ستبقى في ذاكرتي مغاصات الياسات ودلما وورش القلاليف واصوات معداتها وهي تصنع المحامل والسفن لتبحر بحثا عن الرزق وسط اهوال ومخاطر البحر. بتلك الكلمات بدأت رحلة الذكريات الشيقة مع الوالد شافي محمد الرميثي الذي مضى يقول: لقد كانت ايامنا السابقة جميلة. وقد ثمناها لنقتسم لقمة العيش معاً وصبرنا على المعاناة واجتهدنا في العمل بميادين الغوص والصيد والتجارة والرعي والزراعة فلم نعرف الاتكال والكسل والبحث عن الاعمال السهلة وكنا جسدا واحدا في السراء والضراء اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى فرغم قلة الارزاق لم يكن بين ابناء الفريج او المهنة الواحدة مديون فالخير والبركة تمليء البيوت والعرائش والروبيات القليلة كان يعيش بها اسر افرادها كثيرون بل ويتزوج المرء بخمس او ست روبيات ويبني عريشة بنفسه فالبساطة والحياة السهلة كانتا من اهم سمات حياة عالم الغوص واللؤلؤ وايام الزمن الجميل الذي كان الرجل يهب لنجدة ومساعدة اخيه ولا يتهاون بالتضحية من اجل راحة الفريج فروح التعاون والاخاء كانت هي السائدة.. يصمت الوالد هنيهة ويستعرض شريط ذكرياته ويقول: معادن الرجال كانت تظهر وقت الشدة والازمات وايام زمان عندما كان القلاف يفزع ويطلب المساعدة من اخوانه لانجاز محمل او سفينة تعاقد واتفق على بنائها مع احد النواخذة كان الجميع يهب لنجدته ومساعدته سواء كانوا من ابناء مهنة القلاليف او من ابناء الربع والفريج. صناعة وطنية ويضيف: ان ورش القلاليف كانت بداية صناعتنا الوطنية واقول لاحفادي تعلموا القلافة فهي مهنة الرجال الاشداء وجزء من تراثنا المجيد. ان محطات رحلة الذكريات في حياة الشيبة شافي الرميثي كثيرة ومتعددة ورحلة الابحار في ذاكرته ممتعة ومثيرة. ويستعرض بذاكرته صوراً من حياة القلاليف ويقول: الاساتذة هم من صنعوا مجد الدولة منذ زمن بعيد فحياة الغوص واللؤلؤ ونشاط التجارة لاهل الامارات كان يعتمد بصفة اساسية على المحامل وهي السفن الخشبية كما كانت الرحلات التجارية تعتمد عليها ايضا. ويضيف: ان السفن التي قطعت المسافات البعيدة وسط اهوال العواصف والامواج في البحر وصلت الى سواحل الهند وافريقيا وجابت مياه الخليج وكذلك سفن الغوص التي خاضت المغاصات كانت تصمم وتبنى بايدي ابناء الوطن، ويتحدث الوالد شافي الرميثي عن اخلاق فريج الصناع ايام زمان ويقول: كان الصناع يداً واحدة ولا يتخلون عن ربيعهم فكان لا يوجد صانع يخسر ابدا وكان رزقهم وفيراً ويتكاتفون في الشدائد وكانوا يجتمعون ويتبادلون التزوار. ويقول: اما اليوم فبعد انحسار هذه الصناعة التراثية الهامة وانصراف جيل الشباب عنها وعن تشجيعها اصبح الصناع قلة واتمنى ان تكون لهم جمعية تحفظ تراث صنعتهم وتشهرها وزارة العمل والشئون الاجتماعية وتتحدث باسمهم لدى المسئولين وتسعى الى حفظ آداب هذه الصناعة التراثية الهامة واخلاقياتها. وسألناه: ماهي اخلاقيات الصناع فقال: كانت اخلاقياتهم من البيئة العربية فكانت اتفاقياتهم مع ملاك السفن غير مكتوبة بل تتم بالكلمة وحسب!! ويضيف: وعلاقة الاستاذ بالقلاليف الذين يعملون لديه قوية فهو بالنسبة لهم والد حنون. انواع السفن وسألناه: ماهي انواع السفن والقوارب التي تشارك بصنعها؟ فقال: ان من اشهر السفن التي اقوم بصنعها هي البوم والشوعي والجالبوت والسنبوك» والصيادون يفضلون القوارب المسماة بالشوعى وحمولتها من الافراد 15 شخصا والهوري وحمولته من ثلاثة الى اربعة اشخاص والشاحوف وتقدر حمولته بين 10 وخمسة عشر شخصا. ويضيف في خلال اشهر الصيف عندما يكون البحر هادئا نسبيا والعواصف نادرة الهبوب كانت القوارب المسماة صمعة تستخدم لصيد الاسماك واللؤلؤ. وحول تصميم المركب الشراعي يقول: تصميم المركب الشراعي ثلاث فئات رئيسية حيث يكون الطرف الامامي والدفة في القارب منحنيين قليلاً في النوع المسمى «صمعة» بينمها يزداد ذلك الانحناء في النوع المسمى «بوم» في حين يكون الطرف الامامي في القوارب المسماه «جالبوت» في وضع عمودي. ويجري بناء جميع التصاميم الثلاثة احجام متنوعة كثيرة. ويقول: كانت الديرة متخصصة في صنع السفن المتوسطة الحجم التي تستعمل لصيد الاسماك وللغوص بحثاً عن اللؤلؤ وكانت هذه السفن تصمم للابحار في مياه الخليج ومن الامثلة على هذا النوع من السفن «الجالبوت» وهي سفينة متوسطة الحجم وحمولتها من الاشخاص تتراوح ما بين 25 الى 30 رجلاً كما كنا نصنع الشوعى والسنبوك وهي سفن للغوص تسير بواسطة الاشرعة والمجاديف وتستعمل للغوص بحثاً عن اللؤلؤ كما انها تتميز بمؤخرتها غير المدببة والتي غالبا ما تزينها النقوش الجميلة وتترواح حمولتها ما بين 60 الى 70 شخصاً، اما سفن النقل الكبيرة فهي تصمم للتصدي للامواج العالية في المحيط الهندي وبحر العرب. وعن اكبر قارب يستطيع القلاف ان يصنعه، يقول اكبر قارب تم صنعه كان طوله 140 قدما ويتسع لحوالي 140 بحاراً ويستخدم في سباق رياضة التجديف حالياً وبالامس كانت القوارب التي تصنع صغيرة بينما كانت المحامل يتم تصميمها بحسابات دقيقة ولتحمل عشرات الغواصين وتستمر بالمغاصات لمدد زمنية طويلة فالاستاذ الماهر ـ وهو احد ألقاب الصناع المهرة من القلاليف ـ يجب ان يكون خبيراً في حساب النسب الصحيحة للسفينة حيث انه يقوم بتصميمها كي تحمل 500 طن من البضائع وسألناه كيف كان يفعل ذلك؟ فقال: يأتي الاستاذ بالقاعدة ويضعها فوق قطع من الاخشاب مرفوعة قليلاً عن الارض باتجاه البحر ويضع عليها ميزان الماء حتى يتأكد من استقامتها على سطح الارض ثم يأمر «القلاليف» بتشذيبها واعداد العمودين الامامي والخلفي للسفينة لربطهما بالقاعدة وهذه عملية تحتاج من المهارة والخبرة الشيء الكثير فدرجة ميلان العمود الامامي والخلفي عن القاعدة تتطلب حساباً خاصاً من الاستاذ ويستعين بذلك بآلة يدوية. وبعد ربط العمود الامامي والعمود الخلفي بالقاعدة ويسميان ميل «صدر» وميل «تفر» تأتي عملية ربط ألواح هيكل السفينة بالأعمدة والقاعدة وبعد اتمام عمليات تركيب الألواح والاعمدة والقاعدة يتم اكتمال السفينة وتصبح جاهزة للانزال بالبحر. وسألناه: ما هي المواد التي تستخدم في صناعة السفن فقال: خشب «الساج» الهندي الذي قل ان يوجد خشب يفوق مزايا بصناعة السفن فهو يستعمل كألواح لهيكل السفينة لما يتجلى به من مقاومة للماء وكأضلاع داخل هيكل السفينة ويقاوم كافة الظروف الجوية وهناك ايضاً خشب اللوريل والجنقلي ويستخدم سعف النخيل في صنع قوارب الصيد الصغيرة المعروفة «بالشاشة». ويضيف: