بيان الكتب: في المراحل التاريخية التي تتعرض فيها الأمم للأخطار وللأحداث الجسام التي تستهدف وجودها وتعرض هويتها القومية للانسحاق، يستنهض الشعب هممه مستعينا بكل ما اختزنته ذاكرته من أدوات المقاومة، ويستعيد من مخزونه الجمعي أبطاله الشعبيين بكل ما تحمله سيرهم من بطولة ونبل وفروسية، ويشهرهم في وجه ظالميه ومستغليه ومستعمريه، ويشهرهم في وجه اللحظة الغادرة عندما يستمد منهم ما تركوه من رموز لصيانة الحياة وحماية العدل والحرية والجمال. والتراث الشعبي ـ كما هو معلوم ـ أبدعته الجماعة الشعبية وأضافت اليه الأجيال المتعاقبة أثوابها ورؤاها الجديدة، ونزعت عنه ما علق به من شوائب وأسمال بالية، وظلت تتناقله جيلا بعد جيل حتى وصل الى عصرنا الحديث ليتبؤ مقعده في عصر العلوم والجامعات، فينهض الدرس العلمي بتحليل عناصره والكشف عن خفايا كنوزه رابطا خصائص هذا التراث بخصائص الجماعة الشعبية التي أبدعته لاستجلاء هويتها القومية وسماتها المائزة. السير الشعبية العربية من أهم روافد تراثنا الشعبي العربي، فقد أبدعت الجماعة الشعبية العربية سيرها التي كانت بمثابة مرآة لحياتها العقلية وحياتها الاجتماعية وحروبها وأدوات مقاومتها للظلم والاستعباد، وفي جملة واحدة كانت مرآة لهويتها التي قاومت الانسحاق على مر القرون. ومن السير الشعبية العربية سيرة عنترة بن شداد وأبوزيد الهلالي وسيف بن ذي يزن وذات الهمة والعالية بنت جابر وغيرها من السير التي يتناقلها الناس على طول البلاد العربية وعرضها. وسيرة علي الزيبق ابن حسن رأس الغول المصري فريدة بالقياس الى بقية السير الشعبية العربية فهي من ناحية سيرة مصرية ذات دماء عربية أصيلة، وهي لا تقتصر على الخوارق أو تروي عن بطل أسطوري يأتي بأعمال ذات طابع اعجازي يتجاوز قدرة العقل، وهي سيرة غير مجردة من طابعها الزماني والمكاني كما في سيرة عنترة وذات الهمة والظاهر بيبرس وسيف بن ذي يزن، وهي في احتفائها ببطلها والتمركز حوله لا تهمش الشخصيات الأخرى التي تظهر الى جواره فسيرة علي الزيبق ترسم صورة حقيقية ـ كما يقول فاروق خورشيد ـ لحياة الشعب المصري حتى لو تحركت الأحداث في بغداد أو دمشق، وتأتي هذه الصورة في فترة زمنية تعرض الشعب فيها لحروب ومجاعات وظلم كبير وانهارت فيها سطوة الدولة فيما ارتفع مركز السلاطين الغزاة من كل صوب وحدب، فهم مرة أتراك وأخرى ديلم وثالثة من مجلوبي النخاسين المماليك وبطل السيرة إنسان عادي يستخدم ذكاءه وقوته وحيله التي تخلو في معظمها من الخوارق