للوهلة الاولى، قد يستغرب المرء عندما يسمع، ان رجلا اجنبيا استطاع ان يؤسس فرقة موسيقية عربية، ويرتقي بها الى المستوى العالمي ويقيم اكثر من (500) حفلة موسيقية في معظم العواصم والمدن العربية والغربية، خلال سنوات قليلة من عمر الزمن بل حتى وهو بعيد عن وطنه. لكنه... وبمجرد الجلوس مع هذا الفنان سرعان ما يزول هذا الشعور ويتبدد الاستغراب فثقافته في الموسيقى العربية وتصرفاته، ولباسه، وتقاليده في الضيافة، وروتين حياته ومحتويات داره وكل ما حوله وما فيه من صفات، يجعلك لاتشعر مطلقا بانه انسان اجنبي ولولا لغته العربية «المكسرة» و«لكنته» الفرنسية الواضحة فيها لقلت استنادا لما رأيت بانه عربي الجنسية فعلا وشرقي الهوى والفؤاد. في لقائنا التالي مع جوليان جلال الدين فايس، الذي اجريناه في داره الكائنه في منطقة «باب قنسرين» الاثرية في حلب، نسلط الضوء على فرقة «الكندي» ونحاوره حول العديد من الامور والمسائل المتعلقة بها منذ تأسيسها وحتى تاريخه. ـ متى بدأت انطلاقتك مع الموسيقى العربية، وعلى يد من تعلمت وتتلمذت ولماذا اخترت العزف على «الة القانون» دون غيرها؟ ـ في البداية تعلمت واتقنت اصول العزف على الة «الجيتار» وعمري 12 عاما وتابعت دراستي الموسيقية على هذه الآلة لاكثر من عشر سنوات وفي يوم ما سمعت اسطوانة لعزف منفرد على الة العود وكانت للفنان العراقي «منير بشير» ولشدة ما اعجبتني وتأثرت بها قررت عندها ان اتعلم العزف على هذه الالة، فحاولت فترة من الزمن ثم عدلت عن الفكرة لانها قريبة من «الجيتار» وبدأت ابحث عن الة موسيقية عربية تكون غريبة على الاوروبيين واهتديت الى آلة «القانون» التي سحرتني بصوتها وصدى لحنها ورحت اجمع المعلومات حولها واقرأ العديد من الكتب التي تتحدث عن الموسيقى العربية واوائل الموسيقيين العرب وصممت عندئذ ان اتعلم العزف على «القانون» فسافرت عام 1977 الى القاهرة وهناك تعلمت العزف على يد الاستاذ كمال عبدالله ثم انتقلت بعدها الى اسطنبول وتابعت دراسة الموسيقى التركية ثم سافرت الى تونس والعراق ولبنان وفي كل بلد كنت اقرأ كثيرا واطور نفسي ودراستي وازيد معرفتي وثقافتي في الموسيقى العربية بمعلومات جديدة وطبعا خلال فترة وجودي في البلدان المذكورة اشتغلت مع عدد من المطربين والموسيقيين المعروفين وكنت ايضا اراسل الصحف الفرنسية الاوروبية وانشر فيها مواضيع شتى تتعلق بالموسيقى العربية واوائل الموسيقيين العرب كالفارابي والكندي وسيف الدين الاورموي وغيرهم. ـ ولكن متى اخترت مدينة حلب كمقر لاقامتك وانطلاقتك الفنية ولماذا هي بالذات رغم انك لم تزرها سابقا؟ ـ في الحقيقة لطالما سمعت عن حلب ومبدعيها من المطربين والفنانين وكثيرا ما تمنيت زيارتها وعندما سنحت لي الفرصة في بداية الثمانينيات جئت الى حلب ولانه لدي تصور مسبق فلم أفاجأ بما رأيت، بل على العكس لعل كل ما شاهدته وسمعته في حلب زادني رغبة وقناعة بان هذه المدينة هي الانسب والافضل لانطلاقتي الفنية ولهذا اخترتها دون غيرها لانها فعلا مدرسة في الاصالة والفن والطرب. ـ كما سمعنا هناك فرق في عدد «المفاتيح» بين آلتي «القانون» المصري والسوري وانت في بداياتك تعلمت العزف على الة «القانون» المصري فكيف وفقت بينهما وهل اعترضتك صعوبة في ذلك؟ ـ الصعوبة اعترضتني في القاهرة حيث البدايات الاولى وليس في حلب فالقانون المصري يضم خمسة مفاتيح بينما القانون السوري يضم «احد عشر» مفتاحا ولعل هذه النسبة هي التي تميز آلة «القانون» المصري عن السوري حيث يخرج منه اللحن بشكل اصح وادق وانا كنت اعرف هذه المعلومة قبل مجيئي الى حلب ولذلك حاولت ان اتلافى هذه المشكلة خلال وجودي في مصر وبعدها في بقية البلدان ولاسيما ان فكرة زيارة سوريا وبالتحديد حلب كانت تراودني كثيرا ولهذا اجريت كثيرا من التعديلات والتجارب على آلة «قانون مصري» يضم خمسة مفاتيح كان قد اهداه الي احد اكبر مصنعي آلات «القانون» في مصر وهو من اصل سوري حلبي مقيم هناك ويدعى «جابي توتونجي» وبعد مشاورات ومحاولات عديدة توصلت الى تصنيع آلة «قانون» تضم خمسة عشر مفتاحا اي انه اكثر من مفاتيح «القانون السوري» بأربعة اعداد الامر الذي لاقى اعجاب كل من رآه او سمع به من الموسيقيين السوريين فيما بعد وحاليا انا اعزف على هذا «القانون» منذ احداث فرقة «الكندي» وحتى تاريخه. ـ على ذكر فرقة الكندي، كيف خطرت لك الفكرة، ومتى تأسست هذه الفرقة، ومن كان اعضاؤها سابقا، ومن هم اعضاؤها حاليا؟ ـ الفكرة راودتني وأنا في القاهرة وخلال زياراتي المتكررة الى فرنسا ناقشت الامر مع عدد من الموسيقيين العرب الذين كانوا هناك، واذكر منهم حسين المصري ـ من مصر ـ والعربي الوشني ـ من تونس ـ وغيرهم وقد رحبوا بالفكرة واسسنا فرقة «الكندي» عام 1982 بعد استقراري في حلب واقمنا بعض الحفلات في بعض الدول ولكني لم استمر معهم لاني دائما كنت اسمع «نغمة» الموسيقى الغربية تطغى عل آلاتهم وموسيقاهم بحكم الوسط الذي كانوا يعملون فيه في السابق ولهذا تركت العمل معهم، والتفت للعمل فترة مع الفنان «محمد سعادة» عام 1986 وهو مؤسس فرقة الرشيدية في تونس، ثم تعرفت على عازف الناي السوري «عبدالسلام سفر» فاشتغلنا معا واقمنا سوية العديد من الحفلات بشكل ثنائي وكنت دائما اهتم بادارة اعمال هذه الحفلات وفي عام 1990 بدأت العمل مع بعض المطربين والفنانين كان منهم لطفي بوشناق، وحسين الاعظمي من تونس، واديب الدايخ وحمزة شكور من سوريا وغيرهم، ثم اتفقت بعدها مع الاستاذ «صبري مدلل» على العمل سوية، واعادة لم شمل فرقة الكندي بترتيب جديد وفعلا كان ذلك ومنذ حوالي عشر سنوات نعمل سوية، وقد ارتأينا ان ندخل الفنان «عمر سرميني» الى فرقتنا من اجل التنوع الفني، وحاليا اعضاء الفرقة هم: محمد قدري دلال عازف على العود، وزياد قاضي امين عازف على الناي وعادل شمس الدين من مصر عازف على الرق، ومحمد حسين قمر من العراق عازف على «الجوزة». ـ اذن نفهم من ذلك ان فرقة الكندي تعتمد على اسلوب «اللمة» او التشكيل في عملها فمغن من هنا وعازف من هناك ومطرب من هذا البلد وكورث من غيره الا يؤثر هذا على طبيعة العمل وماهو السبب في ذلك؟ ـ منذ التأسيس كان هدف الفرقة ولايزال هو استقطاب اشهر العازفين والمطربين ولربما في البدايات حصلت بعض التغيرات ولهذا الامر كان له اسبابه آنذاك حيث لم تتبلور الامور كما اردت اما الآن، فقد استقر الوضع منذ سنوات واعضاء الفرقة الحاليون هم الدائمون وان حصلت او تحصل حاليا بعض التغييرات الطفيفة فهذا ما يتطلبه العمل الفني ونوعية الحفل الذي سيقام. ـ وهذا البيت الكبير والاثري الذي تسكن فيه والذي يضم كما نشاهد العديد من الشرقيات والتحف العربية حتى ليبدو الامر وكأنه متحف من متاحف الشرق، والسؤال كم تراه يبلغ من العمر ولماذا اخترت هذه المنطقة القديمة من حلب وماهو تفسير وجود هذه التحف والمحتويات النادرة في المنزل هل لانك تحب التراث والاصالة والتاريخ العربي ام لانك تعمل في مجال الموسيقى العربية؟ ـ لكل الاسباب التي ذكرتها اقطن في هذا البيت فانا فعلا احببت الاسلام وعشقت الشرق والاصالة والتراث العربي منذ صغري ولهذا ايضا عشقت الموسيقى العربية وعشقت كل ماهو قديم وهذا البيت الواسع الاثري كان حلما بالنسبة لي والحمدلله قد تحقق منذ سنوات وقد تستغرب عندما اقول بان كل «دخلي وموردي» اصرفه على اقتناء الكتب بانواعها وشراء التحف العربية والاسلامية، وكل ماهو قديم واثري وكلما زرت بلدا عربيا او اسلاميا حملت معي الى حلب، كل ما يدل على اصالة وتراث وفلكلور هذا البلد اما بالنسبة لمنزلي فيقدر عمره باكثر من 400 عام وهذه المنطقة هادئة جدا وتمنحنى الشعور بالعمل والعطاء الدائم وتدل على التراث والتاريخ العريق لمدينة حلب، ولذلك اخترتها. ـ اذن كما قلت يبلغ عدد الحفلات الموسيقية التي اقامتها الفرقة منذ تأسيسها وحتى الآن اكثر من 500 حفلة والسؤال ماهي نوعية وماهية الموسيقى والغناء والقصائد التي تؤديها فرقة «الكندي» وماهي طموحاتها المستقبلية وهل لها برنامج عمل محدد كل عام؟ ـ الفرقة تقدم كل ما يدل على الاصالة والتراث والتاريخ من قصائد غزل وقصائد صوفية وموشحات وتقاسيم، وقدود حلبية والى ما هنالك وطبعا للفرقة برنامج عمل محدد في كل عام وبطبيعة الحال لا يقل عدد الحفلات التي تقيمها سنويا عن 40 حفلة وللفرقة حتى الآن 16 اسطوانة عمل جماعية والعديد العديد من الاسطوانات للعزف المنفرد اما بالنسبة لطموحاتنا فتتمحور حول البحث الدائم عن الشعراء العرب القدامى وتقديم كل ماهو قديم. ـ سؤال اخير، مع من تطمح للعمل مستقبلا وما هي الاسباب والدوافع؟ ـ اطمح للعمل مع الاستاذ صباح فخري الذي زارني في منزلي اكثر من مرة وتحدثنا حول العديد من الامور، ولربما نعمل سوية في يوم ما، اما عن دافعي في ذلك فلا ضرورة لذكره لان الاستاذ صباح فخري غني عن التعريف. حلب ـ «البيان»