بعد أن طاف خمسة أشهر في أكبر مدن العالم حط معرض الصور الصحفية العالمية لعام 2001 بالقاهرة. وهو المعرض الذي تنظمه منظمة World Dpress Photo للصور الصحفية الفائزة في المسابقة السنوية التي تجريها المنظمة نفسها بين المصورين الصحافيين المحترفين. ومنظمة World Predd Photo ـ تبعا لتعريفها لنفسها ـ هي منظمة مستقلة غير ربحية يرعاها أحد الأمراء الهولنديين وتدعم من كبريات شركات التصوير في العالم، وهي تهدف الى تشجيع المصورين الصحافيين في كل العالم منذ أن تأسست في هولندا عام 1955 ومعرضها الذي كان يقام سنويا في دار الأوبرا المصرية منذ أن وضعت المنظمة القاهرة ضمن المدن التي تستهدفها في تطواف معرضها السنوي الذي أقيم هذه المرة في أحد الجراجات القديمة بمنطقة وسط البلد بالقاهرة الذي تحول الى قاعة عرض كبرى تابعة لجاليري «التاون هاوس» الذي يمتلكه ويديره مستر وليم أسمث البريطاني الجنسية، والنفقات التي تجريها المنظمة على مسابقتها ومعرضها السنوي يكشف عن اهتمام جدي وراق بحركة الصحافة المصورة في العالم من جانب المنظمة، ولكن يبقى لافتا للنظر أن المنظمة لم تشر في الأوراق التي رافقت المعرض والكتاب الفاخر الذي يحوي كل الصور الفائزة. والمكتوب بسبع لغات بأي إشارة ولو عابرة عن المصورين الصحافيين الذين قتلوا أو أصيبوا أثناء ادائهم لمهامهم الصحفية مع أن عددهم في عام 2001 زاد زيادة ملحوظة خصوصا في فلسطين المحتلة وبرصاص اسرائيلي. صور برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك وهما يحترقان تصدرت المعرض، فمجموعات الصور التي سجلت الحدث والتي كانت لأكثر من مصور ووكالة أنباء فازت بالمراكز الثلاث الأولى في أكثر من قسم من أقسام المسابقة. ففي مجموعة ريتشارد ود ـ لوكالة أسوشيتدبرس الفائزة بالجائزة الثالثة ـ أخبار فورية رأينا برجي مركز التجارة العالمي وكأنهما سبيكتين عملاقتين من الذهب المتوهج بعد أن انعكس لون النيران على واجهتيهما المعدنيتين المصقولتين لذا فالأشخاص الذين كانوا يقفزون من نوافذ البرجين بدوا وكأنهم يقفزون من سبائك ذهب عملاقة منصوبة في الخلاء آخذة في الانصهار من طرفها الأعلى. على أن الأميركيين ما عادوا قادرين على التعامل مع أي شئ مهما كان فيه من قيمة معنوية أو مأساوية إلا عبر طرحه في السوق فمجموعة جوليان دانيال (الفائزة بالجائزة الثالثة لأشخاص داخل الأخبار) ترينا جموع الأميركيين والسياح الذين تدفقوا على موقع البرجين المحترقين لمشاهدة الأنقاض أو أخذ لقطات لها وفي صور أخرى كيف انتشر تجار العاديات في كل مكان حول الموقع يبيعون الأعلام الأميركية أو الشارات التذكارية أو القمصان المطبوع عليها الحريق المروع ما يثير الدهشة والضحك هذا الصبي الأميركي ذو الملامح اليابانية الذي وقف يبيع الأعلام الأميركية وقد عصب رأسه بعصبة بيضاء مثل التي يتعصب بها فرسان الساموراي في غاراتهم الانتقامية ولكن بدلا من الدائرة حلت صورة نيويورك واسمها مما يدخل الارتباك في ذهن الذي يشاهد الصورة هل الانتقام هنا لنيويورك أم من نيويورك؟ صور أفغانستان احتلت جانبا كبيرا من المعرض ولكن على عكس صور برجي مركز التجارة العالمي الذي رأينا فيها الدمار والخراب بشكل مباشر هنا نرى أفغانستان عبارة عن صحراوات قفار خالية مهجورة كما ظهرت في مجموعة تم درفن (جائزة ثالثة لقصص من الحياة اليومية) وكأن الخراب الذي أصاب هذه البلد كامن فيها أصلا وليس من أثر الهجمات الأميركية عليها ففي هذه الصور وكل الصور التي وردت عن أفغانستان في المعرض لم نر صورة لطائرة أميركية أو صاروخ أميركي أو جندي أميركي ولم نر حتى البيوت التي هدمت على أثر الغارات الأميركية كل الصور تصور الخراب في أفغانستان على أنه خراب طبيعي وكأنها ارض ملعونة ولم تصور أبدا ما لحق هذه البلدان من الهجمات الأميركية عليها الصورة الوحيدة التي تكشف العنف والقتل الذي يمارس على الناس في هذه البلاد كانت لجندي طالباني وقع في أيدي مجموعة أفغانية تابعة لجيش التحالف سحلوه على الأرض حتى سقط سرواله وطفحت على ساقيه ومؤخرته الدماء وفي صورة أخرى يتجمعون عليه وكل منهم يصب عليه الرصاص من ناحية والمجموعة «لتايلد هيكس جائزة ثالثة لقصص أخبار فورية» الاحتجاج ضد العولمة والثمن الفادح أيضا لهذا الاحتجاج صورته صورة جثة الشاب الايطالي كارلو جولياني 23 سنة الذي قتلته الشرطة الايطالية في المظاهرات التي اندلعت ضد العولمة إبان اجتماع مجموعة الثمانية الكبرى في يوليو الماضي في مدينة جنوة الايطالية من بين متاريس الشرطة استطاع انوان سرا التقاط صورة لجثة كالو جولياني التي اعتبرها الشرطة الايطالية غنيمتها في معركتها مع المتظاهرين الذين قارب عددهم 100000. وزير الداخلية الايطالي قال أن جولياني قتله شرطي برصاصتين في الرأس وهو في حالة دفاع عن النفس. الصورة فازت بالجائزة الأولى في قسم صور فورية. هذا الثمن الفادح والمخيف ضد كل احتجاج ضد العولمة جعل بعض الناس يحاولون التوحد مع ثقافة العولمة حتى ولو اقتضى ذلك محو ذواتهم وهذا ظهر في مجموعة الصور التي التقطها مارفن ساس لمجموعة فتيات تايلانديات في ردهة مستشفى فاخر ينتظرن دورهن في عمليات تغيير ملامح الوجه للحصول على ملامح وجه أوروبية وكل منهن تمسك بمجلة على غلافها صورة لوجه فتاة أوروبية جميلة. في زاوية أخرى من المعرض عرضت مجموعة «زيجه جافيك» التي فازت بجائزة أولى لقصص العلوم والتكنولوجيا هذه الصور تكشف عن الجهود التي يجريها الباحثون في البوسنة والهرسك للتعرف على الجثث المستخرجة من المقابر الجماعية هناك إذ لا يزال هناك أكثر من 27 ألف مفقود هنا صور متعددة لبقايا هياكل وعظام التي ينهمك الباحثون في استخراجها من المقابر الجماعية ومحاولة فرزها للملمة كل هيكل عظمي على حدة ومن هذه الصور صورة لامرأة تحمل صورة أخيها وبجوارها رجل يحمل جمجمة يقول لها أن هذه هي جمجمته. صور أخرى لكتل متفحمة لهياكل عظمية ضلوع بجوار جماجم لا تربطها أي رابطة إلا المقبرة الجماعية والجماجم على الأبسطة تبدو مبتسمة وكأنها تقول للعالم ألم يكن من الأفضل بدلا من كل هذا الارتباك في لملمة عظامنا أن تنقذونا من القتل أصلا؟!! الصور الفائزة التي تصور بعض المشاهد في فلسطين كانت شديدة الغرابة فقد خلت تماما من صورة ولو واحدة تصور الجنود الاسرائيليين وما يمارسونه من عنف لحظي ويومي مستمر ضد الفلسطينيين . هذا المعرض إن كان به صور تجعل المرء يقول أنها صور تكشف الحقائق وتعريها ففيه صور أخرى أعدت بذكاء تموه على الحقائق وتزيفها؟!! القاهرة ـ مكتب «البيان»