أحدث أفلام المخرج الإيراني عباس كياروستامي والذي يحمل عنوان «أفريقيا ABC»، يصور الإيدز في أوغندا التي وصل فيها عدد ضحايا هذا الفيروس المبهج الرهيب إلى مليونين، إضافة إلى ملايين المرشحين لأن يكونوا ضحايا. يبدأ الفيلم بوصول رسالة عبر الفاكس إلى المخرج عباس كياروستامي من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، يكلفه فيها بالتوجه إلى هناك، إلى افريقيا المعذبة.ويحزم المخرج امتعته برفقة مصوره سيف الله صماديان ويمضي إلى العاصمة كمبالا في أي طائرة متوجهة إلى هناك، فالأمر في القارة السمراء سيان.وهذا الحياد المؤقت يكشف عن سلوك اطفال اوغندا اللاحق امام الكاميرا، فهم يفرحون ويصفقون، وكأنهم مرضى اذكياء يقفون للمرة الأولى امام اعراض الموت الاحتفالي الموثق. تستوي امامنا صورة حادة عن براعة القارة السوداء في هذا النوع من الموت الجماعي، وهذا بالطبع لا يهم في حسابات الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، فهو يريد ان يجبر كل حاملي فيروس HIV على تعلّم ابجدية نظم التوفير المصرفية.وفي مشهد مؤرق يلف الصورة بنوع من القتامة الشمولية نستمع إلى حوار مؤثر بين كياروستامي وصماديان في الفندق الذي يقيمان فيه، وهو يفسر هذا التكيف الذي يقلق الضحايا ويفرحهم في آن.فمن لا يتكيف بسهولة مع سواد الليل الافريقي وعتمته في خمس دقائق، هي زمن انقطاع التيار الكهربائي واقعياً عن الفندق ينتهي به الأمر إلى الحياد الطبيعي بخصوص العلاقة بهذا الفيروس المبهج، وهكذا فقد تكفي خمس سنوات لهذا العالم حتى يتكيف مع الواقع الجديد وينسى القارة كلها.ثمة اشارة تكثف الحياد في هذا الفيلم: طفل زنجي ملفوف بشرشف ابيض وموضوع في صندوق كرتوني على دراجة هوائية دونما مراسم او حزن، ونحن لا نراه، لا نرى موته...وعندما تموت ضحية جديدة تعلن المرأة الزنجية وهي تضحك ان الأمر عادي وأصبح مثل شائعة فيها الكثير من صنوف الكذب.في مطعم الفندق نشاهد وجهاً آخر للحياة هناك، أو نشاهد مفتاح الفيلم، فنحن نجد زوجين نمسويين شابين يتابعان طفلة اوغندية ترتدي قميصاً عليه ثلاثة حروف هي مأساة العصر الافريقي المهمل والمتروك، وهذه الحروف ABC ربما تعني مع تبني الزوجين للطفلة والسفر بها عبر الغيوم تخلياً طوعياً من العالم المتحضر عن قارة العبيد والمارقين والمنبوذين، وهي تعني خطف ابجدية الحياة وحق هؤلاء (العبيد) بالتعلم والتدرب على مواجهة الفيروس بدل تعلم نظم التوفير المصرفي.