زار اسبانيا مؤخراً للمرة الاولى منذ ان تولى منصب الامين العام لجامعة الدول العربية ويقول البعض ان اختياره لهذا المنصب جاء نتيجة ما ناله من تأييد شعبي تجاوز شعبية اي سياسي في بلاده، ولا يتردد عمر موسى في اقتراح ما لم يتم انجازه ابدا، وهو توحيد العالم العربي على اسس تذهب الى ما هو ابعد من فلسطين. في اشبيلية جلس الى جانب عمرو محمد موسى «فلسطيني» والى الجانب الآخر يهودي. الاول هو ابو زياد الذي اعرب عن اسفه لانه كان قد تأخر سبع ساعات في الوصول الى المطار حيث اقلته الطائرة التي احضرته الى اشبيلية. اما السبب فيعود الى نقاط المراقبة الاسرائيلية المستديمة والثاني هو اوفر برنشتاين الذي طلب منه المعذرة بسبب الاذلال الذي لحق به والذي اعرب عن شعوره بالخجل من الاحتلال العسكري الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية. في الرواق العربي في «جمعية الثقافات الثلاث» في دير الرهبان الكروات الاشبيلي يمس نفوس الكثيرين هذا التبادل الصريح للحوار بين نائب وزير في السلطة الفلسطينية ومستشار سابق لرئيس الوزراء الاسرائيلي القتيل اسحاق رابين هل هذا ينطبق على عمرو موسى ايضا؟ يجيب الامين العام للجامعة العربية مكفهراً: انني اعرف قصصا لا أول لها ولا آخر لعائلات مقتولة وبيوت مدمرة، تجعلني اشعر بنفسي متأثراً لبعض الكلمات. وعمرو موسى دبلوماسي مصري محنك يتقن اللغة الانجليزية بعد ان امضى اكثر من خمس سنوات مندوبا لبلاده في الامم المتحدة في نيويورك وعشر سنوات اخرى وزيراً لخارجية مصر. ومنذ ان تولى منصب الامين العام لجامعة الدول العربية التي تأسست عام 1944 والتي تضم 22 بلداً عربياَ و150 مليون نسمة يبدي الاسرائيليون والاميركيون تذمرهم من انه متشدد اكثر مما ينبغي وذلك عندما يقول دبلوماسي او سياسي لاسرائيل انك لا تستطيع معاملة الفلسطينيين على هذا النحو، لماذا يصفونني بالمتطرف؟ الاسرائيليون يطلبون دعما مئة بالمئة، واذا كانت الحماية 99 بالمئة فأنت شخص سييء، انني احد اولئك الدبلوماسيين العرب الذين شاركوا في الجهود القديمة للسلام، لكني لن استسلم امام هذا النوع من الضغط، فأنا لا اتفق مع السياسة الاسرائيلية واقول ذلك بصوت عال وواضح، حتى يعترفوا بأن الدولة الفلسطينية هي مفتاح الاستقرار في الشرق الاوسط وطالما ان هذا لا يحدث فسأظل ادافع عن هذا الخط. في بلاده يقدرونه بسبب تمسكه بهذا الموقف الواضح الذي يعد اكثر وضوحاً من موقف قيادات عربية اخرى كثيرة، معتادة اكثر على اللجوء الى التسويات مع الغرب حسب اعتقاد الرأي العام العربي وشعبيته كبيرة في مصر، المصدر الرئيسي لموسيقى العالم العربي، الى درجة جعلت احد المطربين الشعبيين يطلق اغنية ذات نجاح كاسح يعلن فيها حبه لعمرو موسى وكرهه للاسرائيليين. يقول هذا الدبلوماسي ذو الشعر الاشيب والبشرة الداكنة والنظارات الشفافة التي يستبدلها من حين لآخر لتحل محلها اخريات داكنة وعصرية تحميه من اشعة الشمس، مما يبدو معه نقيض النموذج التقليدي للموظف العربي: ذكروني لارسل لكم نسخة من شريط هذه الاغنية! اما عن اولئك الذين يعزون تسميته امينا عاما للجامعة العربية خلال العام المنصرم الى مشاعر معينة اجتاحت الرئيس المصري حسني مبارك فإن هذا السؤال يضع عمرو موسى في حالة يرثى لها، اذ تحرك بطريقة غير مريحة في الاريكة واعتلت وجنيته حمرة فيها الكثير من الحياء وهو يقول: «تلك هي المبالغات بعينها، فهي قصص تبتكر من وحي الخيال، ولا تستند لشيء ليس صحيحاً انهم وجهوا لي لطمة وازاحوني من منصبي كوزير للخارجية المصرية، واستطيع ان اؤكد ان هذا الموقع ما هو إلا تحدٍ حقيقي. اضافة الى ذلك ينبغي القول ان اكثر من 10 سنوات كوزير للخارجية هي زمن طويل بشكل حقيقي». ـ لا أنوي الاتصاف بالفظاظة لكن في بلد مثل بلدك حيث مضى على الرئيس عشرون عاماً، ذلك لا يعني شيئا! ـ يضحك عمرو موسى بدون ان يعرف جيدا جدا ماذا يقول في معرض الرد، وهو في الواقع لا يقول شيئا، ربما لانه ليست ثمة ما يقال في هذا الصدد. بالنسبة للدبلوماسي العربي الوقور يعز عليه مواجهة عقب أخيل البلدان العربية التي تنقصها الديمقراطية، لماذا صعب عليكم الى هذا الحد ارساء هذا الشكل من الحكم؟