منذ ستة أعوام لم تر اليابانية أكيكو آبي ابنها البالغ من عمره 25 عاما رغم انهما يعيشان في منزل واحد. فهو لا يخرج من غرفته إلا عندما يتأكد من ان والديه خارج المنزل أو نائمان. لكنها من آثار الفوضى التي يخلفها تعرف فقط متى يستخدم ابنها المطبخ ومتى يدخل الصالة لمشاهدة التلفزيون أو يستخدم الكمبيوتر ليلا. ولاتزال اكيكو بانتظار ان يسأم ابنها من عزلته واحيانا تقف امام باب غرفته وتحدثه رغم انه يهيأ لها أنها تتحدث مع نفسها. ولكن لخوفها من ان تمضي على ابنها سنين اكثر وهو بهذه الحال لجأت أكيكو إلى منظمة تعمل مع المنزويين عن طريق الزيارات المنزلية رغم ادراكها صعوبة الامر كون ابنها يرفض فتح ياب غرفته لأي أحد. ويقدر وجود حوالي مليون من الشباب الياباني الذي فرض على نفسه عزلة عن العالم الخارجي إما بحبس انفسهم في غرفهم أو برفض الخروج للعمل وتجنب أي اتصال مع المجتمع لفترات تتراوح بين ستة اشهر وعشرة اعوام. ويعيش حوالي 40% منهم في عزلة لفترة تتراوح بين العام الواحد والخمسة اعوام وفقا لمسح حكومي. ويعاني بعض المنزويين من حالات مرضية معينة كالاكتئاب أو الخوف من الخروج للمجتمع أو الفصام ولكن الخبراء يقولون ان اغلب المنزويين يحبسون انفسهم في المنزل لستة اشهر أو اكثر دون اظهار أية علامات تدل على وجود خلل عصبي أو نفسي. وقد ازدادت المشكلة خطورة على مدى العقد الماضي من الزمن بشكل سريع في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الياباني من الركود مما رفع معدلات البطالة بشكل قياسي وزاد من الشعور بالافتقار للامان الوظيفي في الوقت الذي وجدت فيه الشركات نفسها مجبرة على اعادة هيكلة نفسها أو اعلان افلاسها، ويقول علماء النفس وخبراء الصحة الذهنية ان اليابان لديها اكبر مشكلة من هذا النوع في العالم وانها تتنامى. وقد وضع الخبراء قائمة طويلة بأسباب انزواء الشباب الياباني عن المجتمع فانخفاض معدلات الولادة أدى إلى وجود ابن واحد لدى كل عائلة تعلق عليه كل آمالها، فينشأ الأولاد دون وجود قدوة أو نموذج حسن لان آباءهم يعملون طيلة الوقت و«حضارة الخجل» اليابانية تجعل الناس خائفين من نظرة الآخرين لهم اذا ما كان ابناؤهم يعانون من مشاكل. والثراء أو الرفاهية في اليابان تسمح للناس بعزل انفسهم عن المجتمع فيعيش الشباب في منازل عائلاتهم لفترة اطول بكثير مما يحدث في اميركا إذ يبقون في المنزل إلى ان يتزوجوا. والمراهقون والشباب الذين يتركون مدارسهم أو يتخلون عن وظائفهم لا يعانون من ذلك لانهم يجدون من يصرف عليهم في المنزل. وتقول اكيكو 61 عاما انها عندما كانت صغيرة كان الخروج للعمل امرا ضروريا أما الآن فان العائلات لديها ما يكفيها من المال، ولذلك لا يجد الابناء حاجة للبحث عن العمل مباشرة بعد استكمال دراستهم. وفي محاولة لحل مشكلة ابنها الذي يرفض مقابلة أي زائر قررت هي وزوجها من الآن فصاعدا عدم ادخال المظروف الذي يحوي مصروفه الشهري البالغ 400 دولار من أسفل باب غرفته. والمنزوون الذين يقدر ان يكون 70 إلى 80% منهم ذكورا عادة ما ينامون طيلة النهار ويستيقظون طيلة الليل حيث يمضون ساعات الليل في مشاهدة التلفزيون واستخدام الانترنت والتردد على محلات السوبرماركت التي تفتح على مدار الساعة لشراء الوجبات الجاهزة التي تحضر بالمايكروويف سيما