اختتم الرئيس الاميركي جورج بوش بنجاح كبير مؤخراً رحلة تاريخية إلى أوروبا حيث زرنا برلين وموسكو وباريس وروما. ولقد اغتنمنا فرصة تلك الزيارة من اجل التضامن مع حلفائنا ضد التهديدات الخطيرة التي تخضع لها حرية وامن شعبنا والحضارة ذاتها. ولقد اتفقنا في الآراء مع الجميع، وبصفة خاصة في ان علينا العمل سوياً من اجل هزيمة الارهاب واقرار السلام في الشرق الاوسط وتهدئة التوترات القائمة في جنوب آسيا. كما توافقت آراؤنا في المقام الاول، حول انه ينبغي علينا مواصلة تعميق علاقاتنا الامنية بين اعضاء مجتمع الامم الحرة. واشاد الرئيس بوش في برلين بالتضامن الالماني مع الولايات المتحدة. واعترف بزعامة المستشار شرويدر وبسالة الـ «بوندستاج» عندما قرر المشاركة الالمانية في العملية الجارية في افغانستان. وكذلك ارسال قوة التعاون من اجل ضمان الامن العالمي في افغانستان، وهو ما يمثل خطوة جبارة بالنسبة لالمانيا. بعد برلين جاءت موسكو وهناك وقع الرئيسان بوش وبوتين اتفاق تقليص الاسلحة النووية الاكثر بروزاً منذ عقود عدة خلت من الزمن. وكان لبوش ايضاً فرصة امعان النظر في ثراء الثقافة الروسية في سان بطرسبرج واشعاع مستقبلها منعكساً في ملامح طلاب جامعة تلك المدينة التاريخية. المرحلة التالية من الرحلة كانت باريس حيث تناولنا مع الرئيس جاك شيراك سلسلة من القضايا العالمية والاطلسية في سهرة مؤثرة أقيمت في «نورماندي» اثنى خلالها رئيس الولايات المتحدة امام الرئيس شيراك على ذكر الجنود الاميركيين والاوروبيين وآخرين من بلدان مختلفة سقطوا دفاعاً عن الحرية قبل عقود خلت من الزمان على ذلك الشاطيء. وكما لاحظ الرئيس الاميركي فإن مواطني اليوم لا يزالون يجدون حافزاً في تلك التضحية. واخيراً اجتمع لاول مرة في «المدينة الخالدة» زعماء دول وحكومات منظمة الـ «ناتو» والمجلس الروسي. وكان الرئيس بوش قد قدم في الاول من مايو من السنة الماضية في جامعة الدفاع القومي رؤية حول ما كان سيصبح وجهة سياسته الخارجية، اذ اشار في حينه إلى الاطار الاستراتيجي مع روسيا وإلى منظومة الدفاع القومي الصاروخي وإلى ما كان ينبغي علينا فعله مع اتفاقية الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية من اجل الدخول في علاقة استراتيجية مع روسيا. وتصرف الرئيس في ما يرتبط بكل عنصر من عناصر هذا الخطاب بطريقة لم تسبب تشويشاً في علاقتنا. ولقد ذهبنا إلى ما هو ابعد من الاتفاقية المشار اليها. ففي تلك المرحلة عقدنا العزم على تخفيض ترسانتنا الهجومية الاستراتيجية إلى رقم يتراوح بين 1700 و2200 رأس نووي منشورة. وعندما رد الرئيس بوتين على ملاحظتنا بأننا كنا سنتخلى عن هذا الاتفاق، قدم اعلاناً مشابهاً فيما يخص التخفيض الذي سيقدم عليه بدوره. وهكذا. فإنه بدلاً من التخلي عن هذه الاتفاقية والتسبب في نشوب سباق تسلح، تم التوصل إلى نقيض ذلك تماماً. وبعد ذلك، وفي اعقاب نقاشات ومفاوضات حادة، قدمنا الاتفاق الذي تم التوقيع عليه والذي يقلص الرؤوس النووية المنشودة عملياً من العدد الحالي الذي يصل ما بين 50 و60 الفاً إلى 1700 أو 2200. واعتقد انني استطيع التحدث ايضاً باسم الجانب الروسي لدى القول باننا امام انجاز تاريخي. صحيح انه كان هناك بعض التعليقات التي افرغت الاتفاق من قيمه، مشيرة إلى انه لا ينص على شيء فيما يتعلق بالرؤوس النووية الفعالة حين تكون مخزنة. وان الاتفاق ينصب على الصواريخ الموجودة على منصات الاطلاق فقط الا انني استطيع التنويه الى ان جميع الاتفاقات السابقة لمراقبة التسلح كانت من النوع ذاته، حيث لم تبد اهتماما بالحد من الاحتياطات وانما بقاذفات الصواريخ والانظمة لكن من الطبيعي ان يتفق الاتفاق الجديد مع ماهو جوهري في الاتفاقات السابقة. فالقضية المهمة هي ان يتم اخراج الرؤوس النووية من المستودعات، واذا كان يهمنا تقليص عدد الرؤوس النووية للجانبين كليهما وتدمير هذه الصواريخ فان علينا البدء بنزعها من المخازن. وبمجرد حفظها ضمن الترسانات سيكون من الممكن الحكم عليها اذا ما كان يجب الحفاظ على بعضها كبدائل عملياتية او استخدام بعضها لتحديث الانظمة او تدميرها. وانا اعتقد ان تدمير اكبر عدد ممكن من الصواريخ يحقق مصلحة عليا للطرفين كليهما وهما لديهما ايضا حدود فيما يخص العدد الذي يستطيعان تدميره خلال سنة محددة لانها عملية تقنية معقدة جدا فنحن مقيدون جدا بخصوص ما يمكننا فعله مثلما هي حال الروس ايضا وذلك بسبب طبيعة بنيتنا التحتية النووية. ويهمنا مساعدة روسيا في ان تحرر نفسها ليس فقط من ترسانتها الفائضة من الرؤوس النووية وانما ايضا من ترسانات اسلحتها الكيماوية، التي لم تعد ضرورية ومن اية اسلحة اخرى كيماوية او بيولوجية او اشعاعية وهذا هو السبب الذي استثمرنا من اجله نحو الف مليون دولار سنويا في برامج مشتركة مع الروس وسنواصل الحفاظ على هذا المستوى من الاستثمار ومن اجل السبب ذاته نحن نبحث في اساليب جديدة ومبتكرة للعثور على الطرق التي تمكن روسيا من تسريع عملية ازالة هذه الترسانة بكاملها. والحالة هذه فانني اعتقد انه اتفاق تاريخي في خدمة مصالح البلدين والشعبين، وانه سيجعل من العالم مكانا اكثر امنا، اذ اننا خفضنا عدد الصواريخ التي تحتوي على رؤوس نووية ومن ثم ستأتي لحظة تركيز على كيفية تحرير انفسنا من الاسلحة الاحتياطية التي هي ليست ضرورية تماما ومع مرور الوقت اعتقد اننا سنشاهد ان هذا هو ما سيحدث فعلا، فليس هناك شيء في هذا الاتفاق يمنعنا من تدمير رؤوس نووية لم تعد لها ضرورة. لكن فعاليات تلك الايام ذهبت الى ماهو ابعد من الاتفاق والاطار الاستراتيجي اذ انها تضمنت ايضا عرض طرق جديدة للتعاون الاقتصادي او فرصا جديدة من اجل التعاون في ميدان الطاقة او بناء خطوط انابيب لتوصيل النفط الى حيث توجد حاجة اليه او النقاش حول انضمام روسيا الى المنظمة العالمية للتجارة. ومن جانبها ستقوم بلادنا بفعل كل ماهو ممكن لاعداد روسيا من اجل انضمامها الى تلك المنظمة ونأمل ايضا خلال اسبوعين ان يتخذ أمين عام المنظمة العالمية للتجارة قرارا يشير الى روسيا باعتبارها اقتصاد سوق ام لا فذلك شيء يندرج ضمن مهامه وهو عمل قياسي ينبغي القيام به. ولقد اجتمع الرئيس بوش ايضا مع سلسلة من المستثمرين البارزين ما بين روس واميركيين وذلك للتحقق من فرص استثمار اخرى تتاح في روسيا واذا قرأنا التصريحات بدقة فاننا سندرك ايضا انه كان هناك التزام من اجل رفع مستوى تبادلاتنا لاننا كما قال بوش مرات عدة راغبون بأن نظهر للشعب الروسي اننا اصدقاء وسوف نكون شركاء. من وجهة نظري يستند هذا اللقاء الخامس لكلا الرئيسين على الركائز التي تم تثبيتها في سلوفينيا قبل عام تقريبا وبوش مسرور الى اقصى حد بنتائجه وكذلك بتعميق العلاقات الشخصية بينه وبين الرئيس بوتين فلقد شكلت الرحلة نجاحا عظيما. ترجمة: باسل أبوحمدة عن «الموندو» ـ اسبانيا