تقنعنا عدسة المخرج السوري عمر اميرلاي، أن الواقع قد يكون أكثر إثارة وغرائبية من الخيال، وأن الفيلم التسجيلي قد يضاهي الأفلام الروائية بقيمته الفنية، ومتعة التلقي، فمنذ فيلمه الأول «محاولة من وادي الفرات» عام 1970، وحتى الأخير «هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يقدمها المرء» وهذا المخرج المبدع حقا يعمل على المنطقة الملتبسة والشائكة الفاصلة ما بين الوثائقي والروائي. ونسوق هذا الكلام بمناسبة عرض فيلمه الثالث «الدجاج» الذي شاهدناه مؤخرا ضمن فعاليات نادي السينما في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، والفيلم كان قد أنتجه التلفزيون العربي السوري عام 1977، وعرض لمرة واحدة فقط بعد عام من إنتاجه، وهذا هو العرض الجماهيري الثاني له، والمنع طبعا لأسباب رقابية وليست فنية. الفيلم بالأبيض والأسود ومدته ساعة تقريبا، وهو يرصد التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على إحدى القرى السورية المسماة بصدد، وهي منطقة قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد وجاء ذكرها في التوراة، أما صدد الحديثة فهي قرية جرداء مهجورة تقريبا فبعد أن تخلص فلاحوها من الإقطاع بفضل قوانين الإصلاح الزراعي، جفت مياهها وبارت أراضيها، فتحول من بقي من أهلها فيها إلى حياكة النسيج والبسط، ثم اعترى سكان القرية حمى إنشاء المداجن الحديثة وتربية الدجاج، وهي مرحلة انتهت بخسائر مادية فادحة بسبب عدم حماية القوانين لهؤلاء البؤساء من منافسة البيض المستورد. استخدم عمر تقنيات التحقيق، الصحفي وقارب موضوعه بأسلوب تهكمي جريء طاول التابو السياسي، فالفيلم يبدأ بسرد تاريخي مقتضب عن هذه القرية قديما وحديثا، ثم يتوقف قليلا عند بيئتها والظروف المعيشية فيها، لينتقل بعد ذلك إلى الموضوع الأساس أي مهنة تربية الدجاج التي زاولها سكان القرية، راصدا الأسباب والريادة وفترات الانتعاش والانتكاس، وفي كل هذا كانت عدسة المخرج تلتقط اللحظات المركبة الأكثر تعقيدا ودلالات، التي تحمل في طياتها المفارقات المضحكة ما بين الأقوال والأفعال، وأحيانا كانت تتدخل العدسة نفسها لإجراء بعض التحويرات الكاريكاتورية على المشهد . رغم طبيعة الموضوع الجافة ومواقع التصوير الجدباء، ومعظمها جال في المداجن، غير أن لقطات الفيلم تمتعت بجماليات وحساسيات قلما نجدها في الفيلم الروائي، فالكادر مدروس بدقة وعناية من حيث التشكيل والإضاءة والقيمة الجمالية والتعبيرية والتتابع، إذ لا توجد لقطات مجانية أو مشاهد خارجة عن السياق الجمالي والذهني الذي بناه المخرج، فثمة توظيف درامي عال للقطات بحيث تتكامل وتتنامى باستمرار، لترسم مشهدية شديدة الحساسية مركبة الدوال ومرمزة، ذات بنية درامية تصاعدية، سارت لا لتفسر البنية النصية للفيلم كما عودتنا الأفلام التسجيلية، بل لتتكامل وتتفاعل معها بحيث تغدو الدلالة النهائية مختلفة عما نراه ونسمعه، و ربما تكون انطلاقة عمر الأولى من عالم اللوحة والتشكيل، قد غذت لديه هذا الحس المرهف اتجاه مفردات اللغة البصرية وأشكال تفاعلها وصياغتها. لم يكثر المخرج من الكلام في الفيلم، بل ترك للصورة الدور الأكبر في التعبير فالأحاديث المجراة مع سكان القرية وأصحاب المداجن كانت قصيرة، وقد اقتطع من حين لآخر الجمل الأكثر سخرية وتعبيرا عن الحالة، ووضعها على خلفية بيضاء في مقاطع مكتوبة، ولم يلجأ إلى الموسيقى كمؤثر صوتي، بل اعتمد توظيف إيقاعات الأصوات الطبيعية وأصوات الآلات والأدوات المستخدمة في تأمين لقمة العيش، كصوت النول مثلا وطاحونة الهواء وصوت الدجاج، ومزجها ببنية الفيلم الصوتية، لتصبح عاملاً درامياً شديد الأثر، قام بتهيئة المناخ العام للمشاهد ورسم ايقاعاتها الداخلية، المشاهد التي انتهت بمدجنة فارغة إلا من أصحاب المداجن المفلسين، وفجأة ينغلق عليهم باب حديد كبير وأسود.. هل هم أغراض التدجين المقبل؟ انها نهاية حولت اليومي والساذج الى ملحمة بعيدة الدلالات والظلال. دمشق ـ «البيان»