الثقافية ثم انتقل للعمل في قناة ابوظبي قبل اكثر من عامين. معه التقينا ودار هذا الحوار: ـ مقص الرقيب» سبب شهرتك.. كيف كانت الفكرة؟ ـ حكايتي مع «مقص الرقيب» بدأت عندما كان عمري ثلاثة عشر عاما وقتها كنت تلميذا بالمرحلة الاعدادية وكنت رئيسا لجماعتي الصحافة والتمثيل، واقدم برنامج الصباح في الاذاعة المدرسية واشارك في مسابقات الالقاء المسرحي والخط العربي ومن هنا اتخذت قراري بان اصبح صحفيا.. وقد اصدرت مجلة في المدرسة بعنوان: (الطالب) كتبت فيها ان ادارة المدرسة تشجع الدروس الخصوصية!! واضطررت لاقناع ناظر المدرسة بان ضيق الوقت قبل موعد الطباعة لن يسمح بمراجعة كل المقالات ولم تمض دقائق على صدور المجلة، حتى استدعاني ناظر المدرسة وطلب مني ان اتبعه الى (دورة المياه) وهناك وجدت نسخ العدد الاول من مجلتي قد صارت رمادا محترقا!! يومها كتبت رسالة باكية الى الصحفي الكبير مصطفى امين حكيت له فيها ماذا فعل بي (مقص الرقيب) وطلبت مقابلته وعندما استقبلني سألته في براءة: ماذا افعل؟ اجاب: تصدر العدد الثاني فورا!! قلت: ولكن ابي حرمني من المصروف فكيف اطبع المجلة؟ فسألني استاذي: كم كانت تتكلف طباعة المجلة؟ قلت: ثمانية جنيهات ونصف (اقل من دولارين)!! فاخرج من جيبه ورقة بعشرة جنيهات فتظاهرت بالغضب وقلت له في حزم: ان مجلتي لا تقبل التبرعات، وهذا مبدأ فضحك وقال: ان هذا ليس تبرعا وانما دين، عليك ان ترده من اول مكافأة لك من الصحافة! ومضت عشر سنوات وفي عام 1996 ذهبت لاستلام جائزة الصحافة من مصطفى امين، ورشحني الكاتب الكبير لالقاء كلمة فقلت: لقد قطعت تذكرتي للدخول الى بلاط صاحبة الجلالة بعشرة جنيهات من الاستاذ مصطفى امين.. ثم حكيت الحكاية وقلت: الآن اصبح في يدي شيك بألف جنيه هي قيمة اول مكافأة لي من الصحافة فهل يسمح لي استاذي بان ارد له الدين القديم الذي لولاه لما عشقت الصحافة وعملت بها حتى اصبحت صحفيا بجريدة الاهرام؟! ودارت عجلة السنين من جديد والتحقت بالعمل في قناة ابوظبي وعندما اختارتني ادارة القناة لتقديم برنامج عن الرقابة في العالم العربي، ابتسمت ولم يفهم احد سر ابتسامتي!! ـ ماهي اهم واطرف المواقف التي تعتبر احداثا اعلامية مثيرة في هذا البرنامج؟ ـ اهم رحلات برنامج (مقص الرقيب) كانت في فلسطين... وقد تعرضت هناك الى الاصابة على ايدي اليهود في احد ممرات الحرم الابراهيمي بمدينة الخليل عندما كنت اقوم بتصوير اشتباك بين المستوطنين وبعض الصحفيين الفلسطينيين على حدود مستوطنة كريات اربع وخلال هذه الرحلة التقيت بالرئيس ياسر عرفات كما قابلت في الكنيست ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي في ذلك الوقت وحاولت مواجهته ببعض الاسئلة لولا تدخل حراسه لمنعي من التحدث اليه وقد عرضت في البرنامج هذه اللقطة المثيرة!! وبعد مغادرتي الاراضي المحتلة اصدرت وزارة الخارجية الاسرائيلية تعميما الى سفاراتها في كل دول العالم يقضي بمنعي من الحصول مرة اخرى على تأشيرة دخول ما يسمى باسرائيل وذلك بناء على تقرير لكل من بيت الصحافة الحكومي الاسرائيلي (بيت اجرون) وجهاز الامن الداخلي «شين بيت» وجهاز الاستخبارات «الموساد» وكان هذا التقرير يدعى انني قمت بتصوير مواقع عسكرية ممنوعة والحقيقة انني حصلت على لقطات خطيرة تصور الجنود الاسرائيليين وهم (يتبولون) في مقابر شهداء مذبحة الحرم الابراهيمي وقد استفزهم احتمال اذاعة هذه اللقطات وقت انعقاد قمة كامب ديفيد. ـ لماذا توقف برنامج «مقص الرقيب»؟ ـ ليس المهم لماذا توقف؟ المهم كيف استمر عاما ونصف؟ لقد كنت اتوقع ان يتوقف (مقص الرقيب) منذ الحلقة الاولى لكنه صمد امام الهجمات القاسية من اغلب الدول التي زارها وتصدى لكل الاجهزة الرقابية في العالم العربي وعلى اية حال فان توقف (مقص الرقيب) له علاقة وثيقة باحداث 11 سبتمبر واعادة صياغة منظومة الاعلام العربي بأكمله!! ـ ماهي خطوتك المقبلة بعد «مقص الرقيب»؟ ـ برنامج سياسي جديد بعنوان (على ذمة التحقيق) افتش فيه عن الاسرار والخفايا في ملفات يكتنفها قدر من الغموض وخلال الفترة السابقة قمت بتصوير الحلقات الاولى منه في كل من: ايطاليا، الصومال، كينيا، اريتريا، لبنان، والاردن، وغيرها وخلال هذا الاسبوع اطير الى اليمن لاستكمال التصوير، وسوف يبدأ بثه خلال شهر سبتمبر المقبل ان شاء الله وهو من اعدادي وتقديمي، واخراج احمد عاطف، وتصوير شريف شلش وعائشة بلحاج ومدير الانتاج اشرف منير. ـ ماهو مقدار الحرية الممنوحة لك؟ ومتى توجد خطوط حمراء؟ ـ الحرية حق وليست منحة من احد وانا احب ان احصل على حقي كاملا! ثم انا الذي اضع الخطوط الحمراء في عملي وفقا لمعايير تتلعق بقيم واخلاقيات المجتمع.. واعترف بانني الرقيب الوحيد على برامجي فلا اسمح بتمرير الشتائم او المعلومات المضللة واحرص على مصلحة الوطن ولا تغريني الاثارة، ولا ابحث عن الاختلاف في الرأي بقدر ما ابحث عن الحقيقة. ـ ما رأيك بالاعلام المرئي الخاص وبالذات القنوات المشفرة مدفوعة الاجر؟ ـ المشاهد ينظر الى القنوات مدفوعة الاجر كما لو كانت سلعة.. يدفع فيها طالما اشبعت له حاجة المعرفة وبناء الثقافة والترفيه واظن ان تزايد هذه القنوات واشتداد المنافسة فيما بينها سوف يدفعها الى الارتقاء بمستواها واتقان عملها لجذب اكبر عدد من المشاهدين «المستهلكين» وهو جانب ايجابي بدون شك! ـ كيف يواجه الاعلام الرسمي هذا الانفتاح على الحريات؟ وكيف ترى مستقبل هذا الاعلام؟ ـ اعتقد ان رياح التجديد التي هبت على الفضاء العربي في موسم القنوات الخاصة، سوف تقذف بالاعلام الرسمي الى ابعد مسافة من المشاهد بحيث يفقد تماما هذا الاعلام مصداقيته وقدرته على التأثير. ـ كيف تنظر الى المحطات اللبنانية والخليجية خصوصا «الجزيرة» و«الفضائية المصرية» والقنوات الخاصة التي بدأت تطل وتنتشر مثل «دريم» و«المحور» وغيرهما؟ ـ بعض البرامج على المحطات اللبنانية يستحق ان (نتابعه) والبعض يستحق ان (نعاتبه)!! اما بالنسبة لقناة الجزيرة فانا بلاشك احترمها واقدر لها ريادتها واذكر انني دافعت من خلال برنامج مقص الرقيب ذات مرة عن مراسل الجزيرة في الاردن لدى اعتقاله من اجهزة الامن وشكرني مدير تلفزيون ابوظبي وقتها على هذه المبادرة وفيما يتعلق بالتلفزيون المصري فهو مدرستي التي تعلمت فيها ابجديات المهنة واعتقد ان عيبه الوحيد هو انه لا يستغل كل مساحة الحرية المتاحة في البلد، واما القنوات الخاصة فهي بداية عصر جديد في الاعلام المصري، بشرط الا يحل رجال الاعمال فيها محل السلطة فتصبح اداة للتعبير عن مصالحهم فقط! ـ ما هي اهم المشكلات التي تواجهك كاعلامي شاب وطموح؟ وما هي الافكار التي تراها مناسبة للتنفيذ؟ ـ المشكلة الكبرى التي تواجه اي اعلامي ليست لديه حسابات الا مع ضميره هي اتهامه في بعض الاحيان بانه طرف في القضايا التي يناقشها لمجرد انه يسعى لـ (نبش) في الاسرار. ـ كمقدم برامج جاد وملتزم، كيف ترى ظاهرة الفنان المذيع (ايمن زيدان، نور الشريف، خالد النبوي، الشقنقيري) وغيرهم؟ ـ انا مع التركيز والتخصص وتحديد الاهداف واستطيع ان افسر هذه الظاهرة باحد احتمالين: اما ان الفن لم يعد موردا كافيا للعيش، او ان البرامج التلفزيونية في عصر تعدد القنوات الاعلامية اصبحت اكثر رواجا وجذبا من الفن، وبالتالي من حق الفنان ان يبحث عن الطريق الاقصر للجمهور!! ـ ملامحك بريئة وموضوعاتك جريئة.. كيف توازن بين الاثنين وكيف تقابل تعليقات الجمهور على شكلك وصغر سنك؟ ـ في الحقيقة يبدو ان ملامحي البريئة تغفر لي اسئلتي الخبيثة.. وتجعل لدى المشاهد رغبة اكبر في ان يتابع حلقاتي من باب البحث عن الاختلاف في الشكل والمضمون! واغلب من يقابلني من الجمهور يعتقد ان عمري لايزيد على عشرين عاما ولا يعرف ان عمري الحقيقي يقترب من الثلاثين!! وبقدر ما تسعدني المفارقة والمفاجأة فهي تضاعف مسئوليتي في الحفاظ على احترام وتقدير الجمهور. مسعد النجار