، في الواقع ليس صعباً، والديمقراطية عملية وليست حدثاً، اقرر ان اصبح ديمقراطياً غداً، ولقد بدأت هذه العملية في العالم العربي، وهي ليست قضية منسية، وانما هي عملية مستمرة، ومع ذلك اي مجتمع ليس كاملا، ومن جانب آخر انظروا الى ما جلبته الديمقراطية في اسرائيل من الاحتلال العسكري والتدمير الجماعي. ـ تلك هي الديماجوجية اذ انك تدافع عن غياب الديمقراطية في العالم العربي منتقداً العيوب الاسرائيلية. ذلك نفسه ما يفعله الاسرائيليون فهم يبررون الاحتلال منتقدين نقص ديمقراطية العالم العربي هذا لا يجدي. ـ تعني الديمقراطية ان امبراطورية القانون هي التي يجب ان تسود ونشاهد ان الديمقراطية في «اسرائيل» لم تسمح باستمرار القانون. عند الحديث حول الصراع في الشرق الاوسط والعالم العربي في اعقاب 11 سبتمبر يستعيد عمرو موسى الامساك بزمام المبادرة فهذه هي زيارته الاولى الى اسبانيا، باستثناء حضوره مؤتمر بلنسية في مايو المنصرم، وهو صديق للوزير خوسيه بيكيه، ويأتي للاجتماع به مع مرارة عميقة: اجرينا تقويما متشائما جداً للوضع في الشرق الاوسط حيث لا ارى أي حافز للتفاؤل، ولا حتى امام ما اعتبر حتى الآن مؤتمراً وشيكاً للسلام، كالذي عقد في مدريد في خريف عام 1991 والذي اسس لاتفاقات «اوسلو». ـ قالت لي كوندوليزا رايس مستشارة الامن القومي للولايات المتحدة قبل اقل من ثلاثة اسابيع انهم لم يكونوا قد التزموا بعقد تلك القمة هل سيكون بالاحرى اجتماعا ذا مستوى منخفض؟ ـ انا اتفق معها فنحن الان لايوجد في الافق شيء من قبيل مؤتمر دولي اذ ان الفكرة معلقة بالهواء ومؤتمر كهذا هو سلاح دبلوماسي لكن لايمكن ان يرى النور خلال اسبوعين او ثلاثة اسابيع كما يريد البعض فهؤلاء يرغبون بالاحرى بفيلم من اجل الهاء الناس واظهار انهم بعد كل شيء قادرين على الجلوس سويا وعلى الابتسام وبذلك يعطون الانطباع بان شيئا يحدث بينما في الحقيقة الامر ليس على هذا النحو، فاذا اردنا ان يكون هذا المؤتمر رسميا وحاسما ينبغي العمل تحت الارض للاعداد لنهاية مع نجاح وليس فقط مؤتمر مع نجاح. ويأسف عمرو موسى لعدم توفر امكانية ان يكون هناك مؤتمر مدريد 2001 لاحياء ذكراه العاشرة على الرغم من اهتمام الحكومة الاسبانية بذلك: «ادركنا في النهاية انه بانتهاء عشر سنوات لم يكن لدينا اي شيء لنحتفل به وانما كل ماهو عكس ذلك تماما حيث انتهت عشرة اعوام من المفاوضات المضنية الى فشل ذريع فمازالت «اسرائيل» تحتل اليوم أراضي اكثر من قبل بدء المفاوضات لكن اسبانيا تستطيع وينبغي عليها ان تواصل لعب دور زعيم في عملية السلام وبخاصة بسبب روابطها الخاصة مع العالم العربي». وعلى الرغم من اعلان مدريد في شهر ابريل المنصرم يعتبر موسى ان امكانية عقد مؤتمر دولي ولدت باطلة لان ارييل شارون هو نفسه من اقترحه: «ذلك صحيح فحسب مصطلحاته سيكون هذا المؤتمر بدون عرفات وبدون سوريا وربما بدون الاوروبيين! تلك فرصة ولم يأخذها احد على محمل الجد». ومن ثم عاد الاوروبيون ليأخذوا بالفكرة: «علي ان اقول ان المؤتمرات تبهج الدبلوماسيين الاوروبيين لكن يجب ان نكون جديين: خلال اسبوعين او ثلاثة اسابيع لا يمكن تحضير شيء مثل هذا فالوضع الراهن سييء الى درجة يتطلب شيئا اكثر من مؤتمر يحتاج الى ضغوط على كلا الطرفين وعلى «اسرائيل» بشكل خاص التي تعتقد انها فوق القانون