تشترك الصراعات الدموية المندلعة حالياً في كل من سيراليون وانغولا وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في أمر واحد، وهو انها جميعها يتم تمويلها، من خلال ارباح تجارة الماس الذي يكثر في الرواسب الرملية والمائية الموجودة في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون الذين يتسببون في اندلاع وانتشار تلك الصراعات.. وفي محاولة للسيطرة على تلك التجارة غير المشروعة، تم التوصل الى ما عرف ببروتوكول كيمبرلي الذي منع بمقتضاه التداول بالبيع والشراء في الماس من دون وجود شهادة منشأ توضح اصل هذا الحجر النفيس. وعلى الرغم من ان البروتوكول لم يصل حتى مرحلة المراجعة بعد، الا ان مصادر مطلعة علمت ان جماعات حقوق الانسان التي كانت وراء فكرة هذا المشروع يساورها القلق من انه يمكن تزوير تلك الشهادات، مما يجعل الامر والبروتوكول برمته غير ذي جدوى بالمرة. غير ان المشكلة بدت في نطاق السيطرة عندما اجتمعت مجموعة من علماء الجيولوجيا المهتمين بالامر مؤخرا واعلنوا انهم قد توصلوا الى طرق يمكن من خلالها التوصل الى علاج لتلك المشكلة، مفادها القيام بتحديد مكان استخراج كل حجر ماس بعينه ويتوقف نجاح هذه الطريقة على اقناع الحكومات المعنية بالامر، والتي تتمتع بوجود كميات وفيرة من هذا الحجر وتلك التي تملك من الطاقات البشرية ما يمكنها من سبر غور طبيعة الحجر ومكانه على توفير وتمويل قاعدة بيانات عالمية توضح من خلالها سمات وخصائص احجار الماس في كل منطقة، وكيف يختلف الماس في منطقة عن نظيره في اخرى. ويمكن لهذا المشروع ان يحدث اختلافا جوهريا في تقويض انشطة هؤلاء الارهابيين الذين يديرون تلك التجارة الرابحة ويشترون من ايراداتها الاسلحة التي يستخدمونها في ترهيب السكان المحليين ومغادرتهم لقراهم ومناطقهم بل ودولهم بكاملها. ففي سيراليون على سبيل المثال، يعتقد ان الجبهة الثورية الموحدة، وهي جماعة من المتمردين مسئولة عن كثير من الصراعات المسلحة التي تحدث في البلاد، تكسب نحو 100 مليون دولار سنويا من مبيعات الماس غير القانونية. لذا فانه اذا امكن تمييز الاحجار التي يتاجر بها هؤلاء عن غيرها في المناطق الاخرى، فانه يمكن ان يتم تقويض جانب كبير من التمويل الخاص بهؤلاء. احدى التقنيات التي توصلت اليها مجموعة من الباحثين في هذا الصدد جاء على يد جامعة كيب تاون في جنوب افريقيا، حيث يعكف فريق من الباحثين هناك على تحليل وعمل ملفات وكتالوجات لالوف من احجار الماس ويقوم فريق هذا البحث بتحديد شكل الاحجار وألوانها علاوة على تحديد الاطوال الموجية تحت الحمراء الدقيقة التي يمتصها الحجر والنمط الضوئي الذي تبعثه تلك الاحجار عندما تسلط عليها اشعة اليكترونية. ويعلم هؤلاء الباحثون ان احجار الماس تظهر على سطح الارض عن طريق الانشطة البركانية المختلفة، في شكل تكوينات صخرية مخروطية، لذا فان الاختلاف في السمات والخصائص بين تلك التكوينات يعتمد على المساحة الزمنية التي يقضيها حجر الماس في مرحلة التكوين، حيث تختلف تلك المساحة من تكوين لآخر. وتقول ايفا انكار، وهي من اعضاء هذا الفريق العلمي: «يبدو الامر وكأن هناك