اشتهر المخرج السوري محمد فردوس اتاسي باعمال عديدة لاقت النجاح الجماهيري نذكر منها: «الطبيبة»، «المحكوم»، «مذكرات عائلية»، «ثلوج الصيف»، «البديل»، ولو اجرينا نظرة سريعة على ما قدمه من اعمال لرأيناها جميعها تنبض بالحس الانساني والشفافية في غمرة انشغاله بتصوير «تمر حنة» المسلسل الذي يعود بنا الى حقبة زمنية قديمة، تحمل القدم في دمشق كان لنا معه هذا اللقاء: ـ هلا حدثتنا عن فكرة هذا العمل؟ ـ تدور احداث المسلسل في حي دمشقي قديم في اواخر الخمسينيات وتحديدا في اواخر 56 واوائل 57، هذه الفترة كانت غنية بالاحداث السياسية، اهم ما يميز العمل هو علاقات الناس ببعضها العمل عبارة عن رواية تلفزيونية بكل ما لهذه الكلمة من معنى اي انه رواية حقيقية من الفها الى يائها مسلسل مهم جدا ان كان على الصعيد الفني او الدرامي جديد باحداثه حيث تدور ليس فقط في دمشق وانما في الجزائر. ـ يلاحظ انك ما ان انتهيت من اخراج المسلسل «اللوحة السوداء» حتى دخلت فورا في عمل آخر وهو «تمر حنة» الا يجب ان يتأتى المخرج في العمل وخاصة انه من الضروري ان يكون لكل مسلسل رؤيته الخاصة؟ ـ اولا هذا العمل ليس للمرة الاولى بين يدي فقد قمت بتفاصيل كتابته مع المؤلف احمد حامد منذ البدايات واقول هنا انني في البداية احببت رواية للاستاذ فواز حداد بعنوان «موزاييك دمشق» وهي من اهم الروايات السورية، حيث ان المكان يلعب دورا دراميا مهما جدا عندما قرأتها احببتها فاقترحت على الاستاذ احمد حامد ان يحول الرواية الى عمل تلفزيوني وقد لقي الاستاذ حامد صعوبة كبيرة في ذلك لان المكان لم يبق ذات المكان فمثلا عندما نقرأ في الرواية اننا جلسنا في قهوة الهافانا وانتقلنا الى مقهى البرازيل ومن ثم انتقلنا الى سينما كذا ومشينا في حي كذا وشارع كذا، هذه الاماكن لايمكن تبديلها لان هذه الاماكن التي كان لها وقعها في التاريخ لدى المثقفين لم تبق كما هي، اذ ان السياسة كانت تتداول في تلك المقاهي. ـ اذن ما هي العلاقة بين هذه الرواية وهذا العمل؟ ـ الاجواء الشعبية سحرت احمد حامد واحبها وقد تناول صفحة صغيرة تحكي عن حب وعشق شخص كبير في العمر لفتاة الى درجة الجنون، في الرواية يلاحظ ان هذا الشخص من كثرة حبه للفتاة لم يستطع ان يقيم علاقة معها حتى لا يخدشها هذا الحب اكبر من السمو انه حب غير عادي، اذ عمل الكثير من اجل ان يتزوجها ولكن عندما تم ذلك لم يعيش حياته الزوجية حقيقة حتى يحافظ على هذا الجوهر، هذه الحالة اثرت كثيرا على الاستاذ احمد، وهو من عشاق دمشق يكتب عن الحارات الشعبية والتراث. لنعد الى السؤال الأصلي الا يجب ان يكون هناك فترة من الزمن بين عملين حتى يستعيد المخرج انفاسه للدخول في عمل جديد؟ ـ بعد انتهائي من «اللوحة السوداء» لم اقدم مباشرة على فتح نص «تمر حنة» وقراءته لا فقد كان النص مختمرا في ذهني فعندما كنت اعمل في «اللوحة السوداء» وخاصة في (المتفرقات) وهي المشاهد التي تحدث في السيارة عادة اي تلك التي ليس لها اهمية درامية اضافة الى ارتباط بعض الممثلين باعمال اخرى تتيح لنا بعض الوقت للتحضير اذن لا يمكن القول انني انتهيت من تصوير مسلسل ودخلت في مسلسل آخر انا اؤمن انه كلما تم التحضير للعمل بشكل افضل كلما كان المستوى افضل. ـ ما الذي يستهويك في مثل هذه الاعمال الشعبية؟ ـ اهتم كثيرا بالتفاصيل الحياتية اليومية، اذ احب دوما ان اقول شيئا ما ويمكن ملاحظة ان مجمل اعمالي لم يسقط فيها عمل واحد والسبب انني اعمل على الانسان بحد ذاته واهتم بالعلاقات الانسانية وقربها من الانسان واذا سألت اي شخص عادي عن سبب حبه او كرهه لمسلسل ما لا يعرف، اذن الصدق يلعب الدور الرئيسي فبقدر ما يستطيع المخرج الاقناع بقدر ما يحب الانسان العمل لذلك احب الاعمال التي تمس اكبر شريحة من الناس وتحكي عن مشاكلهم الحقيقية. ـ لابد من رؤية خاصة لاخراج مثل هذا العمل الذي يرصد العادات والتقاليد العريقة، على خلفية احداث سياسية هامة، كيف كانت رؤيتك الاخراجية لهذا العمل؟ ـ احاول ان اعيد الناس الى فترة الخمسينيات ووضعهم في ذلك الجو من خلال موسيقى واغاني تلك الحقبة وعلاقة سكان الحارة ببعضهم، واذا استطعت ان اصل الى هذه النقطة ان يشعر الناس بذلك اكون قد حققت نجاحا كبيرا. ـ لنتكلم عن الفورة الانتاجية التي حدثت للدراما السورية، والتي صاحبها ظهور نوع جديد وهو الدراما الفانتازية ما رأيك بهذا النوع؟ ـ انا ضد الاعمال الفانتازية وقد ناديت بهذا منذ البداية ووصفتها بانها ضحك على الذقون وقلت ان عمر التاريخ العربي 4000 سنة فهل نهرب من تاريخنا لنقدم اعمالا تافهة، تربي جيلا وتعطيه فكرة سيئة لقد اصبح اطفالنا يظنون ان العرب من امثال «الكواسر» لذلك قدمت عمل «ياقوت» وهو تاريخي موثق، وعلى الاقل عندما يشاهده الطفل يستطيع ان يسأل اباه من هو ياقوت؟ ويسمع اجابة صحيحة كأن يقال له انه رحالة، بمعنى آخر نثير تساؤلا عند الطفل وهذا هو المهم لذلك عندما بدأت بدخول التاريخ جاءت الفورة التاريخية والحمدلله دائما افتح الابواب ليلحقني فيما بعد الآخرون. ـ الا ترى ان تشابه المواضيع قد يؤدي الى نوع من التراجع في الدراما السورية؟ وكيف يمكن تلافي هذا الامر؟ ـ في البداية يجب ان يكون هناك تنسيق في الاعمال اي لا يمكن ان يرى المشاهد في الوقت نفسه (في رمضان المقبل) عملين ضخمين يتحدثان عن صلاح الدين، مثلا كنت اريد ان اعمل «المتنبي» فجاء سلوم حداد ليعمل هذا العمل فتراجعت فورا لانه ليس بالامكان ان يشتغل الاثنان على المتنبي او على صلاح الدين لاننا لا نسابق بعضنا في سباق للخيول وننتظر من يصل رأسه اولا علينا ان نفكر بخدمة وطننا وكيف نستطيع ان نبقى الدراما السورية سائرة نحو الامام ولا ننس ان الحفاظ على القمة اصعب بكثير من الوصول اليها ولو اجرينا نظرة سريعة على الوضع لوجدنا ان هناك اعمالا اخرى بدأت تظهر كالاعمال الجزائرية والتونسية والمغربية والخليجية وهذا بحد ذاته يخلق نوعا من التنافس وعلينا ان نفكر اين نحن والى اين نذهب وكيف؟ ولا يقع هذا على عاتق المخرجين فقط وانما على الكتاب والدولة التي يجب ان تساعدنا على تذليل الصعوبات. دمشق ـ « البيان »