وهي كذلك فعلا، اذ ان لديها حصانة من العقاب، وليس لديها من سبب يجعلها تلتزم بقرارات مجلس الامن ولا احد يجبرها على ذلك. ذلك انه لم يسمح لاي بلد في التاريخ باحتلال بلد اجنبي لوقت طويل بدون ان يخضع لعقوبات بالاضافة الى ذلك حاول الدبلوماسيون الاسرائيليون استغلال الـ 11 من سبتمبر واقناع العالم بان احتلالهم هو احد اشكال محاربة الارهاب وهذا ليس حقيقيا ولا حتى يتناول الصراع الاقليمي: انها حالة واضحة لاحتلال عسكري من جانب قوة اجنبية». العمليات الاستشهادية ضد السكان المدنيين الاسرائيليين بالنسبة لعمرو موسى هي احد اشكال المقاومة التي لن تنتهي حتى يتوقف الاحتلال: «فلسطين ارض مغزوة» من قبل جنود اسرائيليين وليس شارون فقط هو الذي يرفض الاعتراف بالحق الفلسطيني بالتمتع بدولة قابلة للحياة وانما الكيان الاسرائيلي برمته، وانا اشدد على انه طالما هناك احتلال سيكون هناك مقاومة وليس ضروريا الذهاب الى الشرق الاوسط لفهم ذلك فأنتم لديكم امثلة كثيرة في تاريخ اوروبا المعاصر.ويعترف موسى بشق النفس بأنه كان بامكان العالم العربي الذي ينتمي اليه ان يتصرف بفعالية اكبر للدفاع عن تلك الدولة الفلسطينية والاسوأ في كل ذلك هي الانقسامات القطرية التي تكتسح العالم العربي منذ ان تحرر من قيد الاستعمار: «لقد بدأنا بوضع حل لهذه المشكلة فلقد تم اقرار مبادرة ولي العهد الامير عبدالله بالاجماع في قمة بيروت الاخيرة انه مثال واضح لكنه حقيقي انه ينبغي علينا في الجامعة العربية ان نكون اقوى بتعبيرات العمل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي وعلى الرغم من انه مضى على وجودي في الجامعة عام واحد فقط لكني تمكنت من جعل هذه المنظمة متوجهة نحو الفعل وان لا تكون مجرد متفرج ونحن نسأل انفسنا الآن على الاقل: ما الذي نفعله؟». عمرو موسى لايتباهى كونه حقق شيئا ثوريا مثل ضم الـ 70 الف ONG من العالم العربي الى جدول اعمال الجامعة وكذلك الامر بالنسبة لغرف التجارة: «اريد اشراك المجتمع المدني فعملية تحديث ووحدة العالم العربي ليست ممكنة انطلاقا من الحكومات فقط». ويضع مثالا مشاركته هذا الاسبوع في اللقاء العالمي للحوار بين الثقافات الذي نظمته الرئاسة الاسبانية للاتحاد الاوروبي والمجلس الاندلسي وجمعية الثقافات الثلاثة ويعتبر عمرو محمد موسى عقب الـ 11 من سبتمبر تكريس وقت اطول لهذا النوع من المبادرات امرا اساسيا: «لا ألحظ صداما بين الحضارات لكن صداما مع الاسلام نعم فأنا اتذكر مع رعب ذلك التعليق الذي قدمه احد الموظفين الغربيين في اعقاب الهجمات الارهابية حين قال: «سوف نقضي على الاسلام بالطريقة ذاتها التي فعلناها مع الشيوعيين». ويضيف: «لكن على المسلمين ان يحولوا دون اغواء الانضمام ضد احد فالدافع الاخير للانقسام الذي واجهناه بشكل سلفي ليس اقتصاديا ولا ثقافيا ولا اجتماعيا ولا دينيا. بالنسبة لي هي انحرافات سياسية اكيدة في سلوك الحكومات العربية على سبيل المثال الحروب التي دارت بيننا هذا يجب منعه لكن بعد هذه ينبغي ألا يمر التنسيق العربي عبر قضية واحدة فقط كقضية فلسطين مثلا اذ يجب ان يتجاوزها حيث ينبغي ان ينبثق التنسيق من الحاجة الى امتلاك مصالح مشتركة وليس اعداء مشتركين». ويأمل موسى احد افراد عائلة صالحة من القاهرة ان يستقر في الجامعة العربية عاجلا أم آجلا ومع ان طموحاته السياسية القومية متوقفة في الوقت الراهن الا انه يوصي بهذا العلاج لاجل جميع الامراض: الحديث مع اصدقاء «الحياة كلها» وهو يقول انه يفعل ذلك كثيرا سواء في القاهرة أو في عواصم اخرى من نصف العالم: «نمسك بالحديث من جديد كما لو اننا تركنا بعضنا البارحة ومع نهاية فنجان القهوة والضحك تتلاشى جميع المشكلات والتوترات». ترجمة: باسل ابو حمدة عن «الموندو» ـ اسبانيا