بصيص أمل في التوصل الى شيء ما يخص تكوينات وتجمعات الماس في منطقة معينة». وفي الوقت نفسه يركز فريق بحث اخر على الطبقات السطحية الدفينة لأحجار الماس الخشنة، وقام أحد أفراد هذا الفريق، ويدعي لاري تايلور، بأخذ عينات ميكروسكوبية من هذه الطبقات قام بقياس مستويات العناصر المعدنية الموجودة مثل الماغنيسيوم والحديد والكالسيوم. ويقول: «يفترض أن الطبقة الخارجية تقوم بالتقاط تلك المعادن من التكوين الصخري التي كانت موجودة به » وقد نجح هذا الباحث بالتوغل في تمييز بعض العينات وحدد مكانها الأصلي وهو منطقة ياكوتا في روسيا. ويتمنى ان يقوده البحث في النهاية الى الوصول الى امكانية تحديد هوية حجر الماس بشكل دقيق. غير ان هاتين الطريقتين لم يتم حتى الآن تجربتهما على الماس الموجود في منطقة غرب افريقيا، ذلك لأنه من الصعب العثور على عينات اصلية، فالعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة تمنع أحجار الماس من مغادرة معظم دول المنطقة بشكل قانوني ولم ينجح الا قليل من الجيولوجيين الشجعان في زيارة المنطقة بشكل شخصي، وفي هذا الصدد يقول جيف هاريس، وهو عالم جيولوجي من جامعة جلاسجو: «اعتقد ان الخصائص المادية للماس تختلف من منطقة لأخرى ولكن في ظل عدم وجود قاعدة بيانات لهذه الخصائص، فإننا لا نملك في الواقع اي دليل على هذا. وينص بروتوكول كيمبرلى المشار اليه آنفا والذي تم وضع الخطوط العريضة له، مؤخرا، في مدينة اوتاوا بكندا على ان تقوم الدول المنتجة للماس باصدار شهادات للماس الذي تم استخراجه بشكل قانوني وتحديد مكان مصدره وذلك اعتبارا من نوفمبر 2002. ويمنع تصدير او استيراد اي كمية من الماس، بموجب هذا البروتوكول، من دون وجود شهادة تبين مصدر استخراج هذه الكمية. وتؤيد الشركات الكبرى العاملة في تجارة الماس في العالم مثل دي بيرز في جنوب افريقيا، وألروسا في روسيا وارجيل في استراليا و« بي إتش بي». دياموند في كندا ان يتم تطبيق هذا البروتوكول حتى يمحوا عنها تهمة التعامل مع جماعات المتمردين في افريقيا غير ان غياب الآليات اللازمة لتطبيق هذا البروتوكول يقف حائلا امام استئصال شأفة هذه التجارة غير القانونية ويبقى الأمل في الوصول الى تقنيات من العلم الحديث توضح المكان الذي تم استخراج الحجر منه. ويبدو الارتباط بين الماس والصراعات المسلحة صدفة جيولوجية بحتة، فالماس الموجود في غرب افريقيا، ظهر عندما قامت الانهار باذابة احجار الماس من الصخور التي كانت الاحجار موجودة فيها، ودفعتها الى قاع الانهار الرملية حيث تمكن الشعب المحلي من التقاطها بسهولة هذا الامر جعل من الصعب للغاية السيطرة على كميات الماس المتواجدة بهذه الدول وتحولت التجارة في الماس الى وسيلة من وسائل الحروب، في حين ان في دول مثل كندا وجنوب افريقيا واستراليا وروسيا وبتسوانا، تعتبر مناجم الماس مصدر ثروة شرعية وليست نشاطا اجراميا كما هو الحال في ذلك الجزء من القارة السمراء مما يوضح ان العلاقة بين الماس والصراعات ليست علاقة حتمية، وكأن مصدر الثروة في بلدان عديدة يعد وبالا ومصدراً للكوارث في مناطق اخرى. ترجمة: حاتم حسين عن «نيوساينتست»