وهناك مواد مواد حديدية لازمة للصناعة ويشير الى ان النواخذة والتجار كانوا يذهبون بأنفسهم الى الهند لاختيار صواري السفن الضخمة حيث يعد الصاري من أهم القطع على ظهر اية سفينة شراعية وحول مدى امكانية تعليم طلبة المدارس الثانوية هذه الصنعة قال: نعم واطالب بتدريس هذه الصناعة للطلبة وهم في المدارس حيث ان طلبة الجامعة يترفعون عن تعلم هذه الصناعة التراثية المهمة. رحلات الغوص وتطرق في حديثه الى القيام برحلات الغوص فقال ان الرجال الراغبون في المشاركة بالرحلة يوقع معهم النوخذة «بروه» اي عقد ويعطيهم شيئاً من المال لشراء احتياجاتهم واحتياجات اسرهم وذلك بشكل يكفيهم حتى يعود الغواصون من رحلة الغوص وكان اهل الغواصين يجهزون لهم ما يحتاجونه في رحلتهم الطويلة وعندما تحين ساعة الرحيل يرتفع علم أسود كنا نطلق عليه «النوف» وتخرج الديرة كلها الصغار والكبار لوداع المتجهين الى المغاصات ويدعون لهم بالسلامة والعودة بالرزق الوفير. ثم تبدأ عملية الغوص.. وحول مواجهة الغواص لمخاطر الاعماق والمراحل التي تمر بها عملية الغوص يقول: ينزل الغواص من المحمل ويظل على سطح الماء ويضع على أنفه فطاماً وهو يشبه الملقاط حتى لا يدخل الماء لأنفه ويؤذيه ولدى خروجه من الماء يرفع «الفطام» حتى يستطيع التنفس. وذكر ان طاقم المحمل يتألف من عشرين غواصاً وعشرين آخرين ينتظرون بالسيف وعدد مماثل لهم من الرجال يطلق عليهم «سيب» اي مساعد الغواص بالاضافة الى النوخذة ومساعده «المقدمى» ومع آذان الفجر يستيقظ جميع الذين على ظهر سفينة الغوص للصلاة ويتناولون افطارهم ثم تبدأ عملية الغوص مع شروق الشمس. واشار الى نزول الغواص الى القاع رابطاً رجليه بحجر ليسرع به الى القاع فاذا وصل القاع نزع الحجر من رجله ليقوم السيب بسحب الحجر بواسطة حبل يسمى «الزيبن» ويصحب الغواص معه «الديين» وهو عبارة عن السلة المصنوعة من حبال الكمبار او القطن وبها علقة يضعها الغواص في عنقه ليجمع بها المحار ويكون في هذه الاثناء مربوطاً من وسطه بحبل يسمى الجداء والسيب يمسك به من الماء وعندما تصله الاشارة يقوم بسحب الغواص. عدم اليأس ويقول الرميثي.. لقد تعلمنا من الغوص التعاون والصبر وعدم اليأس في مواجهة المخاطر فكثيراً ما انقطع نفس الغواص وهو تحت قاع البحر او في المنتصف فيخرج من البحر غائباً عن الوعي. ويضيف: نعم ان الهيرات «المغاصات» التي جلبنا منها اللؤلؤ كانت عميقة ومهمتنا في البحث عن المحار كانت شاقة خاصة ان الغواص كان يتعرض لمخاطر كثيرة مثل الاختناق في الاعماق والتعرض للاسماك والحيوانات البحرية الاخرى المؤذية وكثيراً ما كان يرى الغيصة الجرجور في قاع البحر وعندها يلجأ الى حيل كثيرة للهرب من سمك القرش المفترس ورغم هذه المخاطر فقد كان اجر الغواص لا يزيد عن روبيات قليلة اي دراهم معدودات وكيس من الارز والسكر وادوات للغوص ويصل الرميثي الى آخر محطة في حديث ذكرياته ويتحدث عن احوال الديرة التي تبدلت بعد ان تولى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مقاليد الحكم ويقول: جاء زايد الخير ومنح ابناءه المواطنين المال والمساكن وكثرت الارزاق وبنى الانسان والوطن ووفر لأهل الامارات الكثير من احتياجاتهم.