وان متاجر اليابان توفر كل ما يحتاجه الشخص الذي يعيش حياة العزلة وتزود الشخص الذي يقيم أو يأكل لوحده بكل ما يحتاج له. سيسي موتو التابعة لاكاديمية الصحة الذهنية في طوكيو تقول انه من السهل في اليابان لأي احد ان يعيش بين جدران منزله، وتتحدث موتو وغيرها من العاملين في مجال الصحة الذهنية عن انخفاض مهارات الاتصال وانهيار المجتمع التعاوني وعيش الناس كغرباء في المدن، ويقول آخرون ان للمشكلة جذورا تاريخية وثقافية عميقة فعلى حسب قول تاداشي يامازو استاذ علم النفس الاكلينيكي بجامعة كيوتو جاكوين فان اليابان هي دولة غنية ولكن بلا هوية أو ثقة بالنفس أو قدرة على الاتصال مع الآخرين فاليابانيون يتسمون بالشخصية السلبية. ولكن معظم الناس يقول ان الظاهرة حديثة ودليل على وجود فجوة كبيرة بين الجيل الذي اسس وبنى النجاح الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب وبين ابنائهم الذين لا يتوقعون ان يحصلوا على وظيفة مدى الحياة في ظل الاقتصاد الضعيف الذي تعاني منه البلاد ولذلك فانهم لا يرون اصلا حاجة للبحث عنها. نوكي فوتاجامي التي اسست جمعية البداية الجديدة التي تسعى لحل مشاكل المنزوين تقول ان في اليابان طريقا واحدة فقط وان عددا متزايدا من الناس اليوم لا يسيرون فيها فمن السهل القول ان الخلفية الدراسية أو الاكاديمية ليست كل شيء لكن الوالدين لا يستطيعان اقتراح طريق اخر لانهما لا يعرفان غيره. والعدد الكبير من المنزوين يغلف بشكل أو بآخر المشاكل الاجتماعية لليابان الحديثة، والتي اصبحت محور الكثير من البرامج الوثائقية التلفزيونية والتحقيقات في الصحف والمجلات. والعديد من هؤلاء المنزوين يبدأون بالتسرب من المدارس والمدهش ان هناك عددا كبيرا منهم في بلد مهووس بالتعليم، فخلال العامين الدراسيين 2000 - 2001 تغيب 134 الف تلميذ من المراحل الابتدائية والاعدادية لحوالي ثلاثين يوما متواصلا وهو اكثر من ضعف الرقم الذي سجل منذ عشرة اعوام. واكيكو تقول ان سنوات دراسة ابنها كانت عادية ولكن في المرحلة الثانوية رسب في اختبار دخول الجامعة، وهو الامر الطبيعي فمعظم من يرسبون يدرسون لعام آخر ويعيدون المحاولة، وابنها قال انه سيدرس لوحده بدلا من الالتحاق بمعهد ومنذ ذلك الحين بدأت حالة الانزواء لديه، وقد حاولت العائلة اخفاء المشكلة حتى على الاقرباء لكن فوتا جامي قال ان ذلك يعني ان العائلة تنزوي بنفسها ايضا ما يفاقم المشكلة. وفي حالات قليلة ارتكب بعض المنزوين جرائم باعثة على الصدمة. وذكر ممثل يلعب دور شاب منزو على المسرح ان غرفة الطفل في أميركا تخص والديه وينظر اليها باعتبار انها مؤجرة للطفل، وفي حال وجود ضيوف ينقل الطفل لغرفة اخرى ليحل الضيف محله وهي الفكرة الغريبة في اليابان حيث يستطيع المراهقون والشباب منع آبائهم وامهاتهم من دخول غرفهم. وفي الوقت الذي تحظى فيه المشكلة بالمزيد من الاهتمام على مستوى البلاد تتأهب الجمعيات والعيادات النفسية لمساعدة العائلات، والزيارات المنزلية التي تتم على مدى اشهر أو سنوات احيانا تخرج العديد من المنزوين من غرفهم. لكن العثور على عمل بعد سنوات من الانزواء هو امر بالغ الصعوبة. ولتوفير خبرة عمل تدير جمعية البداية الجديدة التي اسستها فوتاجامي مراكز خيرية لرعاية المسنين ومطعما ومقهى. ابتسام احمد